أسماء في مهب الريح

أنا رجل أنسى… وهذه ليست مقدمة أدبية، بل تقرير حالة.

خاصة إذا كان الأمر يتطلب أن أتذكر اسما ما لشخص ما قابلني يوما ما… حتى لو كان هذا اليوم ما، هو هذا اليوم منذ 3 دقائق.

فأنا أنسى الأسماء تحديدًا، وكأن هناك اتفاقًا سريًا بين ذاكرتي وبين أسماء البشر على المقاطعة.
قد أتذكر ملامحك، صوتك، عدد شعيرات حاجبك الأيسر… لكن اسمك؟ مستحيل. هذا رفاهية لا أملكها.

حدث أن كنت في الكلية، أنهي بعض أوراق الماجستير، وهي أوراق – كما تعلم – لا تُنجز إلا إذا مرّت على كل كائن حي في المبنى وخُتمت بختم يشبه ختم البريد في العصور الوسطى.

وأحيانًا تشعر أنك لو لم تمر على عامل البوفيه فلن تُقبل رسالتك علميًا.
قال لي الموظف: “اذهب إلى مدير الكلية الدكتور… (اسم مكون من جزءين)… وخذ توقيعه.

هززت رأسي بثقة العلماء، وخرجت.

بعد ثلاث خطوات فقط، اكتشفت أن الاسم تبخر. اختفى. لم يعد له أثر، وكأن أحدهم ضغط زر “Delete” في دماغي.

عدت إليه مهرولًا:
– معلش يا أستاذنا، اسم المدير؟
قاله لي مرة أخرى، بنبرة تحمل استغرابا خفيفًا. ذلك الاستغراب الذي يقول: “هذا الطالب سيكتب رسالة ماجستير فعلًا؟”
أعدت الاسم في رأسي خمس مرات، وخرجت مسرعا لكي أنهي الأمر قبل أن تصيبني لعنة النسيان.

ولأن عقلي كان مشغولا بموعد القطار الذي أريد أن أدركه في موعده … فقد تبخر الاسم ثانية ونسيت.

أردت أن أعود للمرة الثالثة… لكني أيقنت أنها ستكون تجربة علمية فاشلة.

في النهاية، قررت أن أختصر الطريق وقلت لأي شخص قابلته:
“لو سمحت… فين مكتب المدير؟”
وذهبت… وطرقت الباب… وقلت بثقة:
“صباح الخير يا دكتور.”

الحمد لله أن كلمة “دكتور” عامة وتشمل الجميع.


الموقف الأكثر رعبًا في حياتي ليس الامتحانات، ولا النتائج… بل تلك اللحظة التي يبتسم فيها شخص لك بثقة.

أنت تعرف هذه الابتسامة.
ابتسامة تقول: “نحن أصدقاء منذ سنوات، أليس كذلك؟”

فتبتسم أنت أيضًا… ابتسامة تقول: “يا رب يستر.”

أقول في نفسي: لا شك أننا التقينا يوما ما وحدث بيننا حوار أو تعاون من نوع ما كما يحدث غالبا مع الأشخاص المثاليين.

ثم تأتي الضربة القاضية:
– مش عارفني؟

هنا تبدأ عملية إنقاذ فاشلة.
تضحك ضحكة عريضة وتقول:
– وهل يخفى القمر؟

وهي جملة عظيمة… لأنها لا تعني شيئًا.

ثم تدخل في الهجوم:
– عامل إيه؟ أخبارك إيه؟ والأولاد؟

فيقول لك بهدوء:
– أنا مش متجوز.

وهنا تشعر أن روحك خرجت وجلست على الكرسي المجاور تتابع الحوار للمتعة.

وقتها أتذكر دعابة عادل إمام في الواد سيد الشغال: والعيب منك ولا منها؟!!


مرة أخرى، قررت أن أكون صادقًا.
وهو قرار نبيل… لكنه غير عملي اجتماعيًا

قال لي أحدهم: “فاكرني؟”
قلت له: “لا.”

صمت…
صمت ثقيل…
صمت كأننا في جنازة العلاقة الاجتماعية.

ينتشلني من هذا الهم فيذكرني بنفسه وبقريته وتاريخ ميلاده ويبرز لي بطاقته ولو استطاع لعرض عليّ شجرة العائلة كاملة… وحتى الآن لا أتذكره.

عجيب أمر هؤلاء الناس يريدون إرغامي على حفظ أسماءهم في حين أنا أحفظ أسماء أولادي بالكاد وأحيانًا بالترتيب الخاطئ.

ومنذ ذلك اليوم، لم أره مرة أخرى. أعتقد أنه غير اسمه وانتقل إلى محافظة أخرى وربما قارة أخرى احتياطًا.


الهاتف أيضًا ليس صديقًا جيدًا لي.

يرن الهاتف:
– ألو… أنا أبو فلان.

حسنًا… من هو فلان؟ ومن أنت؟ ولماذا تشعر أنني يجب أن أعرفك؟

يبدأ في تذكيري بمواقف عظيمة بالكاد أعرف أنها حدثت لكن الشخص ذاته لا أتذكره تماما إلا باسمه وهذا شيء عظيم وجهد مشكور لو تعلم. ثم يقول لي:
“فاكر يوم ما كنا قاعدين في المكان الفلاني؟”

لا… لا أذكر. لكني أقول:
“آه طبعًا… يوم عظيم.”

أشعر أحيانًا أن حياتي مليئة بأيام عظيمة لا أتذكر منها شيئًا.

فما كان منه إلا أن طلب مني أن نلتقي ولحسن الحظ أنه وقتها كان بالإسكندرية.

فاتفقنا أن نلتقي في كافيه في فندق محترم.

وتسهيلا لأمر اللقاء قال لي: “أنا أرتدي قميصا أزرق وبنطلونا جينز”

رائع… نصف سكان الكوكب يرتدون هذا الزي.

كنت أتوقع أن يكمل:
“وسألوّح بمنديل أبيض من الشباك أو أضع في جيب سترتي وردة حمراء.”

ذهبت إلى المكان، ووجدت عشرات النسخ منه.
وقفت في المنتصف، أبتسم للجميع، لعل أحدهم يشعر أنني المقصود.

وفي النهاية… وجدني هو.

احتضنني بحرارة وقال:
“وحشتني يا راجل!”

قلت له:
“مرحبا أبا فلان يا أخي كنت قل لي أنا أبو فلان وأنا سأعرفك مباشرة”.


بلغ الأمر أنني بدأت أتعامل مع الأسماء ككائنات خيالية.
تظهر في القصص فقط… ولا وجود لها في الواقع.
أسمع الاسم، فأهز رأسي، وأعلم يقينًا أنه لن يبقى أكثر من عشر ثوانٍ.

لذا قررت أن أتبنى سياسة جديدة:
لا أنادي أحدًا باسمه.

يا صديقي… يا أستاذ… يا كبير… يا محترم…
ترسانة ألفاظ عامة صالحة لكل زمان ومكان… ولكل البشر بلا استثناء.
مجموعة كلمات مطاطة تنقذني من مواقف محرجة.


إن نسيان الأسماء ليس عيبًا بسيطًا… بل أسلوب حياة.

فإن قابلتني يومًا… أرجوك، لا تختبر ذاكرتي ولا تحاول استدراجي وتسألني عن اسمك لأنني لن أخبرك.
ليس تعمدًا… بل رحمة بك.

وإن كنت مصرًا… فافعل كما يفعل الجميع:
ابتسم، وقل: “أنا فلان.”

صدقني… بهذه الطريقة…
ستوفر علينا لحظة صمت محرجة…
وقد تنقذ صداقة…
أو على الأقل… تختصر علينا هذا المشهد التمثيلي الذي أجيده… ولا أفهمه.

صديقي القارئ:
إن مررت بتجربة مشابهة… فأخبرني ولكن فضلا عرّفني باسمك في البداية احتياطًا.

Scroll to Top