قاتل الله الأرق

لا، دعنا نكون منصفين قليلًا… لا تقتله تمامًا، فقط اربطه إلى كرسي في زاوية الغرفة، واتركه يشاهدك وأنت تحاول النوم، كما يفعل بك تمامًا كل ليلة. نوع من العدالة الشعرية الرديئة، لكنه أفضل من لا شيء.

الأرق – لمن لم يتشرف بالتجربة – ليس فقدان النوم… بل وفرةٌ فجة في اليقظة.
حضورٌ فظّ، قليل الذوق، كضيف ثقيل يصر على الجلوس فوق صدرك، ويطلب قهوة، ويبدأ في الحديث عن كل ما لا تريد سماعه.
بينما تحاول إقناعه أنك مشغول. لكنه لا يقتنع.
يجلس، ويبتسم، ويبدأ في استدعاء كل الأفكار التي لم تطلبها، وكل الذكريات التي كنت سعيدًا بنسيانها، وكل الخطط التي لن تنفذها حتى لو عشت مئة عام.

تبدأ الحكاية دائمًا بجملة بسيطة، بريئة، تكاد تُقال عرضًا:
“لن أنام الآن… فقط دقائق أفكر فيها قليلًا.”
ثم – كما يحدث في كل الكوارث الإنسانية – تتحول “الدقائق” إلى محاكمة طويلة،
يجلس فيها عقلك قاضيًا وشاهدًا وجلادًا…

وأنت المتهم الوحيد… بلا محامٍ… وبلا أمل في الاستئناف.

يقولون إن الأرق سببه القلق.

وهذا كلام جميل… يصلح لبوستات التنمية البشرية، وربما لتعليق حماسي أسفل صورة شروق الشمس… وربما لبطاقات تهنئة بالعام الجديد، لكنه لا يصلح للحياة.

أنا – مثلًا – لا أقلق. أو على الأقل… هذا ما أقوله لنفسي.
أنا إنسان هادئ جدًا… لا يشغلني شيء على الإطلاق…
سوى بعض التفاصيل التافهة جدًا…

مثل الأسعار التي تشتعل كأنها قررت أن تنتقم مني شخصيًا.
ومثل الأبناء… هؤلاء الكائنات الصغيرة التي أقسمت أن أحبها، ثم اكتشفت أنني بحاجة إلى دورة تدريبية في “ترويض البشر”. أو أتحول إلى مشروع ديكتاتور صغير.
ومثل تلك الأفكار اللعينة التي لا تزورني أبدًا في وضح النهار، لكنها تتسلل في الليل كأنها لص مهذب.

مجرد أشياء بسيطة… تافهة… لا تستحق أن يطير النوم من عيني بسببها.

لكنك تكتشف أن النوم – في هذه الأثناء – قد جمع حقائبه، وغادر المكان بهدوء، وترك لك رسالة قصيرة:
“حاول غدًا… إن كنت لا تزال حيًا.”

الغريب أنك – من الناحية الرسمية – بخير.
لا ديون تطاردك (أو على الأقل لم تلحق بك بعد)،
ولا مآسٍ وجودية تضغط على صدرك،
ولا حتى قصة حب فاشلة تستحق السهر والقصائد الرديئة…
ومع ذلك… لا تنام.

كأن عقلك – في لحظة كرم غير مبرر – قرر أن يمنحك بعض المعاناة مجانًا، لأنك “لا تعاني بما يكفي”.

ثم تبدأ الطقوس.

طقوس عبثية لا تختلف كثيرًا عن الرقص حول النار في العصور البدائية… لكنها أقل فائدة.

تغيّر وضعيتك كل ثلاثين ثانية…
تنام على ظهرك… على جنبك… على بطنك… كأنك تبحث عن “قناة النوم” المناسبة.

جربت شرب أعشاب لا أعرف أسماءها، طعمها يشبه محاولة مضغ حديقة عامة.
التزمت بالنصائح الشهيرة: لا تأكل قبل النوم، لا تستخدم الهاتف، اقرأ شيئًا هادئًا، استمع إلى شيء ممل.

فعلت كل ذلك… بل وزدت عليه.
قرأت أشياء مملة جدًا لدرجة أنني كدت أنام من الملل… لكن الأرق – اللعين – كان يوقظني في اللحظة الحاسمة، كأنه يقول:
“لا لا… ليس بهذه السهولة يا صديقي.”

حتى العدّ… تلك الحيلة الساذجة التي يقترحها الجميع بثقة غريبة. “عد من 100 إلى 1”.

يا عزيزي… أنا عدَدت من عشرة آلاف إلى الصفر… سبع مرات. وفي كل مرة، أصل إلى الصفر، فأكتشف أنني لم أنم… بل أصبحت أكثر يقظة، وكأنني أنهيت سباق ماراثون ذهني بلا خط نهاية.

تحاول القراءة من الهاتف لعل ضوءه يؤثر على عينيك فيبعث إليك النوم…
فتقرأ شيئًا مملًا جدًا…
فتكاد تنام…
فيوقظك الأرق في اللحظة الحاسمة، كأنه يهمس:
“ليس الليلة…”

الكارثة الحقيقية ليست في السهر ذاته …

بل في تلك الغفوة الصغيرة.

غفوة العصر.

هذا الكائن البريء في ظاهره، الشيطاني في جوهره.
تغمض عينيك عشر دقائق عصرًا… فقط عشر دقائق…
فتفتح بوابة جهنمية لا تُغلق إلا بعد يومين.

كأنك وقّعت عقدًا مع الأرق يمنحك بموجبه حق السهر الإجباري حتى إشعار آخر.

تسمع في هذا الوقت شخير الجيران…
ذلك الشخير الذي يبدو وكأنه استعراض عضلي لقدرتهم الخارقة على النوم…
وتتساءل في مرارة:
كيف ينام هؤلاء؟!
هل يملكون زرًا سريًا؟
أم أنهم ببساطة… لا يفكرون؟
أم هناك تفسير آخر!!

أتذكر تلك المرة التي قررت فيها أن أكون عبقريًا.
كان لدي سفر صباح السبت.
قلت لنفسي: “سأسهر ليلة الخميس… أستيقظ مبكرًا الجمعة… أقاوم النوم طوال اليوم… ثم سيأتي الليل ويغلبني النوم كطفل مطيع، فأستيقظ صباح السبت بكل همة ونشاط.”

خطة رائعة… تصلح لأن تُدرّس في كليات الإدارة.

سارت الأمور بشكل رائع… حتى صلاة العصر.

هناك، تحديدًا، شعرت أن جفوني أصبحت أثقل من ضميري.
قاومت… حاولت… أقسمت أنني لن أنهزم…
لكن – للأسف – أنت لا تهزم النوم حين يقرر أن يهزمك… تمامًا كما لا تهزم الأرق حين يقرر أن يسكنك.

غفوت.

مجرد غفوة.

واحدة.

استيقظت بعدها… لأبدأ ماراثونًا من اليقظة استمر حتى صباح السبت.
سافرت وأنا أشعر أنني لم أنم منذ العصر العباسي.

وفي المساء… كررت نفس الغلطة… وحدثت الغفوة مرة أخرى.
وهكذا دخلت في دائرة عبثية،
حيث تصبح الغفوة الصغيرة هي المخرج الوحيد من التعب… وهي في الوقت نفسه سبب العذاب القادم.

المشكلة أن الأرق لا يكتفي بإبقائك مستيقظًا…
بل يجعلك تفكر.
تفكر في كل شيء… بلا استثناء.
تفتح الملفات المؤجلة:
ملف الأسعار…
ملف الأبناء…
ملف المستقبل…
ملف الماضي الذي انتهى لكنه يرفض المغادرة…

ثم تنتقل إلى مستوى أعمق…

فكرة بسيطة: “يجب أن أكتب هذا المقال.”
ثم تتحول الفكرة إلى عنوان…
ثم إلى فقرة…
ثم إلى مشروع كتاب…
ثم إلى تساؤل وجودي عن جدوى الكتابة…
ثم إلى شك عميق في كل ما كتبته من قبل.
ثم إلى قناعة أنك لم تفعل شيئًا يُذكر في حياتك…
ثم إلى قرار حاسم بأنك ستبدأ من جديد… غدًا.
وغدًا هذا… لا يأتي أبدًا.
لأنه يبدأ دائمًا بنقص في النوم.

الأرق لا يسرق منك النوم فقط… بل يسرق منك إحساسك بالسيطرة.
يجعلك كائنًا هشًا، سريع الغضب، بطيء التفكير، متوترًا بلا سبب واضح.
ثم – وهذا هو الأجمل – يتركك في الصباح لتواجه العالم وكأن شيئًا لم يحدث.
تذهب إلى عملك… تتحدث مع الناس… تبتسم… وتتصرف كإنسان طبيعي…
بينما في داخلك، هناك شخص آخر يصرخ: “أنا لم أنم!”
لكن لا أحد يسمع.

لأن الأرق… تجربة شخصية جدًا.
مثل الحب من طرف واحد… أو قراءة كتاب سيء حتى نهايته.

وبعد كل هذا الصراع، كل هذه المحاولات، كل هذه الخطط الفاشلة… تصل إلى قناعة بسيطة جدًا:
أن النوم… ليس حقًا.
بل امتياز.
امتياز يُمنح للبعض… ويُحرم منه آخرون… لأسباب لا يفهمها أحد.

المشكلة ليست في النوم…
المشكلة فيك.
أنت لا تعاني من الأرق لأنك فارغ…
بل لأنك ممتلئ أكثر مما ينبغي.
ممتلئ بأفكار لن تُكتب…
بهموم صغيرة تتضخم في الليل كالبالونات…
بتفاصيل تافهة يصر عقلك على تحليلها كأنها قضية أمن قومي…
بأحلام أكبر من وقتك… وأصغر من أن تتحقق.

الأرق ليس مرضًا…
بل حالة وعي زائدة عن الحد.

ولهذا… لا يفيد فيه العد… ولا الأعشاب… ولا تقليل الطعام… ولا حتى النوايا الحسنة.
لأنك لا تحارب جسدك…
أنت تحارب عقلك…
وهذه معركة خاسرة دائمًا.

إن الاعتراف الأمثل والجدير بالتصديق:
أنت لا تريد أن تنام.
لأن النوم استسلام…
وأنت – في أعماقك – ترفض أن تُغلق الصفحة.
تخاف أن تضيع فكرة…
أن يمر خاطر دون أن يُكتب…
أن تموت لحظة دون أن تُعاش.

ولهذا تسهر…
ليس لأنك عاجز عن النوم…
بل لأنك عاجز عن التوقف.

وفي النهاية…
لن يهزمك الأرق… ولن تهزمه.
ستتعايشان… كجارين يكرهان بعضهما، لكن لا يملكان رفاهية الرحيل.

ستنام يومًا… فجأة… بلا مقدمات…
كما تأتيك الفكرة… كما يأتيك الحزن… كما يأتيك كل شيء في هذه الحياة دون موعد.

لكن حتى ذلك الحين…
ستلقي برأسك كل ليلة على الوسادة،
وتبدأ الحكاية من جديد…

حكاية رجلٍ
كان يريد أن ينام…

فاكتشف
أنه حين يغلق عينيه…

يستيقظ كل شيء آخر.

Scroll to Top