
أعرف هذا الشعور جيدًا… ليس شعور الهزيمة، بل ذلك الشعور الذي يأتيك في منتصف النقاش، لا كاستسلام، بل كـ“إغلاق مشروع غير مربح”.
تبدأ الحكاية دائمًا بنفس البراءة الساذجة.
شخص ما يطلق رأيًا خاطئًا بثقة مدهشة، تلك الثقة التي لا تأتي من معرفة… بل من فراغ داخلي واسع يصلح كمستودع لكل شيء غير صحيح.
تشعر للحظة أن واجبك الأخلاقي أن تصحح المسار، أن تضع النقاط فوق الحروف، وأن تعيد الكون إلى توازنه الطبيعي.
تبتسم.
تدخل النقاش.
تخرج الحجج من جيبك العقلي واحدًا تلو الآخر، كأنك ساحر يخرج الأرانب من قبعة الوعي.
ثم تكتشف – متأخرًا – الحقيقة الصادمة:
لا أحد كان ينتظر الحقيقة أصلًا .. بل إن الطرف الآخر لا يعتبر كلامه خطأ من الأساس.
هناك طرفان في كل نقاش:
طرف يريد أن يفهم…
وطرف يريد أن ينتصر فقط.
وأنت – بكل براءة – دخلت ساحة حرب وأنت تحمل كتابًا مدرسيًا عن السلام.
في البداية كنت أقاتل.
ثم أصبحت أناقش.
ثم بدأت أشرح.
ثم صرت أكرر نفس الجملة بصيغ مختلفة.
ثم… بدأت أتنهد في منتصف الجملة.
ثم… جاءت مرحلة الصمت الداخلي؛
تلك التي تسمع فيها صوتًا في رأسك يقول:
“لماذا أفعل هذا بنفسي؟”
وكنت – لا أُنكر – أمتلك طاقة عجيبة لذلك كله.
كنت أجادل لساعات على “فيسبوك” في موضوع واحد، أتنقل بين التعليقات كجندي لا يعرف الراحة، أقاتل على أكثر من جبهة، أرد على هذا، وأقنع ذاك، وأؤيد ثالثًا… وكل ذلك تحت منشور واحد، ولساعات لا تنتهي.
وربما كان المنشور عبارة عن صورة قطة أو اقتباس فلسفي مقلوب.
أما الآن؟
وصلت إلى مرحلة أكثر غرابة…
مرحلة أنني قد أقرأ منشورًا يهزني من الداخل… ثم لا أملك حتى رفاهية أن أضغط “إعجاب”.
ربما لأنني أدركت متأخرًا…
أن زر “أعجبني” لم يكن يومًا دليل اقتناع،
بل مجرد طريقة مهذبة لنقول:
“لقد قرأت… ولن أجادل”.
صرت أمارس طقسًا غريبا اسمه: “الانسحاب الصامت”.
تلك اللحظة التي تبتسم فيها ابتسامة خفيفة، كأنك تقول لنفسك:
“حسنًا… دع الكون يتدبر أمره بدون تدخلي المؤقت”.
لا أدري متى حدث التحول بالضبط.
هل هو الشيب المبكر؟
أم النضج؟
أم الملل؟
أم تلك الحكمة المشبوهة التي تأتي مع كثرة خيبات الأمل؟
أم ربما اجتماعهم جميعًا في لجنة غير رسمية داخل الرأس؟
لكن المؤكد أن شيئًا ما تغير.
المضحك أنني ما زلت أملك الحجج.
نعم، لدي أرشيف كامل يمكنه تفكيك الفكرة التي أمامي إلى ذرات منطقية صغيرة جدًا، ثم إعادة تركيبها في شكل “اعتراف بالخطأ”.
لكنني لا أفعل.
ليس لأنني لا أستطيع…
بل لأنني اكتشفت أن بعض العقول لا تدخلها الأفكار من باب المنطق، بل من باب المزاج، والهوى، و”أنا مقتنع وخلاص”.
وهذا الباب… لا يفتح بالمفاتيح العقلية.
أحيانًا أرى نفسي من الخارج.
أقف في منتصف نقاش، أشرح بحماس، أستخدم أمثلة، وأرفع صوتي قليلًا…
ثم فجأة أتوقف.
ليس لأنني اقتنعت بالطرف الآخر، لا سمح الله.
بل لأنني وصلت إلى تلك المرحلة المتقدمة من النضج التي تقول لي:
“هل هذا الحوار سيغير شيئًا؟”
الجواب غالبًا: لا.
إذاً لماذا أستمر؟
هنا يبدأ أجمل قرار في الحياة؛
الانسحاب الهادئ.
أن تغادر دون إعلان.
أن تترك النقاش يمشي وحده نحو هاوية العبث دون أن تمسك بيده.
أن تبتسم في النهاية وتقول لنفسك:
“ربما هو محق… في عالمه هو.”
وتكمل طريقك.
مع الوقت تعلمت شيئًا غريبًا …
أن الانتصار في النقاش ليس دائمًا انتصارًا.
أحيانًا تربح الجدال… وتخسر ساعتين من عمرك، وصديقًا، وشيئًا من طمأنينة بالك.
وأحيانًا تنسحب… فتربح نفسك.
ربما المشكلة لم تكن يومًا في ضعف حججي…
بل في اختياري الخاطئ لمن أوجهها إليه.
أما عن تلك الجملة الشهيرة في داخلي:
“لكن لدي ما يكفي من الحجج لسحق رأيك تمامًا…”
فهي ما زالت موجودة.
لكنها أصبحت تعمل في وظيفة أخرى الآن…
وظيفتها الجديدة: “مراقب داخلي صامت”، يجلس في الزاوية، يصفق أحيانًا، ثم يغمغم:
“كنا نستطيع أن نفوز… لكن لا بأس، النوم أفضل”.
في النهاية، لم أعد أجادل كثيرًا.
ليس لأنني فقدت القدرة…
بل لأنني فهمت أن بعض الصمت… ليس غيابًا عن المعركة.
بل خروج مبكر من ساحة لا تستحق حتى أن تُسمى معركة.
وبعض الانتصارات الحقيقية… لا تحتاج أن تُعلن.
يكفي فقط أن تغادرها حيًا من الداخل.
لذلك، إذا رأيتني صامتًا في نقاش حاد، لا تظن أنني بلا رد.
أنا فقط… اخترت أن أحتفظ به لنفسي، وأغلق الحوار كما يُغلق باب قديم في آخر الليل:
بهدوء…
وبلا ضجيج…
دون أن توقظ البيت كله.