المثقفون الجدد

وكيف تعرف أنك غبي في ثلاث دقائق

أحيانًا لا تحتاج أكثر من ثلاث دقائق لتشعر أنك غبي.
ليس لأنك فعلت شيئًا خاطئًا،
بل لأنك جلست مع مثقف.

لا تعرف متى يبدأ الأمر تحديدا،
لكن فجأة تجد نفسك تهز رأسك موافقًا على أشياء لم تفهم منها حرفًا،
وتبتسم احترامًا لكلمات لم تسمع بها من قبل،
وتشعر بشيء فيف من الندم لأنك لم تولد في باريس عام 1870.

المثقف الحقيقي نادر،
لكن مدّعي الثقافة كثيرون… كالأرز في موائد العزاء.

تتعرف عليه فورًا.

يجب أن يكون هناك كتاب دائمًا في يده،
حتى لو لم يُفتح.
ويفضل أن يكون سميكًا…
لأن السمك في حد ذاته دليل قاطع على العمق، حتى لو كان الداخل هواءً. مثل صاحبه أحيانًا!!

أول علامة تحذير أنك أمام “مثقف” من هذا النوع:
هو لا يتحدث… بل يُلقي.

لو سألته عن الطقس،
سيبدأ بشرح فلسفة المطر عند الإغريق،
ثم يقفز فجأة إلى الحداثة السائلة،
ثم ينتهي بك الأمر نادمًا على أنك سألت أصلًا.

كلماته المفضلة:
«السردية»، «الخطاب»، «التفكيك»، «ما بعد ما بعد».
والمهم أنه لا يشرح شيئًا،
لأن الشرح في نظره يقلل الهيبة.

مدّعي الثقافة لا يقول:
— «لا أعرف».
هذه جملة مهينة جدًا لتاريخه الوهمي.

هو يعرف كل شيء،
لكنه «يرفض التبسيط».
لأن التبسيط في نظره نوع من الخيانة الفكرية.

ذات مرة كنت جالسا مع مجموعة من المثقفين هؤلاء فيما يشبه ندوة ثقافية إن صح التشبيه،
فسأل شاب بسيط سؤالًا بسيطًا.
نظر إليه المثقف بنظرة شفقة،
ثم قال بهدوء:
— «السؤال نفسه إشكالي».

خرج الشاب وهو يشعر أنه ارتكب ذنبًا فكريًا،
بينما خرج المثقف منتصرًا… دون أن يجيب.

المثقف المزيف يا صديقي يحب التجهم.

لا يضحك،
لأن الضحك يقلل من القيمة المعرفية للوجه.

وإن ضحك،
يضحك بطريقة توحي أنه يفهم النكتة على مستوى لا يمكنك الوصول إليه.
سيكون ضحكًا خفيفًا متعاليًا،
كأنه يقول:
«أنتم لا تفهمون لماذا أضحك».

المثقف يا عزيزي

له رأي في كل شيء:
السياسة،
الدين،
الاقتصاد،
تربية الأطفال،
والطب أيضا…
رغم أنه يرتبك من إبرة عادية.

وحين يخطئ،
لا يعتذر،
بل يقول:
— «أنت لم تفهم قصدي».

الأجمل أن هذا النوع من مدّعي الثقافة يكره الجماهير.

يحتقرهم في سره،
ويكتب عنهم في العلن بوصفهم
«القطيع»،
«الجمهور الساذج»،
«العقل الجمعي المتخلف».

ثم يحزن بشدة إذا لم يقرأ له أحد.

هناك نوع أخطر قليلا:
“المثقف الثوري الموسمي”

يكتب بشجاعة نادرة…
في المواضيع الآمنة فقط.

يصمت حين يكون الكلام مكلفا،
ويتفلسف حين يكون الصمت هو الحكمة الوحيدة.

يعرف تماما أين يقف،
ويجيد السير بمحاذاة الجدار
دون أن يتسخ كلماته.

ومع كل هذا الضجيج،
يبقى للمثقف الحقيقي علامة واحدة لا تخطئها العين.

لا يُشعرك أنك أقل منه.
لا يستخدم المعرفة كسلاح.
ولا يتعامل مع الثقافة كاستعراض.

المثقف الحقيقي يجعلك تحب الفهم،
لا تخاف منه.
لا يربكك،
بل يفتح لك بابا لنفهم أكثر.

المشكلة ليست في الثقافة،
بل في تحويلها إلى عرض مسرحي.

إلى نظارات سميكة بلا رؤية،
وكتاب بلا قراءة،
وكلمات دور حول نفسها دون أن تصل إلى شيء.

وعلى كل حال،
لو خرجت من جلسة ثقافية
وأنت تشعر أنك أقل ذكاء مما كنت قبلها،
فاطمئن…

غالبًا لم يكن هناك ثقافة أصلًا.

 

Scroll to Top