
هناك نوع من اللعنات لا تُكتب في كتب التاريخ…
لكنها تلاحقك بإصرار غريب.
لعنات صغيرة… يومية… سخيفة…
لكنها تعرف طريقها إليك جيدًا.
مثل لعنتي مع القطار.
كنت قد نجوت — بالكاد — من “سيدة القطار” في قصة سابقة…
وارتكبت نفس الخطأ الذي يرتكبه كل ناجٍ غبي:
ظننت أن النجاة دائمة.
كنت أظن — بسذاجة تليق بإنسان لم يتعلم بعد —
أن تلك القصة كانت ذروة العبث…
القمة التي لا يمكن للحياة أن تتجاوزها في السخرية.
لكن يبدو أن الحياة قرأت مقالي…
ضحكت قليلًا…
ثم قررت أن تكتب الجزء الثاني بنفسها.
وقبل أن نبدأ… دعوني أعترف لكم بشيء:
أنا رجل بسيط.
تعقيدات الحياة الحديثة لا تهمني…
صراعات السياسة لا تخصني…
أزمة سعر الدولار تمر بي كما تمر الريح بجدار صخري.
كل ما أطلبه من هذه الدنيا القاسية…
أن أجلس على كرسي بجوار الشباك…
في قطار العودة من القاهرة إلى الإسكندرية…
لأشاهد السيارات وهي تتراجع أمام سرعة القطار.
هذه متعة لا يفهمها إلا من جربها.
أن ترى الحياة تتراجع أمامك… ولو للحظات.
نوع رخيص من الانتصار…
لكننا لا نملك غيره.
لا تسألوني لماذا.
ولا تسألوني عن العمق الفلسفي لهذا العبث.
كل ما أعرفه…
أنني منذ كنت طفلًا…
ألصق وجهي بزجاج القطار…
وأشعر أنني بطل في فيلم أجنبي…
أو ربما سوبرمان…
يطير فوق الجميع.
صراف التذاكر في محطة القاهرة رجل مهذب… حسن النية…
يظن أنني أطلب مقعد الشباك لكي أنام… أو أتأمل… أو أمارس نوعًا من الخصوصية الراقية بعيدا عن أولئك المتطفلين الذين يجلسون بجوارك.
لم يكن يعلم أنني أبحث عن انتصار وهمي…
على سيارات لا تعرف بوجودي أصلًا.
لو علم…
لأخذني إلى مستشفى المجانين فورًا.
أعطاني التذكرة وهو يبتسم…
ابتسامة رجل يظن أنه أسعدك…
بينما هو في الحقيقة…
يسلّمك إلى قدرك.
المهم:
كل مرة أظفر بالكرسي المطلوب.
كل مرة.
إلا هذه المرة.
توجهت إلى مقعدي منتشيًا…
أتخيل المشهد…
أتخيل السيارات…
أتخيل نفسي بطل الفيلم…
وفجأة:
كارثة.
سيدة.
أنثى.
امرأة.
احتلت كرسيي.
وضعت حقائبها أمامها…
مثل جدار برلين…
وجلست…
كأنها ملكة إنجلترا في عربتها الملكية.
إنه مشروع استيطاني متكامل.
وأنا رجل مسالم…
هذا ما أقوله لنفسي…
حين أريد أن أبدو نبيلًا… بينما أغلي من الداخل.
أحب أن أظهر في صورة “الجنتل”…
الذي يتنازل عن بعض حقوقه… من أجل راحة الآخرين.
ابتسمت لها.
ابتسامة جنتلمان من القرن التاسع عشر…
من النوع الذي يخلع قبعته للسيدات…
ثم يذهب ليلعن اليوم الذي اخترعت فيه القطارات.
ابتسامتي كانت تحمل كل معاني الضغينة…
مغلفة بالتهذيب…
كعلبة هدايا بداخلها عقرب.
لأنها…
حرمتني من متعتي الوحيدة في السفر.
قبل أن يتحرك القطار…
وإذ بها…
تهاتف.
“آلو… سعيد؟”
“أيوه يا سعيد…”
ثم:
“سميرة يا حبيبتي…”
ثم:
“صفاء… اسمعي…”
ثم…
انهار السد.
وأقسم لكم…
أن هذه السيدة لم تتوقف عن الكلام لحظةً واحدة، منذ أن صعدت إلى القطار حتى لحظة نزولها.
ولست أبالغ في وصفي…
بل أقول الحقيقة كما هي… دون أي مجاز أو تهويل.
زوجة أخيها: سافلة.
ابنتها: أكثر سفالة… وتمشي على حل شعرها (تكررت أربع عشرة مرة تقريبًا).
العائلة: ساذجة.
الخال: البطل الوحيد الذي “حذر”… ولم يسمع له أحد.
د. حسن: دجال وحرامي.
أبو زوج أختها: أعمى… وابنه أعمى مثله… بل أضل سبيلا.
باختصار:
أنا الآن أعرف هذه العائلة أكثر مما أعرف أقاربي.
هنا تذكرت “سيدة القطار” الأولى.
تلك كانت سليطة اللسان معي أنا شخصيًا.
هذه…
نسخة مطورة.
سليطة اللسان مع كوكب الأرض كله…
وأنا مجرد مستمع مجاني.
أخرجت سماعة الطوارئ.
شغلت قرآنًا…
ثم فيروز…
ثم موسيقى كلاسيك…
ثم ميتال ألماني…
ثم بودكاست عن تربية أسماك الزينة…
ثم رفعت الصوت…
وفي مرحلة ما…
أدركت الحقيقة:
السماعة لا تعمل.
أو أن صوتها…
يعمل داخل جمجمتي مباشرة.
أزعجت كل من في العربة.
حتى الرجل النائم خلفي…
استيقظ ونظر إليّ نظرة تقول:
“إما أن تجعلها تخفض الصوت… أو أرميك من الشباك.”
ولم يكن يعلم…
أنني الضحية.
ثم…
جاءت المعجزة.
نزل أحد الركاب في محطة طنطا. كان نزوله مثل نور في نهاية نفق مظلم.
انتهزت الفرصة، وقفزت بحقيبتي إلى حيث كان يجلس كما يقفز لاجئ نحو قارب نجاة.
في المقعد الجديد كان بجواري رجل يرتدي بذلة أنيقة، ويبدو عليه أنه رجل محترم، هادئ، لا يشبه تلك الكارثة البشرية خلفي.
جلست بجانبه واعتذرت: “المعذرة، هذه السيدة صدعت رأسي بصراخها”.
نظر إلي بكل عطف، ثم قال: “لا تقلق يا سيدي. لست وحدك من أصيب بالصداع”.
وكان هذا هو المفتاح.
لا، لم يكن مفتاح نجاتي. كان مفتاح جحيم جديد.
لو كانت سيدة القطار تصب جام غضبها على زوجة أخيها وابنتها التي تمشي على حل شعرها دون أن توجه لي كلمة واحدة، فهذا الرجل المحترم قرر أن يتولى مهمة تدمير ما تبقى من خلايا دماغي السليمة.
تسلمني من كفر الزيات إلى الإسكندرية:
لم يصمت. لحظة واحدة.
تكلم في السياسة: “حرب إيران دي أصلا مفتعلة علشان خاطر البعدا يحتلوا سينا وينفصل الصعيد ويكون دولة تانية”. (لا تعليق)
تكلم في الاقتصاد: “الغلاء ده بسبب عبقرية الحكومة في إدارة الأزمة ولو كنت مكانهم كنت عملت كذا وكذا”. (طبعًا)
تكلم في الدين: “الإمام مالك قال كذا، والشافعي قال كذا، وأبو حنيفة خالفهم لو حضرتك متعرفش”. (لا الحقيقة معرفش)
تكلم في الاجتماع: “الستات دول سبب الخراب، والرجالة بقوا مخنثين، وأيوه أنا متزوج أربع مرات وكل مرة الست هي اللي بتطلب الطلاق مش أنا”. (ستات آخر زمن!)
ثم انتقل إلى الكواكب الأخرى: “في مجرة أندروميدا هناك كواكب فيها حضارة أذكى منا بأربعين ألف سنة، ومع ذلك عندهم بيروقراطية!
العجيب: كيف قاس تقدم هذه الحضارة .. وكيف عرف بالنظام البيروقراطي هناك .. وكيف اكتشف هذه العوالم أصلا؟!!
لم أسأله طبعا شيئا من هذه الأسئلة، لم أبدِ أي فضول. لم أومئ برأسي… حتى بالخطأ.
لكنه كان كالروبوت المبرمج: بمجرد أن تجلس بجانبه، ينطلق تلقائياً.
وهكذا…
وجدت نفسي بين نارين:
خلفي…
سيدة تسب وتلعن وتفكك شجرة العائلة، وأعتقد أنها وصلت الآن إلى سبّ أشخاص لم يولدوا بعد.
وبجواري…
رجل يعيد بناء الكون من الصفر… وفق نظريته الخاصة جدًا.
وحالي أنا كالمستجير من الرمضاء بالنار.
فالفرق كان شاسعا
مع سيدة القطار: كنت على الأقل في حالي. هي تتحدث في الهاتف، وأنا أسمع ضد إرادتي، لكنني لا أضطر إلى الرد.
مع الرجل المحترم: أنا مفروض عليّ:
-
- الاستماع (بدون خيار رفض).
-
- الرد (لأنه يتوقف وينتظر إجابة).
-
- هز الرأس بالموافقة (لأنك لو اعترضت فتحت أبواب جهنم).
-
- الضحك في الوقت الخطأ (فهو يروي نكاتًا سياسية لا تفهمها لكنك تضحك وإلا اتهمك بالانتماء للجماعات المخربة).
لا يمكنك الاعتراض. لا يمكنك المناقشة. لا يمكنك حتى الاستفسار عن شيء قاله لأنه سيفسر ذلك على أنه اهتمام حقيقي وتشجيع على مواصلة الكلام إلى ما لا نهاية.
ثم جاءت الطامة الكبرى… التي لم تكن في الحسبان
القطارات المصرية معروفة ببخلها الشديد في الوصول في الوقت المحدد في كثير من الأحيان.
ولكي يكتمل المشهد توقف القطار في أبيس.
ليس محطة أبيس. وإنما في الطريق. فيما بين المحطات.
توقف بسبب عطل. أو حادث أمامه. أو لأن سائق القطار قرر أنه يحتاج إلى استراحة شاي. لا أحد يعرف.
أنا مقتنع أن القطار لم يتعطل.
هو فقط قرر أن يختبر قدرتي على التحمل.
المهم أن الحكم القضائي صدر:
نصف ساعة إضافية من العذاب المزدوج،
نصف ساعة وأنا محاصر بين جبهتين.
الخلفية: سوبرانو تسب زوجة أخيها بمقامات لم يعرفها عبد الوهاب.
الجانب: محلل استراتيجي كوني يقنعني أن الثقوب السوداء سببها سوء الإدارة.
نصف ساعة كان يمكن أن أقضيها في العبادة أو التأمل أو مشاهدة السيارات إن كنت محظوظًا. لكنني قضيتها مع الرجل المحترم وهو يشرح لي النظرية النسبية لأينشتاين (وهو لم يقرأ عنها سوى سطرين في الإنترنت)، والسيدة من الخلف وهي تكتشف أن زوجة أخيها ليست سافلة فقط بل “سافلة بنت سافلة وجدها كان بواب”.
وصلنا إلى الإسكندرية.
ليس بسبب سرعة القطار، بل بسبب مرور الوقت.
فالوقت لا يتوقف ولو قررت هيئة السكك الحديدية أن توقف القطار في أبيس لمدة عام كامل.
نزلت من القطار ورأسي يدور.
لا أعرف إن كان السبب السيدة أم الرجل المحترم أم توقف القطار في منتصف الطريق بين كفر الدوار وأبيس.
لكنني عرفت شيئًا واحداً:
حكايات القطار معي لم تنتهِ.
ولن تنتهي بهذه السهولة.
فهو ما زال يخبئ لي في جعبته الكثير.
وفي كل رحلة هناك سيدة جديدة، ورجل جديد، وأنا… أنا الغبي الذي ما زال يعتقد أن القطار وسيلة مواصلات.
فإذا كنت تقرأ هذا وأنا متأكد أنك رأيت نفس السيدة أو نفس الرجل في إحدى رحلاتك، فأنا أشاطرك ألمك.
إذا كنت ممن يشاهدون السيارات وهي تتراجع أمام القطار، فأنا أخوك.
إذا كنت تظن أن الهدوء التام في القطار هو حلم بعيد المنال، فأنت على حق.
كل ما أرجوه هو أن يقرأ هذه الكلمات صراف التذاكر المهذب في محطة القاهرة، ليغير فكرته عن الرجل الذي يحب الكرسي الذي بجوار الشباك. فهو لا يريد الخصوصية. ولا يريد النوم ولا التأمل.
هو يريد فقط أن يرى السيارات وهي تهرب منه.
وألا يرى أو يسمع إنساناً آخر لمدة ساعتين ونصف.
وفي النهاية…
تعلمت درسًا مهمًا:
أن سيدة القطار هذه المرة؛ كانت مجرد حلقة تمهيدية لسلسلة عذاب طويلة بلا نهاية.
وأن سيدة القطار… ليست شخصًا.
إنها وظيفة.
والوظائف لا تموت…
فقط يتغير الموظفون.