يَوْمُ عَرَفَةَ.. يَوْمُ الْمُبَاهَاةِ الْإِلَهِيَّةِ

الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، أَحْمَدُهُ حَمْدًا يَلِيقُ بِجَلَالِ وَجْهِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، وَأَشْكُرُهُ شُكْرًا يُوَافِي نِعَمَهُ وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ وَإِحْسَانَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَخِيْرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ وَحَبِيبُهُ وَمُصْطَفَاهُ، أَرْسَلَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَتَابِعِيهِمْ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

لَقَدْ شَرُفَتْ هَذَا الْأُمَّةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ بِزَمَنٍ فَاضِلٍ، وَمَوَاسِمَ لِلْخَيْرَاتِ يُقْبِلُ اللَّهُ فِيهَا عَلَى عِبَادِهِ بِالرَّحَمَاتِ وَالْبَرَكَاتِ، فَمِنْهَا شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ سَيِّدَ الشُّهُورِ وَأَشْرَفَهَا، وَمِنْهَا الْعَشْرُ الْأَوَائِلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ الَّتِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَا فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ فَقَالَ: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١-٢]، وَمِنْهَا يَوْمُ عَرَفَةَ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ فِيهِ لِعِبَادِهِ عِتْقاً وَفَضْلاً وَكَرَماً لا يُحَاطُ بِهِ وَلا يُدْرَكُ كُنْهُهُ، يَوْماً تُزَفُّ الْأَرْوَاحُ فِيهِ زَفّاً شَوْقاً إِلَى الرَّحِيمِ الْوَدُودِ، وَتَتُوبُ الْقُلُوبُ فِيهِ تَوْبَةً تَمْحُو خَطَايَا الْعُمْرِ كُلِّهَا، وَتَفِيضُ الْأَعْيُنُ بِدَمْعِ النَّدَمِ وَالْخُشُوعِ، فَيَا لَهَا مِنْ سَاعَاتٍ مَا أَكْرَمَهَا، وَيَا لَهَا مِنْ دَقَائِقَ مَا أَشْرَفَهَا، فَطُوبَى لِعَبْدٍ عَرَفَ قَدْرَ هَذَا الْيَوْمِ فَأَحْيَا سَاعَاتِهِ بِالذِّكْرِ وَالتَّوْبَةِ وَالدُّعَاءِ، وَرَجَا مِنْ مَوْلَاهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ عُتَقَائِهِ الْفَائِزِينَ، وَطُوبَى لِعَبْدٍ اغْتَنَمَ نَفَحَاتِ هَذَا الْيَوْمِ الْعَظِيمِ فَكَانَ لَهُ ذُخْراً وَعِدَّةً لِيَوْمٍ لَا يَنْفَعُ فِيهِ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.

احتفاء القرآن العظيم بيوم عرفة وارتباطه بإكمال الدين

لَقَدِ احْتَفَى الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِيَوْمِ عَرَفَةَ احْتِفَاءً لَمْ يَحْتَفِ بِهِ بِيَوْمٍ آخَرَ غَيْرِهِ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، فَقَدْ أَشَارَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ الْمُبَارَكِ تَصْرِيحاً وَتَلْمِيحاً فِي غَيْرِ آيَةٍ، جَعَلَ فِيهَا مِنْ شَرَفِهِ وَفَضْلِهِ وَقَدْرِهِ مَا يَجْعَلُ الْعَاقِلَ يَقِفُ طَوِيلاً مُتَأَمِّلاً ذَلِكَ الْجَلالَ وَالْعَظَمَةَ، مُتَسَائِلاً: كَيْفَ يَكُونُ لِيَوْمٍ وَاحِدٍ كُلُّ هَذَا الشَّرَفِ وَالْفَضْلِ وَالْمَنْزِلَةِ عِنْدَ رَبِّ الْأَرْبَابِ؟

أَوَّلُ تِلْكَ الْآيَاتِ وَأَعْظَمُهَا دَلَالَةً عَلَى فَضْلِ يَوْمِ عَرَفَةَ، هِيَ الْآيَةُ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا الْيَوْمِ الْعَظِيمِ، آيَةُ إِكْمَالِ الدِّينِ وَإِتْمَامِ النِّعْمَةِ، قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣].
أَتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ كَانَ ذَلِكَ يَا عِبَادَ اللَّهِ؟ كَانَ يَوْمَ عَرَفَةَ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهَا نَزَلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ”. فَاجْتَمَعَ لِيَوْمِ عَرَفَةَ بِذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَشْرَافٍ عِظَامٍ: شَرَفُ الزَّمَانِ وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَشَرَفُ الْمَكَانِ وَهُوَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَاتٍ، وَشَرَفُ الْحَدَثِ وَهُوَ إِكْمَالُ الدِّينِ الَّذِي ارْتَضَاهُ اللَّهُ لِلْعَالَمِينَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، فَصَارَ هَذَا الْيَوْمُ أَعْظَمَ أَيَّامِ الدُّنْيَا، وَأَشْرَفَ سَاعَاتِ الْوُجُودِ، إِذْ شَهِدَ إِعْلَاناً رَبَّانِيّاً بِأَنَّ الدِّينَ كَمُلَ وَأَنَّ النِّعْمَةَ تَمَّتْ وَأَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الدِّينُ الْمَرْضِيُّ عِنْدَ اللَّهِ، فَمَا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ مِنْ تَشْرِيعٍ إِلَّا تَذْكِيرٌ وَتَبْيِينٌ وَتَفْصِيلٌ لِمَا كَانَ.

ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ رُكْناً مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ الْعَظِيمِ، بَلْ جَعَلَهُ الرُّكْنَ الْأَعْظَمَ وَالْعَمُودَ الْأَقْوَمَ، فَلَا يَصِحُّ حَجٌّ إِلَّا بِهِ، وَإِذَا فَاتَ فَقَدْ فَاتَ الْحَجُّ بِأَسْرِهِ. وَقَدْ أَشَارَ الْقُرْآنُ إِلَى هَذَا الْمَنْسَكِ الْجَلِيلِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]. فَلَوْ تَدَبَّرْتَ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَوَجَدْتَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَةَ، بَلْ قَالَ: ﴿مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، إِشَارَةً إِلَى عَظَمَةِ هَذَا الْمَوْقِفِ وَجَلَالِهِ، وَأَنَّهُ مَوْضِعُ رَحَمَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَبَرَكَاتٍ مُتَوَافِرَةٍ وَخَيْرَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ، كَأَنَّ الْأَرْضَ بِكَمَالِهَا فِي هَذَا الْيَوْمِ تُصْبِحُ عَرَفَاتٍ وَالزَّمَانُ كُلُّهُ يَتَجَلَّى فِي هَذَا الْيَوْمِ الْفَذِّ.

وَأَيْضاً قَالَ تَعَالَى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣]. فَمَا الشَّاهِدُ وَمَا الْمَشْهُودُ؟ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ: «الشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ». وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ هُوَ سَيِّدُ الْأَيَّامِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، وَمَعَ ذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ يَوْمَ عَرَفَةَ هُوَ الْمَشْهُودَ الَّذِي يَشْهَدُهُ الْحُجَّاجُ وَالْمَلَائِكَةُ وَيُبَاهِي اللَّهُ بِهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ.

وَأَيْضاً قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣]. وَقَالَ جَمْعٌ كَبِيرٌ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ: “إِنَّ الشَّفْعَ يَوْمُ النَّحْرِ، وَالْوَتْرَ يَوْمُ عَرَفَةَ”. فَتَأَمَّلْ كَيْفَ أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذَا الْيَوْمِ، وَالْقَسَمُ بِالشَّيْءِ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ قَدْرِهِ وَشَرَفِ مَقَامِهِ عِنْدَ الْمُقْسِمِ، فَمَا ظَنُّكَ بِمُقْسِمٍ هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَخَالِقُ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي وَمُقَلِّبُهَا وَمُصَرِّفُهَا كَيْفَ يَشَاءُ؟

عظمة يوم عرفة عند النبي

وَلَيْسَ احْتِفَاءُ الْقُرْآنِ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي يُمَيِّزُ هَذَا الْيَوْمَ، بَلْ أَيْضاً احْتِفَاءُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ». يَا لَهَا مِنْ جُمْلَةٍ وَجِيزَةٍ لَكِنَّهَا تَحْمِلُ بَيْنَ طِيَّاتِهَا مَعَانِيَ لَا تُحْصَى وَلَا تُعَدُّ، فَكَيْفَ لِيَوْمٍ وَاحِدٍ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ سَائِرِ الْأَيَّامِ، وَاللَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ الْأَيَّامَ وَقَدَّرَهَا وَجَعَلَ بَعْضَهَا أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ؟

المباهاة الربانية العظمى في يوم عرفة

وَهَلُمَّ بِنَا إِلَى الْأَمْرِ الْأَعْظَمِ، وَالسِّرِّ الْأَكْبَرِ، وَالْغَايَةِ الَّتِي لِأَجْلِهَا تَتُوقُ الْقُلُوبُ وَتَخْضَعُ الرِّقَابُ، إِنَّهَا الْمُبَاهَاةُ الرَّبَّانِيَّةُ الْجَلِيلَةُ، الَّتِي لَيْسَ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ مِثْلُهَا، حَيْثُ يُقْبِلُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إِقْبَالَ الْكَرِيمِ الْمُحِبِّ، وَيُنَادِيهِمْ مُبَاهِياً بِهِمْ مَلَائِكَتَهُ الْكِرَامَ. رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْداً مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟». يَا لَهَا مِنْ لَحْظَةٍ جَلِيلَةٍ، وَيَا لَهَا مِنْ سَاعَةٍ عَظِيمَةٍ، حِينَمَا يَدْنُو رَبُّ الْجَلَالِ دُنُوّاً يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ، ثُمَّ يُبَاهِي بِأُولَئِكَ الْوُقُوفِ الشُّعْثِ الْغُبْرِ مَلَائِكَتَهُ الَّذِينَ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، فَيَقُولُ لَهُمْ: “مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟” أَيْ مَا الَّذِي جَاءَ بِهِمْ إِلَى هَذَا الْمَكَانِ الْقَاحِلِ، فِي هَذِهِ الْحَرَّ الشَّدِيدِ، وَهَذَا التَّعَبِ الرَّهِيبِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ عِنْدِي الْخَزَائِنَ، وَأَنِّي الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ؟ إِنَّهُمْ جَاءُوا يَبْتَغُونَ رَحْمَتِي وَيَخَافُونَ عَذَابِي، جَاءُوا إِلَيَّ مِنْ بَعِيدٍ لَمْ يَرَوْنِي، إِلَّا أَنَّهُمْ آمَنُوا بِي وَصَدَّقُوا رُسُلِي وَاتَّبَعُوا أَمْرِي، فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي وَرَأَوْا جَلَالِي وَجَمَالِي وَعَظَمَتِي؟!

وَرَوَى الْإِمَامُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ مَلَائِكَةَ أَهْلِ السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي هَؤُلَاءِ جَاءُونِي شُعْثاً غُبْراً». يَقُولُ الْإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ “التَّمْهِيدِ”: “وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ مَغْفُورٌ لَهُمْ، لِأَنَّهُ لَا يُبَاهِي بِأَهْلِ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبِ إِلَّا مِنْ بَعْدِ التَّوْبَةِ وَالْغُفْرَانِ”. فَطُوبَى لِمَنْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَبَاهَى بِهِ مَلَائِكَتَهُ، وَطُوبَى لِمَنْ تَطَهَّرَ مِنْ ذُنُوبِهِ وَخَرَجَ مِنْ عَرَفَةَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ.

خير الدعاء وأسرار إجابة السؤال في يوم عرفة

وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعَبْدُ إِلَى اللَّهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْفَذِّ هُوَ الدُّعَاءُ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِلدُّعَاءِ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ شَأْناً لَيْسَ لَهُ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ. فَالْأَسْمَاعُ تُصْغِي، وَالْقُلُوبُ تَخْشَعُ، وَالْأَكُفُّ تَرْتَفِعُ، وَالدَّمْعُ يَنْهَمِلُ، وَالْجَوَارِحُ تَخْضَعُ وَتَلِينُ، وَالنَّفْسُ تَفْتَقِرُ إِلَى رَبِّهَا الَّذِي لَا غِنَى لَهَا عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ. رَوَى الْإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ». انْظُرْ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ الْعَظِيمِ كَيْفَ جَمَعَ فَضْلَيْنِ: فَضْلَ الدُّعَاءِ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَفَضْلَ هَذَا الذِّكْرِ الْجَلِيلِ الَّذِي هُوَ سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ وَأَعْظَمُ التَّهْلِيلِ وَالتَّمْجِيدِ. فَمَنْ قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ بِإِخْلَاصٍ وَيَقِينٍ، فَقَدْ قَالَ خَيْرَ مَا قَالَهُ النَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِهِ، وَقَدْ رَجَا أَفْضَلَ مَا يَرْجُوهُ عَابِدٌ مُخْلِصٌ.

صيام يوم عرفة وتكفير ذنوب عامين

ثُمَّ إِنَّ مَنْ فَضَائِلِ هَذَا الْيَوْمِ الْعَظِيمِ مَا وَرَدَ فِي صَوْمِهِ، فَصَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ هُوَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِغَيْرِ الْحَاجِّ، وَهُوَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَفْضَلِ التَّطَوُّعَاتِ وَأَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ. عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. هَذَا وَاللَّهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ، يَوْمٌ وَاحِدٌ مِنَ الصَّوْمِ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالسَّيِّئَاتِ وَالزَّلَّاتِ، أَمَا وَأَنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِلْمُتَأَمِّلِينَ، وَدَلَالَةً عَلَى كَرَمِ اللَّهِ وَجُودِهِ وَسَعَةِ رَحْمَتِهِ.

وَأَمَّا الْحَاجُّ فَلَا يَصُومُ يَوْمَ عَرَفَةَ، بَلْ يُفْطِرُ لِيَتَقَوَّى عَلَى الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ وَالْوُقُوفِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَفَ مُفْطِراً، وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَاتٍ». وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَفْطَرَ بِعَرَفَةَ، وَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أُمُّ الْفَضْلِ بِلَبَنٍ فَشَرِبَ. فَالْحَاجُّ مُتَعَبِّدٌ بِوُقُوفِهِ وَذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ، وَغَيْرُ الْحَاجِّ مُتَعَبِّدٌ بِصَوْمِهِ وَذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ، كُلٌّ فِي خَيْرٍ وَعَطَاءٍ وَفَضْلٍ كَبِيرٍ.

صغار الشيطان ويأسه في يوم عرفة

وَفِي هَذَا الْيَوْمِ يَصْغُرُ الشَّيْطَانُ وَيَذِلُّ وَيَحْقَرُ وَيَغْضَبُ غَضَباً شَدِيداً، لِمَا يَرَاهُ مِنْ رَحَمَاتِ اللَّهِ تَتَوَافَى عَلَى عِبَادِهِ، وَخَيْرَاتِهِ تَتَتَابَعُ عَلَى حُجَّاجِهِ، وَمَغْفِرَتِهِ تَعُمُّ مَنْ وَقَفَ وَمَنْ لَمْ يَقِفْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْماً هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ، مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ». قِيلَ: وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ». أَلَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَبُشْرَى عَظِيمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، أَنَّ عَدُوَّهُمُ الْأَوَّلَ فِي هَذَا الْيَوْمِ أَصْغَرُ وَأَذَلُّ وَأَحْقَرُ، لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَنْزِلُ بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، فَيَيْأَسُ الشَّيْطَانُ مِنْ إِغْوَاءِ هَؤُلَاءِ الْحُجَّاجِ وَمَنْ يَتَّبِعُهُمْ بِإِحْسَانٍ.

حال السلف الصالح في يوم عرفة وما كانوا يفعلونه

وَمَا أَجْمَلَ أَنْ نَنْظُرَ إِلَى حَالِ السَّلَفِ الصَّالِحِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْعَظِيمِ، كَيْفَ كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ، وَكَيْفَ كَانُوا يُحْيُونَ لَيَالِيَهُ وَأَيَّامَهُ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالْخُشُوعِ وَالِاسْتِغْفَارِ، لَعَلَّنَا نَأْخُذُ مِنْهُمْ أُسْوَةً حَسَنَةً، وَنَسِيرُ عَلَى نَهْجِهِمْ فِي اغْتِنَامِ هَذِهِ الْفُرَصِ الْعَظِيمَةِ.

رَوَى الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي “حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ” عَنِ الْإِمَامِ الْجَلِيلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ حَجَّ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ حَجَّةً، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا، قَالَ وَهُوَ بِعَرَفَةَ: “اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي قَدْ وَقَفْتُ فِي مَوْقِفِي هَذَا ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ وَقْفَةً، فَوَاحِدَةٌ عَنْ فَرْضِي، وَالثَّانِيَةُ عَنْ أَبِي، وَالثَّالِثَةُ عَنْ أُمِّي، وَأَشْهَدُكَ يَا رَبِّ أَنِّي قَدْ وَهَبْتُ الثَّلَاثِينَ لِمَنْ وَقَفَ مَوْقِفِي هَذَا، وَلَمْ تُتَقَبَّلْ مِنْهُ”. فَلَمَّا دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ وَنَزَلَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، نُودِيَ فِي الْمَنَامِ: “يَا ابْنَ الْمُنْكَدِرِ، أَتَتَكَرَّمُ عَلَى مَنْ خَلَقَ الْكَرَمَ؟ أَتَجُودُ عَلَى مَنْ خَلَقَ الْجُودَ؟ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لَكَ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَقَدْ غَفَرْتُ لِمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَ عَرَفَةَ بِأَلْفَيْ عَامٍ”. هَذَا وَاللَّهِ الْكَرَمُ الرَّبَّانِيُّ الَّذِي لَا يُحَدُّ وَلَا يُوصَفُ، يَغْفِرُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْمَكَانَ الَّذِي يَسْتَغْفِرُونَ فِيهِ، وَذَلِكَ لِعِلْمِهِ سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُمْ سَيَتُوبُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ مُقَدَّماً كَرَماً وَإِحْسَاناً. وَمَنْ كَرُمَ عَلَيْهِ رَبُّهُ هَكَذَا، كَيْفَ لَا يَرْجُو رَحْمَتَهُ وَيَطْمَعُ فِي مَغْفِرَتِهِ؟

وَرُوِيَ عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ وَقَفَ بِعَرَفَةَ وَالنَّاسُ يَدْعُونَ، وَهُوَ يَبْكِي بُكَاءَ الثَّكْلَى الْمُحْتَرِقَةِ، فَلَمَّا كَادَتِ الشَّمْسُ تَسْقُطُ، قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ: “وَاسَوْأَتَاهُ مِنْكَ وَإِنْ عَفَوْتَ”. يَا لَهَا مِنْ حَالَةٍ تُرْجِعُ الْعُقُولَ إِلَى الْحَيْرَةِ، هَذَا الْإِمَامُ الْجَلِيلُ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، كَانَ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ وَأَزْهَدِهِمْ وَأَخْشَاهُمْ لِلَّهِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَبْكِي بُكَاءَ الثَّكْلَى، وَيَقُولُ: وَاسَوْأَتَاهُ مِنْكَ يَا رَبِّ مَعَ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ عَفُوٌّ يَعْفُو وَيَغْفِرُ وَيَرْحَمُ وَيَتُوبُ. فَمَا بَالُنَا نَحْنُ الْخَاطِئِينَ الْمُذْنِبِينَ الْمُقَصِّرِينَ الْمُفَرِّطِينَ؟ أَلَا نَبْكِي كَمَا بَكَى الْفُضَيْلُ، وَأَلَا نَنْكَسِرُ كَمَا انْكَسَرَ، وَأَلَا نَتُوبُ كَمَا تَابَ، وَأَلَا نَرْجُو كَمَا رَجَا، لَعَلَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَشْمَلُنَا وَتَغْمُرُنَا وَتُظِلُّنَا وَتَسْقِينَا؟

وَعَنِ الْإِمَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: “جِئْتُ إِلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَهُوَ جَاثٍ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَعَيْنَاهُ تَهْمِلَانِ، فَبَكَيْتُ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقُلْتُ: مَنْ أَسْوَأُ هَذَا الْجَمْعِ حَالاً؟ قَالَ: الَّذِي يَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لَهُمْ”. يُرِيدُ سُفْيَانُ أَنَّ أَسْوَأَ النَّاسِ حَالاً فِي هَذَا الْيَوْمِ لَيْسَ صَاحِبَ الذُّنُوبِ الْكَبِيرَةِ الَّذِي جَاءَ يَرْجُو رَحْمَةَ اللَّهِ، بَلْ هُوَ الَّذِي يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ وَمَغْفِرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، لِأَنَّ الْيَأْسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ هُوَ الْكَبِيرَةُ الْعُظْمَى، وَالْخَطِيئَةُ الْكُبْرَى الَّتِي لَا تُغْتَفَرُ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ مِنْهَا.

وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْوَرْدِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: قَالَ لِي عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: “إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَخْلُوَ بِنَفْسِكَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَافْعَلْ”. وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا الْوَقْتَ هُوَ أَعْظَمُ أَوْقَاتِ الْإِجَابَةِ، وَالْخَلْوَةُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ تُعِينُ عَلَى حُضُورِ الْقَلْبِ، وَصِدْقِ اللَّجَأِ، وَإِخْلَاصِ الدُّعَاءِ، وَتَرْكِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ. فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يُفْرِدَ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ وَالْبُكَاءِ وَالْخُشُوعِ فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ، فَلْيَفْعَلْ، فَإِنَّهَا سَاعَةُ الْإِجَابَةِ، وَوَقْتُ نُزُولِ الرَّحْمَةِ.

وَعَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: وَقَفَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَبَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بِعَرَفَةَ، فَقَالَ مُطَرِّفٌ: “اللَّهُمَّ لَا تَرُدَّهُمُ الْيَوْمَ مِنْ أَجْلِي”، وَقَالَ بَكْرٌ: “مَا أَشْرَفَهُ مِنْ مَوْقِفٍ وَأَرْجَاهُ لِأَهْلِهِ، لَوْلَا أَنِّي فِيهِمْ”. هَذَا هُوَ التَّوَاضُعُ الْعَظِيمُ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ، يَخَافُ الْعَبْدُ الصَّالِحُ أَنْ يَكُونَ هُوَ السَّبَبَ فِي رَدِّ الدُّعَاءِ عَنِ النَّاسِ، وَيَخْشَى أَنْ يَكُونَ عَيْبُهُ هُوَ الَّذِي يَحُولُ بَيْنَ الْجَمْعِ وَالْمَغْفِرَةِ. فَيَا لَهَا مِنْ نَفُوسٍ زَكِيَّةٍ طَاهِرَةٍ نَقِيَّةٍ، وَيَا لَهَا مِنْ قُلُوبٍ خَاشِعَةٍ خَاضِعَةٍ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.

يوم عرفة ليس للحجاج فقط بل للأمة كلها

وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمَهُ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعاً أَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ لَيْسَ لِلْحُجَّاجِ وَحْدَهُمْ، بَلْ هُوَ يَوْمٌ لِلْأُمَّةِ كُلِّهَا، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْحَجَّ هَذَا الْعَامَ، فَلْيَسْتَغْنِمْ هَذَا الْيَوْمَ فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي مَسْجِدِهِ، وَلْيَصُمْهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ حَاجّاً، وَلْيُكْثِرْ فِيهِ مِنَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ، فَإِنَّ فَضْلَهُ عَظِيمٌ وَأَجْرَهُ كَبِيرٌ، وَثَوَابَهُ غَيْرُ مَحْدُودٍ، لِمَنْ صَامَهُ أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ فِيهِ أَوْ دَعَا فِيهِ، أَوْ تَصَدَّقَ فِيهِ، أَوْ تَلَا فِيهِ الْقُرْآنَ.

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي “لَطَائِفِ الْمَعَارِفِ”: “مَنْ فَاتَهُ فِي هَذَا الْعَامِ الْقِيَامُ بِعَرَفَةَ، فَلْيَقُمْ لِلَّهِ بِحَقِّهِ الَّذِي عَرَفَهُ، مَنْ عَجَزَ عَنِ الْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ فَلْيَبِتْ عَزْمَهُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَقَدْ قَرَّبَهُ وَأَزْلَفَهُ، مَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْقِيَامُ بِأَرْجَاءِ الْخَيْفِ فَلْيَقُمْ لِلَّهِ بِحَقِّ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ، مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى نَحْرِ هَدْيِهِ بِمِنًى فَلْيَذْبَحْ هَوَاهُ هُنَا وَقَدْ بَلَغَ الْمُنَى، مَنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى الْبَيْتِ لِأَنَّهُ مِنْهُ بَعِيدٌ فَلْيَقْصِدْ رَبَّ الْبَيْتِ فَإِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى مَنْ دَعَاهُ وَرَجَاهُ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ”. هَذَا قَوْلٌ جَلِيلٌ فِيهِ عَزَاءٌ لِمَنْ لَمْ يَحُجَّ، وَتَعْزِيَةٌ لِمَنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ، وَبِشَارَةٌ لِمَنْ صَدَقَ فِي رَجَائِهِ وَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ. فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلِ الْخَيْرَ مَقْصُوراً عَلَى مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ، أَوْ زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ، وَإِنَّمَا جَعَلَ الْخَيْرَ مَوْزَّعاً عَلَى الْأَمَاكِنِ وَالْأَزْمِنَةِ، لِكَيْ تَتَسَنَّى لِلْجَمِيعِ فُرَصُ الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ. فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْحَجَّ فَلْيَصُمْ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الصِّيَامَ فَلْيُكْثِرِ الذِّكْرَ، وَمَنْ قَصَّرَ فِي الذِّكْرِ فَلْيَتُبْ تَوْبَةً نَصُوحاً، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ فَلْيَنْوِ الْخَيْرَ فَإِنَّ النِّيَّةَ الصَّالِحَةَ تُكْتَبُ لِصَاحِبِهَا.

يَقُولُ أَمِيرُ الشُّعَرَاءِ أَحْمَدُ شَوْقِيٌّ رَحِمَهُ اللَّهُ:

رَفَعُوا الْأَكُفَّ وَأَرْسَلُوا الدَّعَوَاتِ
وَتَجَرَّدُوا لِلَّهِ فِي عَرَفَاتِ

شُعْثاً تُجَلِّلُهُمْ سَحَائِبُ رَحْمَةٍ                            
غُبْراً يُفِيضُ النُّورُ فِي الْقَسَمَاتِ

وَكَأَنَّ أَجْنِحَةَ الْمَلَائِكِ عَانَقَتْ                                 
 أَرْوَاحَهُمْ بِالْبِرِّ وَالطَّاعَاتِ

هَذِي ضُيُوفُكَ يَا إِلَهِي تَبْتَغِي                          
 عَفْواً وَتَرْجُو سَابِغَ الْبَرَكَاتِ

فَاقْبَلْ إِلَهَ الْعَرْشِ كُلَّ ضَرَاعَةٍ     
 وَامْحُ الذُّنُوبَ وَكَفِّرِ الزَّلَّاتِ

وَلَقَدْ حَكَمْتَ وَمَا لِحُكْمِكَ رَجْعَةٌ                   
 أَنَّ الذُّنُوبَ تَذُوبُ فِي عَرَفَاتِ

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، يَوْمُ عَرَفَةَ هُوَ يَوْمُ الْخَيْرَاتِ الْعَظِيمِ، وَيَوْمُ الْبَرَكَاتِ الْجَلِيلِ، وَيَوْمُ الرَّحَمَاتِ الْمُتَوَافِرَةِ، وَيَوْمُ الْهِبَاتِ الْمُتَكَاثِرَةِ. فِيهِ يُكَفِّرُ اللَّهُ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهَا وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهَا لِمَنْ صَامَهُ، وَفِيهِ يُبَاهِي اللَّهُ بِأَهْلِ الْمَوْقِفِ مَلَائِكَتَهُ، وَفِيهِ يَعْتِقُ اللَّهُ الرِّقَابَ مِنَ النَّارِ، وَفِيهِ تَتَضَاعَفُ الْحَسَنَاتُ، وَتُغْفَرُ السَّيِّئَاتُ، وَتُرْفَعُ الدَّرَجَاتُ.

فَاغْتَنِمُوا هَذَا الْيَوْمَ يَا عِبَادَ اللَّهِ، فَلَنْ يَأْتِيَكُمْ مِثْلُهُ إِلَّا بَعْدَ سَنَةٍ كَامِلَةٍ، وَالْعُمْرُ يَمْضِي وَالْأَيَّامُ تَتَقَلَّبُ، وَاللَّيَالِي وَالشُّهُورُ وَالْأَعْوَامُ تَتَوَافَى وَتَنْقَضِي، فَلَا يُدْرَى أَيُدْرِكُ الْمُسْلِمُ عَرَفَةَ الْقَادِمَةَ أَمْ لَا؟ وَمَنْ أَدْرَكَ الْيَوْمَ فَلْيُقْبِلْ عَلَى اللَّهِ بِكُلِّيَّتِهِ، فَلَيْسَ هُنَاكَ وَقْتٌ لِلتَّسْوِيفِ وَالتَّأْخِيرِ، وَقَدْ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُهُ عَنِ الْخَيْرِ، فَقَالَ لَهُ: «اغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ». فَالْيَوْمُ فُرْصَةٌ لَا تُعَوَّضُ، وَسَاعَاتٌ لَا تَرْجِعُ، وَدَقَائِقُ لَا تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ، فَاسْتَثْمِرُوهَا فِيمَا يُرْضِي اللَّهَ، وَيُقَرِّبُكُمْ مِنْ جَنَّتِهِ، وَيُبَاهِي بِكُمْ مَلَائِكَتَهُ، وَيُعْتِقُ رِقَابَكُمْ مِنَ النَّارِ.

الخطبة الثانية: التحذير من إلقاء القمامة في الشوارع ومخلفات ذبح الأضاحي وأثر ذلك على البيئة والمجتمع

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، كَانَ يَمِيطُ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ، وَيَأْمُرُ بِالنَّظَافَةِ وَالطَّهَارَةِ وَالْحِفَاظِ عَلَى الْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ.

أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، اتَّقُوا اللَّهَ فِي أَنْفُسِكُمْ وَفِي بَيْئَتِكُمْ وَفِي كُلِّ مَا حَوْلَكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ النَّظَافَةَ وَيُبْغِضُ الْأَذَى وَالْقَذَرَ، وَقَدْ قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وَالْمُتَطَهِّرُونَ هُمْ أَهْلُ النَّظَافَةِ وَالطُّهْرِ فِي أَبْدَانِهِمْ وَأَثْوَابِهِمْ وَأَمَاكِنِهِمْ وَمَا حَوْلَهُمْ.

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ أَيَّامُ الْأُضْحِيَّةِ الْمُبَارَكَةِ، وَسَيَذْبَحُ الْمُسْلِمُونَ أَضَاحِيَّهُمْ تَقَرُّباً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي هَذِهِ الْأَيَّامِ نَحْنُ نُشَاهِدُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَاءِ وَالشَّوَارِعِ مَنْظَراً يَعْكُسُ صُورَةً سَلْبِيَّةً عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ إِلْقَاءُ مُخَلَّفَاتِ الذَّبْحِ مِنْ دِمَاءٍ وَجُلُودٍ وَأَحْشَاءٍ وَفَضَلَاتٍ فِي الطُّرُقَاتِ وَالْأَزِقَّةِ وَأَمَامَ الْمَنَازِلِ وَبِجَانِبِ الْمَسَاجِدِ، دُونَ مُرَاعَاةٍ لِلْمَارَّةِ وَالْجِيرَانِ وَالْمَنْظَرِ الْحَضَارِيِّ. هَذَا السُّلُوكُ لَا يُمَثِّلُ تَعَالِيمَ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَصَرُّفٌ مُنَافٍ لِلْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ وَالْقِيمِ وَالتَّعَالِيمِ الَّتِي جَاءَ بِهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم.

إماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان

إِنَّ الدِّينَ الْحَنِيفَ جَعَلَ إِمَاطَةَ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ شُعْبَةً مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ، بَلْ هِيَ أَدْنَاهَا وَأَقْصَاهَا لِمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ شُعَبَ الْإِيمَانِ الْعُلْيَا. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ». أَتَدْرُونَ مَا مَعْنَى “أَدْنَاهَا” يَا عِبَادَ اللَّهِ؟ أَيْ أَنَّ أَقَلَّ شُعَبِ الْإِيمَانِ هِيَ إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، فَمَنْ آذَى النَّاسَ بِطَرْحِ الْأَذَى فِي طَرِيقِهِمْ فَقَدْ فَقَدَ أَدْنَى شُعْبَةٍ مِنَ الْإِيمَانِ، وَمَنْ حَرَصَ عَلَى إِزَالَةِ الْأَذَى وَلَوْ كَانَ قَلِيلاً فَقَدْ حَافَظَ عَلَى هَذِهِ الشُّعْبَةِ الدَّنِيَّةِ الَّتِي هِيَ مَدْخَلٌ لِسَائِرِ شُعَبِ الْإِيمَانِ.

وَأَمَّا مَنْ يُلْقِي مُخَلَّفَاتِ الذَّبْحِ فِي الطَّرِيقِ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُ عَكْسَ هَذَا الْحَدِيثِ بِالْمَرَّةِ، فَهُوَ لَا يَمِيطُ الْأَذَى، بَلْ هُوَ يَزِيدُ الْأَذَى، وَيُضَاعِفُهُ، وَيَجْعَلُ الْمَارَّةَ يَشْمَئِزُّونَ وَيَتَأَذَّوْنَ وَيَخَافُونَ عَلَى صِحَّتِهِمْ وَسَلَامَتِهِمْ. فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُ مَنْ يَزِيدُ الْأَذَى فِي الطَّرِيقِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَعَلَ إِمَاطَةَ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ أَدْنَى شُعْبَةٍ مِنَ الْإِيمَانِ؟ إِنَّهُ لَيَكُونُ قَدْ فَعَلَ مَا يُنَافِي الْإِيمَانَ وَيُخَالِفُ جَوْهَرَهُ وَحَقِيقَتَهُ.

وَلَيْسَتْ إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ عَمَلاً دُنْيَوِيّاً فَقَطْ، بَلْ هِيَ عَمَلٌ رُوحَانِيٌّ عَظِيمٌ، لَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ اللَّهِ، وَثَوَابُهُ عَظِيمٌ، وَعَطَاؤُهُ كَبِيرٌ. فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، وَغَفَرَ لَهُ». هَكَذَا بِسَبَبِ غُصْنِ شَوْكٍ صَغِيرٍ أَزَالَهُ رَجُلٌ عَنِ الطَّرِيقِ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ وَشَكَرَ لَهُ عَمَلَهُ. فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ يُزِيلُ جِيفَةَ حَيَوَانٍ كَامِلٍ أَوْ كَمِيَّاتٍ مِنَ الدِّمَاءِ وَالْأَحْشَاءِ الْمُتَنَاثِرَةِ فِي الطُّرُقَاتِ، أَلَيْسَ أَجْرُهُ أَعْظَمَ وَثَوَابُهُ أَكْبَرَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى؟ بَلَى وَاللَّهِ.

وَلَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَتَنَافَسُونَ فِي إِمَاطَةِ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَيَعْتَبِرُونَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ. عَنِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي “الْأَدَبِ” عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مَعَ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَجَعَلَ مُعَاذٌ لَا يَرَى أَذًى فِي طَرِيقٍ إِلَّا نَحَّاهُ، قَالَ: فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الرَّجُلُ جَعَلَ لَا يَمُرُّ بِشَيْءٍ إِلَّا نَحَّاهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: الَّذِي رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ، قَالَ: “أَصَبْتَ أَوْ قَدْ أَحْسَنْتَ، إِنَّهُ مَنْ أَمَاطَ أَذًى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ، وَمَنْ كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ دَخَلَ الْجَنَّةَ”. فَانْظُرْ إِلَى هَذَا التَّرْغِيبِ الْعَظِيمِ، إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ تُدْخِلُ صَاحِبَهَا الْجَنَّةَ، فَمَا بَالُ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَزِيدُونَ الْأَذَى فِي الطُّرُقِ، أَلَيْسَ جَزَاؤُهُمْ عَكْسَ ذَلِكَ؟ إِنَّهُ لَجَزَاءٌ عَدْلٌ مِنَ اللَّهِ.

الآثار السلبية لإلقاء مخلفات الأضاحي في الشوارع

إِنَّ إِلْقَاءَ مُخَلَّفَاتِ الْأَضَاحِي فِي الشَّوَارِعِ لَهُ آثَارٌ سَلْبِيَّةٌ كَثِيرَةٌ، لَا تَقْتَصِرُ عَلَى الْمَنْظَرِ الْبَصَرِيِّ الْقَبِيحِ فَقَطْ، بَلْ تَمْتَدُّ إِلَى أَضْرَارٍ صِحِّيَّةٍ وَبِيئِيَّةٍ وَاجْتِمَاعِيَّةٍ كَبِيرَةٍ.

أَوَّلاً: الْآثَارُ الصِّحِّيَّةُ، فَهَذِهِ الْمُخَلَّفَاتُ تَجْتَذِبُ الْحَشَرَاتِ وَالذُّبَابَ وَالْكِلَابَ الضَّالَّةَ، وَهِيَ نَاقِلَةٌ لِلْأَمْرَاضِ وَالْأَوْبِئَةِ. وَالْإِسْلَامُ يَحُثُّ عَلَى الْحِفَاظِ عَلَى الصِّحَّةِ، وَيَنْهَى عَنْ كُلِّ مَا يَضُرُّ بِالْإِنْسَانِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. وَإِلْقَاءُ الْمُخَلَّفَاتِ فِي الطُّرُقِ مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ التَّهْلُكَةِ لِلْأَبْرِيَاءِ.

ثَانِياً: الْآثَارُ الْبِيئِيَّةُ، فَإِنَّ هَذِهِ الْمُخَلَّفَاتِ تُلوِّثُ الْبِيئَةَ، وَتُؤَدِّي إِلَى انْسِدَادِ الْبَالُوعَاتِ وَمَصَارِفِ الْمِيَاهِ، وَتُسَبِّبُ تَلَوُّثَ التُّرْبَةِ وَالْمِيَاهِ الْجَوْفِيَّةِ، مِمَّا يُؤَثِّرُ سَلْباً عَلَى الزِّرَاعَةِ وَالشَّجَرِ وَالنَّبَاتِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]. وَإِلْقَاءُ النُّفَايَاتِ وَالْمُخَلَّفَاتِ فِي غَيْرِ أَمَاكِنِهَا هُوَ إِفْسَادٌ فِي الْأَرْضِ بِكُلِّ مَعْنَى الْكَلِمَةِ.

ثَالِثاً: الْآثَارُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ، فَإِنَّ هَذَا السُّلُوكَ يُشَوِّهُ صُورَةَ الْمُسْلِمِ وَالْإِسْلَامِ عَامَّةً، وَيُضْعِفُ مَفْهُومَ التَّضَامُنِ وَالْإِخَاءِ بَيْنَ الْجِيرَانِ، وَيُسَبِّبُ الْإِحْرَاجَ وَالتَّوَتُّرَ وَالْخِلَافَاتِ بَيْنَ النَّاسِ، وَقَدْ يَصِلُ الْأَمْرُ إِلَى الْخُصُومَاتِ وَالْمُشَاكِسَاتِ. وَالْمُسْلِمُ مَطْلُوبٌ بِأَنْ يَكُونَ سَبَباً لِلسَّلَامِ وَالْأَمَانِ وَالرَّاحَةِ لِلنَّاسِ، لَا سَبَباً لِلشَّقَاءِ وَالتَّوَتُّرِ وَالْإِزْعَاجِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]. وَإِلْقَاءُ الْمُخَلَّفَاتِ فِي الطُّرُقِ هُوَ عَدَمُ سَلَامَةِ الْيَدِ وَإِيذَاءٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِهَا.

فَلْنُحَافِظْ عَلَى نَظَافَةِ طُرُقَاتِنَا وَأَحْيَائِنَا وَمُجْتَمَعَاتِنَا، وَلْنُظْهِرْ لِلْعَالَمِينَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ هُمْ أَحْسَنُ النَّاسِ أَخْلَاقاً، وَأَنْقَاهُمْ سُلُوكاً، وَأَنْظَفُهُمْ بَيْئَةً، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ دِينِهِمْ، وَمِنْ فَضْلِ خَلْقِ نَبِيِّهِمْ، وَمِنْ تَعَالِيمِ كِتَابِ رَبِّهِمْ.

وَلَا تَنْسَوْا أَنَّ إِمَاطَةَ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ أَدْنَى شُعْبَةٍ مِنَ الْإِيمَانِ، وَمَنْ أَلْقَى الْأَذَى فِي الطَّرِيقِ فَقَدْ خَالَفَ الْإِيمَانَ وَعَمِلَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَسَيَلْقَى جَزَاءَ عَمَلِهِ يَوْمَ يَلْقَى رَبَّهُ، فَلْيَخْتَرْ كُلُّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ مَا يُرِيدُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ بِهِ، فَالْخِيَارُ لَهُ، وَالْقَرَارُ لِلَّهِ يَوْمَ الْجَزَاءِ.

اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا وَأَبْدَانَنَا وَبُيُوتَنَا وَطُرُقَاتِنَا وَبَيْئَتَنَا، وَاجْعَلْنَا مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ الَّذِينَ تُحِبُّهُمْ، وَجَنِّبْنَا الْإِفْسَادَ فِي الْأَرْضِ وَالْأَذَى لِلنَّاسِ، وَأَعِنَّا عَلَى اغْتِنَامِ أَيَّامِ الْأَضْحَى فِيمَا يُرْضِيكَ، وَتَقَبَّلْ مِنَّا أَضَاحِيَنَا وَصِيَامَنَا وَقِيَامَنَا وَدُعَاءَنَا، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

اللَّهُمَّ ارْحَمْ مَوْتَانَا، وَاشْفِ مَرْضَانَا، وَاقْضِ دُيُونَنَا، وَوَفِّقْ حُجَّاجَنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَارْدُدْهُمْ إِلَيْنَا سَالِمِينَ غَانِمِينَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً مُطْمَئِناً سَاكِناً، وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجْعَلْهُمْ رَحْمَةً لَنَا لَا نِقْمَةً، وَأَيِّدْهُمْ بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُ وَاسْتَمْسَكَ بِسُنَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

Scroll to Top