سوشيال بامية

هناك نوع خاص من البشر… لا يمكن تصنيفه علميًا، ولا حتى إدراجه ضمن فصائل داروين، لأن داروين لو رآهم لاعتزل العلم وفتح كشك سجاير.

هؤلاء هم سكان السوشيال ميديا.

كنت أتصفح كعادتي، أمارس هواية جلد الذات، حين ظهرت أمامي صورة… جمل. نعم، جمل عربي أصيل، لكن المفاجأة أن له ذراعين بشريتين مفتولتي العضلات، من النوع الذي يجعلك تشك أن الجمل كان يتمرن في الجيم مع “بيج رامي” قبل قليل.

وفوق الصورة عبارة مهيبة:
“أقسمت عليك برب العزة أن تكتب سبحان الله”.

توقعت – بسذاجتي أنا هذه المرة – أن أجد تعليقًا واحدًا فقط يقول:
“يا جماعة… ده فوتوشوب رخيص جدًا.”

لكنني كنت مخطئًا كالعادة.

مئات التعليقات:
“سبحان الله”
“سبحان الخالق”
“لا إله إلا الله”
“اللهم زد وبارك”

ولا أحد… ولا حتى شخص واحد… قرر أن يستخدم الشيء المهجور الموجود بين أذنيه.

المشكلة ليست في الصورة.
المشكلة أن هذه ليست حالة فردية.
هذه ديانة كاملة… اسمها “آمِن قبل أن تفكر”.

مثال آخر رأيته بعيني التي بدأت تفقد الأمل:

صورة لطفل صغير جالس في الشارع، يرتدي ملابس ممزقة، وبجانبه كلب يحضنه بحنان.
والتعليق:
“هذا الطفل رفض أن يبيع كلبه رغم أنه جائع منذ 3 أيام… اكتب تم ليصلك رزق لا تتخيله خلال ساعة.”

النتيجة؟
آلاف التعليقات:
“تم”
“تم”
“تم”

وأنا أتخيل الرزق وهو يقف في طابور أمام بيوت هؤلاء، يقول:
“مين كتب تم الأول؟”

أو وهو يعمل بنظام خدمة العملاء:
“لو سمحت حضرتك كاتب تم ولا لسه؟”

الغريب أن أحدًا لم يسأل:
من هذا الطفل؟
أين التقطت الصورة؟
لماذا الكلب نظيف أكثر منه؟
لماذا القصة مكتوبة بنفس الصيغة في عشرات الصفحات؟
ولماذا الرزق يحتاج “كومنت” ليبدأ عمله أصلا؟

أما المثال الثالث… فهو تحفة فنية في العبث:

منشور يقول:
“شركة عالمية ستمنح 5000 دولار لكل من يكتب كلمة (موافق) ويشارك المنشور… الفرصة لمدة 24 ساعة فقط!”

المنشور عمره… ثلاث سنوات.

وما زال الناس يكتبون:
“موافق”

أشعر أحيانًا أن الزمن نفسه تعب من المحاولة، وقال:
“أنا مالي… خلّيهم يكملوا.”

المؤلم حقًا ليس أنهم يصدقون.
بل أنهم يصدقون بحماس.
يشاركون… يعلّقون… يقسمون… يدعون… وكأنهم في سباق أولمبي للسطحية.

وهنا تبدأ في طرح أسئلة وجودية:

هل المشكلة في التعليم؟
أم في غياب الشك؟
أم أن الإنسان بطبعه يحب أن يُخدع… طالما الخدعة مريحة؟

السوشيال ميديا لم تخلق السذاجة…
هي فقط منحتها منصة وميكروفونًا.

وأحيانًا… كاميرا…
وأحيانًا… جمل بعضلات بشرية.
كما أعطتها لايك… وشير… وتعليقًا يقول:
“اللهم اجعلنا من الذاكرين”.

أنا لا ألوم الجمل صاحب العضلات.

هو على الأقل صامت لم يطلب منك أن تكتب شيئًا…
لم يقسم عليك…
ولم يعدك برزق خلال ساعة.

لكنني ألومك أنت…

لأنك رأيت ذراعين بشريتين على جسد جمل…
وقررت أن المشكلة ليست في الصورة…

بل في أنك لم تكتب:
“سبحان الله” بسرعة كافية.

… دون أن تسأل:
سبحان الله على ماذا بالضبط؟

Scroll to Top