وهم الانتماء الكروي: حب من طرف واحد

في البدء… دعني أُعرّفك بنفسي حتى لا تظن أنك تقرأ كلامًا عابرًا كتبه أحد “مشجعي الكنبة” الذين يظهرون فقط عند رفع الكأس.
أنا – ببساطة – أهلاوي.
نعم… من جماعة النادي الأهلي المصري، تلك الحقيقة التي تُقال بثقة حتى لو كنت لا تعرف جدول المباريات أصلًا.

95% من مباريات الأهلي لا أشاهدها إلا بالمصادفة البحتة.
بل إنني – لو طُلب مني الآن – قد لا أستطيع أن أحدد موعد المباراة القادمة، أو حتى اسم الخصم أحيانًا…
لكنني، لسبب غامض، أفتح التلفاز في اللحظة المناسبة تمامًا… لحظة الهدف.
كأن الكون يتآمر ليمنحني متعة الفوز دون عناء المشاهدة.

ثم… أتحول.
بقدرة قادر، أتحول إلى محلل كروي من الطراز الرفيع.
أتحدث عن التمركز، عن الضغط العالي، عن أخطاء الظهير الأيسر، وكأنني كنت جالسًا بجوار المدرب طوال التسعين دقيقة.
وأوزع نظرات الشفقة على كل من حولي… لأنهم – ببساطة – لا يفهمون الكرة مثلي.

بل وأحيانًا أضيف لمسة درامية خفيفة، فأهز رأسي بحزن عميق، وأقول جملة محفوظة لا تخيب أبدًا:
“الموضوع مش موضوع مهارة… الموضوع شخصية فريق.”
ولا أحد يسألني ما معنى “شخصية فريق” تحديدًا… لأن النبرة كانت كافية لإقناع الجميع أنني أفهم أكثر مما ينبغي.

صديقي “جودة” – هكذا أسميه وهو من أعز أصدقائي بالمناسبة – حالة مختلفة.
هذا الرجل يحفظ تاريخ الأهلي كما يحفظ اسمه.
يمكنه أن يخبرك من مرر الكرة في الدقيقة 63 في مباراة منسية بين النادي الأهلي والترسانة عام 2004، ومن أضاع انفرادًا كان كفيلًا بتغيير مسار البطولة موسم 1998.
بل أحيانًا أشك أنه لو تعرض لفقدان ذاكرة… سيظل يتذكر تشكيلة الفريق.

ومع ذلك، الغريب، أنه ليس متعصبًا.
هو فقط… مهووس.
وهناك فرق شاسع بين الجنون الهادئ… والهستيريا الصاخبة.

أما المتعصبون… فهؤلاء قصة أخرى.
هؤلاء الذين قد يخسر أحدهم صديقًا لأنه شجع الفريق الخطأ.
الذين يتحولون إلى محامين، وقضاة، وجلادين في آن واحد… من أجل مباراة كرة.

مرة قرأت تعليقًا – وأقسم لك أنه حقيقي – سبّ فيه أحدهم شجرة عائلة كاملة، حتى كدت أتوقع أن يُقحم الجيران وأصحاب البقالة في الشتيمة… كل هذا لأن فريقه خسر.
تخيل أن كرة جلدية تُركل بالقدم… تستطيع أن تُخرج أسوأ ما في الإنسان، وكأنها زر سري للغضب الكامن.

في إحدى المرات، كنت جالسًا في مقهى – وهي مرات قليلة كما تعلم – أحتسي قهوتي بسلام مبالغ فيه، حين بدأ شجار بين شابين.
في البداية ظننت أنه خلاف على الحساب… أو على الطاولة… أو حتى على فتاة.
لكن الحقيقة كانت أكثر إثارة للسخرية:
أحدهما قال إن الهدف تسلل… والآخر قال إنه صحيح.
كاد أن ينتهى النقاش بكرسي طائر.
ولوهلة… شعرت أن الكرسي – لو طار – فهو أكثر الكائنات وعيًا في المكان.

وفي مرة أخرى، قرر أحد معارفي الأبعدين – بحماس شديد – أن يذهب إلى النادي ليرى لاعبه المفضل.
وقف ساعات… تحت الشمس… يبتسم لأي سيارة تمر…
وحين ظهر اللاعب أخيرًا… مرّ بجانبه كأن الهواء فقط هو الموجود.
عاد المسكين يومها صامتًا، يحمل صورة واحدة… ليست مع اللاعب… بل لبوابة النادي من الخارج.

وربما الأكثر إيلامًا… أنه ظل ينظر إلى الصورة وكأنها إنجاز شخصي، كأنه اقترب خطوة من حلم لم يكن له مكان فيه من الأساس.

وهنا… يجب أن نتوقف قليلًا.
جرب أنت.
مرّ أمام بوابة ناديك… وحاول أن تدخل فقط “بدافع الحب”.
أرسل رسالة للاعبك المفضل… وانتظر الرد الذي لن يأتي.
احسب كم جنيهًا زاد في راتبك بعد فوز فريقك بالدوري.
تذكر كم مرة دُعيت لحضور احتفال التتويج.

ستكتشف – فجأة – أنك تقف خارج الصورة تمامًا.
تشجع… تغضب… تفرح… تتشاجر…
بينما هم في الداخل… يعيشون حياة أخرى لا تعرفك… ولا تحتاجك.

ولو كنت من متابعي الدوريات الأوروبية، فستلاحظ مفارقة غريبة…
أنك تشجع فرقًا لا تنتمي لبلدك، ولا لمدينتك، ولا حتى لقارتك…
وتشعر بانتماء حقيقي لها، ومتعة شديدة في تمرير الكرات وجودة اللاعبين…
بينما فريق الحي الذي تلعب بجواره منذ طفولتك… لا تعرف عنه شيئًا.

بل وقد تتحمس لمباراة في دوري أوروبي أكثر من حماسك لحدث حقيقي في حياتك الشخصية…
وكأن الواقع أصبح مجرد فاصل إعلاني طويل… بين مباراتين.

الأمر كله… يشبه فيلمًا طويلًا.
أنت تدفع ثمن التذكرة، وتبكي، وتضحك، وتتوتر…
لكن البطل لا يعرف اسمك.

الرياضة… في أصلها… جميلة.
مفيدة لمن يمارسها… ممتعة لمن يشاهدها…
لكنها تتحول إلى شيء آخر تمامًا حين تصبح مقياسًا للولاء… أو سببًا للعداء.

والمشكلة ليست في الكرة… بل فينا نحن.
في ذلك الفراغ الصغير داخل كل واحد منا… الذي يبحث عن شيء ينتمي إليه… بأي ثمن.

والغريب… أنني بعد كل هذا الكلام، وبعد كل هذه الفلسفة الثقيلة التي قد تجعلك تظن أنني اعتزلت التشجيع واعتنقت السلام الداخلي…
اكتشفت في آخر مباراة – لم أشاهدها طبعا – أن الأهلي خسر مباراة مهمة…
فأغلقت الهاتف بعصبية…
ونظرت في الفراغ طويلًا…

ثم قلت بثقة الخبير الذي لا يُخطئ أبدًا:
“أنا كنت عارف… التشكيل كان غلط من الأول!”

Scroll to Top