
الْمُقَدِّمَةُ:
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْتَمْسِكُوا مِنَ الْإِسْلَامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
إِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَظُنُّونَ أَنَّ الْخَطَرَ كُلَّ الْخَطَرِ فِيمَا يَدْخُلُ إِلَى بُطُونِهِمْ مِنَ الْحَرَامِ، أَوْ فِيمَا تَقَعُ عَلَيْهِ أَبْصَارُهُمْ مِنَ الْآثَامِ، وَهَذَا حَقٌّ، لَكِنَّهُمْ يَغْفُلُونَ عَنْ خَطَرٍ أَعْظَمَ، وَدَاءٍ أَخْفَى، وَمَرَضٍ رُبَّمَا أَفْسَدَ عَلَى الْعَبْدِ عِبَادَتَهُ كُلَّهَا وَهُوَ لَا يَشْعُرُ؛ إِنَّهُ مَرَضُ الْقَلْبِ.
فَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ يَقُومُ اللَّيْلَ، وَيَصُومُ النَّهَارَ، وَيَتَصَدَّقُ بِالْأَمْوَالِ، وَلَكِنَّهُ يَحْمِلُ فِي صَدْرِهِ أَحْقَادًا دَفِينَةً، وَضَغَائِنَ كَامِنَةً، وَحَسَدًا يَأْكُلُ حَسَنَاتِهِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ.
وَكَمْ مِنْ عَبْدٍ بَسِيطٍ لَا يُرَى لَهُ كَبِيرُ عَمَلٍ، وَلَكِنَّ قَلْبَهُ طَاهِرٌ نَقِيٌّ، لَا يَحْمِلُ عَلَى مُسْلِمٍ غِشًّا وَلَا حَسَدًا، فَرَفَعَتْهُ سَلَامَةُ صَدْرِهِ إِلَى مَنَازِلِ الصَّالِحِينَ.
وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ يَخَافُونَ عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكْثَرَ مِنْ خَوْفِهِمْ عَلَى جَوَارِحِهِمْ؛ لِأَنَّ الْجَوَارِحَ لَا تَسْتَقِيمُ إِلَّا إِذَا اسْتَقَامَ الْقَلْبُ، وَإِذَا فَسَدَ الْقَلْبُ فَسَدَتِ الْجَوَارِحُ كُلُّهَا.
أَلَا وَإِنَّ أَخْطَرَ مَا يُهَدِّدُ الْأُمَّةَ الْيَوْمَ لَيْسَ فَقْرُهَا وَلَا ضَعْفُ إِمْكَانَاتِهَا، وَإِنَّمَا فَسَادُ الْقُلُوبِ، فَإِذَا فَسَدَتِ الْقُلُوبُ تَمَزَّقَتِ الْأُسَرُ، وَتَقَاطَعَتِ الْأَرْحَامُ، وَذَهَبَتِ الْمَوَدَّةُ، وَانْتَشَرَتِ الْخُصُومَاتُ، وَضَاعَ الْأَمْنُ النَّفْسِيُّ وَالِاجْتِمَاعِيُّ بَيْنَ النَّاسِ.
وَلِذَلِكَ كَانَتْ سَلَامَةُ الصَّدْرِ مِنْ أَجَلِّ الْعِبَادَاتِ الْقَلْبِيَّةِ، وَأَعْظَمِهَا أَثَرًا فِي اسْتِقْرَارِ الْمُجْتَمَعَاتِ وَتَمَاسُكِهَا، ذَلِكُمُ الْخُلُقُ الْعَظِيمُ الَّذِي غَفَلَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَانْشَغَلُوا بِتَحْسِينِ الظَّوَاهِرِ وَاسْتَهَانُوا بِأَمْرِ الْبَوَاطِنِ، مَعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِنَا وَلَا إِلَى أَمْوَالِنَا، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِنَا وَأَعْمَالِنَا.
إِنَّ سَلَامَةَ الصَّدْرِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ تُقَالُ، أَوْ شِعَارٍ يُرْفَعُ، بَلْ هِيَ حَقِيقَةٌ إِيمَانِيَّةٌ رَاسِخَةٌ، وَعِبَادَةٌ قَلْبِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، تَعْنِي: طَهَارَةَ الْقَلْبِ مِنَ الْغِلِّ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَالضَّغِينَةِ وَالْبَغْضَاءِ لِعِبَادِ اللَّهِ. إِنَّهَا تِلْكَ الطَّهَارَةُ الْخَفِيَّةُ الَّتِي مَتَى اسْتَقَرَّتْ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ، أَشْرَقَتْ نَفْسُهُ، وَانْشَرَحَ صَدْرُهُ، وَصَفَتْ سَرِيرَتُهُ، وَهِيَ الرَّاحَةُ الْمُعَجَّلَةُ فِي الدُّنْيَا، وَالنَّجَاةُ الْمُؤَكَّدَةُ فِي الْآخِرَةِ.
سَلَامَةُ الصَّدْرِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
وَقَدْ أَوْلَى الْإِسْلَامُ هَذَا الْخُلُقَ عِنَايَةً فَائِقَةً، وَرَبَطَ بِهِ الْفَلَاحَ فِي الدُّنْيَا وَالنَّجَاةَ فِي الْآخِرَةِ، فَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ نَجِدُ أَنَّ النَّجَاةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُعَلَّقَةٌ بِسَلَامَةِ الْقَلْبِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89] . فَالْقَلْبُ السَّلِيمُ هُوَ السَّالِمُ مِنَ الشِّرْكِ، وَمِنَ الْغِلِّ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ، وَمِنْ سَائِرِ الْآفَاتِ وَالْأَمْرَاضِ الْقَلْبِيَّةِ.
وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ سَبَقُوا بِالْإِيمَانِ، وَجَعَلُوا سَلَامَةَ الصَّدْرِ دِيدَنَهُمْ، فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: 10] . وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تُعَلِّمُنَا الدُّعَاءَ بِسَلَامَةِ الصَّدْرِ، وَتَجْعَلُهَا مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الْكَامِلِينَ.
سَلَامَةُ الصَّدْرِ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ
أَمَّا فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، فَقَدْ حَثَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَلَامَةِ الصَّدْرِ، وَجَعَلَهَا مِنْ عَلَامَاتِ الْإِيمَانِ، وَسَبَبًا لِدُخُولِ الْجَنَّةِ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَقَاطَعُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ” . فَهَذَا نَهْيٌ صَرِيحٌ عَنْ كُلِّ مَا يُؤَدِّي إِلَى فَسَادِ الْقُلُوبِ، وَأَمْرٌ بِالْمُحَبَّةِ وَالْأُخُوَّةِ، الَّتِي لَا تَتَحَقَّقُ إِلَّا بِسَلَامَةِ الصَّدْرِ.
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا». تَأَمَّلُوا! أَعْمَالٌ تُرْفَعُ، وَأَبْوَابُ الْجَنَّةِ تُفْتَحُ، وَالْعَبْدُ يُحْرَمُ الْمَغْفِرَةَ بِسَبَبِ شَحْنَاءَ فِي قَلْبِهِ.
وَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَفْضَلِ النَّاسِ، فَقَالَ: “كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ” . قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: “هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ” . فَجَعَلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سَلَامَةَ الْقَلْبِ وَطَهَارَتَهُ مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ مِنْ أَفْضَلِ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمِيزَةَ الْمُتَّقِينَ الْأَخْيَارِ.
سَلَامَةُ الصَّدْرِ سَبِيلُ النَّجَاةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ سَلَامَةَ الصَّدْرِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ خُلُقٍ نَبِيلٍ، بَلْ هِيَ سَبِيلُ النَّجَاةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمِنْ فَوَائِدِهَا الَّتِي تَعُودُ عَلَى الْمُسْلِمِ:
أَوَّلًا: سَلَامَةُ الصَّدْرِ سَبَبٌ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ: فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمًا: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ». فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ. ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَطَلَعَ الرَّجُلُ نَفْسُهُ. ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَطَلَعَ الرَّجُلُ نَفْسُهُ. فَتَعَجَّبَ الصَّحَابَةُ مِنْ شَأْنِهِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا بِكَثْرَةِ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ. فَتَبِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لِيَعْرِفَ سِرَّ عَمَلِهِ. فَلَمَّا سَأَلَهُ عَنْ عِبَادَتِهِ قَالَ الرَّجُلُ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ. ثُمَّ قَالَ كَلِمَةً عَظِيمَةً هِيَ سِرُّ وُصُولِهِ إِلَى تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ: «غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ». فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: “هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ”. فَسُبْحَانَ اللَّهِ، سَلَامَةُ الصَّدْرِ هِيَ الَّتِي بَلَغَتْ بِهِ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ الْعَظِيمَةَ.
فَلَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ كَثِيرَ صَلَاةٍ تَلْفِتُ الْأَنْظَارَ، وَلَمْ يَكُنْ كَثِيرَ صِيَامٍ يَشْتَهِرُ بِهِ بَيْنَ النَّاسِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَحْمِلُ قَلْبًا نَظِيفًا.
وَهُنَا يَنْبَغِي أَنْ يَقِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا مَعَ نَفْسِهِ وَقْفَةً صَادِقَةً:
كَمْ شَخْصًا نَحْمِلُ لَهُ فِي قُلُوبِنَا شَيْئًا؟
كَمْ إِنْسَانًا لَا نُحِبُّ أَنْ نَرَاهُ؟
كَمْ قَرِيبًا قَاطَعْنَاهُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ؟
كَمْ أَخًا مُسْلِمًا نَتَأَلَّمُ إِذَا رَأَيْنَا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ؟
إِنَّ هَذِهِ الْمَشَاعِرَ قَدْ تَبْدُو صَغِيرَةً فِي أَعْيُنِ النَّاسِ، لَكِنَّهَا عَظِيمَةٌ عِنْدَ اللَّهِ.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ: “مَا رَأَيْتُ عِبَادَةً أَهْوَنَ مَئُونَةً وَلَا أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ سَلَامَةِ الصَّدْرِ”.
وَكَانُوا يَعُدُّونَ سَلَامَةَ الْقَلْبِ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ الَّتِي يَمُنُّ اللَّهُ بِهَا عَلَى عَبْدِهِ.
لِأَنَّ صَاحِبَ الْقَلْبِ السَّلِيمِ يَعِيشُ فِي جَنَّةٍ عَاجِلَةٍ قَبْلَ جَنَّةِ الْآخِرَةِ، لَا يَحْمِلُ هَمَّ الِانْتِقَامِ، وَلَا يَتَتَبَّعُ زَلَّاتِ النَّاسِ.
ثَانِيًا: سَلَامَةُ الصَّدْرِ رَاحَةٌ لِلْقَلْبِ وَسَعَادَةٌ لِلنَّفْسِ: فَالْقَلْبُ السَّلِيمُ هُوَ الْقَلْبُ الْمُطْمَئِنُّ، الَّذِي لَا يَحْمِلُ فِي طِيَّاتِهِ أَحْقَادًا وَلَا ضَغَائِنَ، وَلَا يَشْغَلُ نَفْسَهُ بِتَرَصُّدِ زَلَّاتِ الْآخَرِينَ، أَوِ الْحَسَدِ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَهَذَا يُورِثُ صَاحِبَهُ رَاحَةَ الْبَالِ، وَصَفَاءَ النَّفْسِ، وَسَلَامَةَ الْبَدَنِ.
ثَالِثًا: سَلَامَةُ الصَّدْرِ سَبَبٌ لِاسْتِقْرَارِ الْمُجْتَمَعِ وَتَمَاسُكِهِ: إِنَّ الْمُجْتَمَعَ الَّذِي تَسُودُ فِيهِ سَلَامَةُ الصَّدْرِ، هُوَ مُجْتَمَعٌ مُتَآلِفٌ مُتَحَابٌّ، تَرْفُرِفُ عَلَيْهِ رَايَاتُ الْأُلْفَةِ وَالْمَوَدَّةِ، وَتَزُولُ عَنْهُ الْعَدَاوَاتُ وَالْبَغْضَاءُ، وَهَذَا هُوَ الْمُجْتَمَعُ الْقَوِيُّ الْمُتَمَاسِكُ الَّذِي لَا يَخَافُ أَعْدَاءَهُ، لِأَنَّ قُوَّتَهُ فِي وَحْدَتِهِ وَأُخُوَّتِهِ . وَقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ، فَقَالَ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: 103] .
فَسَلَامَةُ الصَّدْرِ لَيْسَتْ سَبَبًا لِاسْتِقْرَارِ الْبُيُوتِ فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ قُوَّةِ الْأُمَمِ وَنَصْرِهَا.
فَمَا اجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ إِلَّا بَعْدَمَا طَهَّرَ اللَّهُ صُدُورَهُمْ مِنْ أَحْقَادِ الْجَاهِلِيَّةِ وَعَصَبِيَّاتِهَا.
لَقَدْ كَانَ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً يَقْتَتِلُونَ وَتَسِيلُ بَيْنَهُمُ الدِّمَاءُ، حَتَّى جَاءَتْ رِسَالَةُ الْإِسْلَامِ فَغَسَلَتْ مَا فِي الْقُلُوبِ، وَجَمَعَتْ مَا كَانَ مُتَفَرِّقًا، فَصَارُوا أَنْصَارًا لِدِينِ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ كَانُوا أَعْدَاءً بَعْضَهُمْ لِبَعْضٍ.
وَلِذَلِكَ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾.
فَالْأَمْوَالُ قَدْ تَبْنِي الْمَبَانِيَ، أَمَّا الْقُلُوبُ فَلَا يُؤَلِّفُهَا إِلَّا اللَّهُ.
وَإِذَا تَصَافَتِ الْقُلُوبُ قَوِيَتِ الْأُمَّةُ، وَإِذَا دَبَّتِ الْأَحْقَادُ بَيْنَهَا تَفَرَّقَتْ كَلِمَتُهَا وَضَعُفَتْ شَوْكَتُهَا.
أَثَرُ سَلَامَةِ الصَّدْرِ فِي السَّلْمِ الْمُجْتَمِعِيِّ
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّنَا لَا نَتَكَلَّمُ عَنْ سَلَامَةِ الصَّدْرِ فَحَسْبُ، بَلْ سَلَامَةِ الصَّدْرِ وَأَثَرِهَا فِي السَّلْمِ الْمُجْتَمِعِيِّ.
فَوَاللَّهِ مَا تَفَكَّكَتْ أُسْرَةٌ إِلَّا وَكَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ فَسَادِ الْقُلُوبِ.
وَمَا تَقَاطَعَ أَخَوَانِ إِلَّا بِسَبَبِ غِلٍّ أَوْ حَسَدٍ أَوْ سُوءِ ظَنٍّ.
وَمَا امْتَلَأَتِ الْمَحَاكِمُ بِالْخُصُومَاتِ إِلَّا لِأَنَّ النُّفُوسَ لَمْ تَتَرَبَّ عَلَى الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ.
وَمَا انْتَشَرَتِ الشَّائِعَاتُ وَأَكَلَ النَّاسُ أَعْرَاضَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا إِلَّا حِينَ غَابَتْ سَلَامَةُ الصَّدْرِ.
إِنَّ الْمُجْتَمَعَ الَّذِي تَسُودُهُ الْقُلُوبُ السَّلِيمَةُ مُجْتَمَعٌ آمِنٌ مُطْمَئِنٌّ، يُحِبُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَيَعْذِرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَيَتَعَاوَنُ أَفْرَادُهُ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى.
أَمَّا إِذَا انْتَشَرَتِ الضَّغَائِنُ وَالْأَحْقَادُ، فَإِنَّ كُلَّ نَجَاحٍ يُصْبِحُ سَبَبًا لِلْحَسَدِ، وَكُلَّ نِعْمَةٍ تُصْبِحُ سَبَبًا لِلْغَيْرَةِ، وَكُلَّ خَطَأٍ يُصْبِحُ سَبَبًا لِلشَّمَاتَةِ، وَحِينَئِذٍ يَفْقِدُ الْمُجْتَمَعُ تَمَاسُكَهُ وَتَضِيعُ أُخُوَّتُهُ.
وَلِهَذَا كَانَ الْإِسْلَامُ يَعْتَنِي بِبِنَاءِ الْقُلُوبِ قَبْلَ بِنَاءِ الْبُيُوتِ، وَيَعْتَنِي بِإِصْلَاحِ النُّفُوسِ قَبْلَ إِصْلَاحِ الطُّرُقِ وَالْأَسْوَاقِ؛ لِأَنَّ صَلَاحَ الْمُجْتَمَعِ يَبْدَأُ مِنْ صَلَاحِ الْقَلْبِ.
مِنْ مَوَانِعِ سَلَامَةِ الصَّدْرِ
وَمَعَ مَا يُعِينُ عَلَى تَحْقِيقِ سَلَامَةِ الصَّدْرِ، عَلَيْنَا أَنْ نَتَجَنَّبَ الْمَوَانِعَ الَّتِي تُفْسِدُ الْقُلُوبَ، وَمِنْهَا:
1 – نَزَغَاتُ الشَّيْطَانِ وَوَسَاوِسُهُ: فَالشَّيْطَانُ حَرِيصٌ عَلَى إِيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ [الإسراء: 53] .
2 – الْأَمْرَاضُ الْقَلْبِيَّةُ كَالْحَسَدِ وَالْغِلِّ وَالْحِقْدِ: وَهَذِهِ الْأَدْوَاءُ إِذَا تَمَكَّنَتْ مِنَ الْقَلْبِ، أَفْسَدَتْهُ، وَأَبْعَدَتْهُ عَنْ سَلَامَةِ الصَّدْرِ، فَلَابُدَّ مِنْ مُجَاهَدَتِهَا، وَتَطْهِيرِ الْقَلْبِ مِنْهَا .
وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُفْسِدُ سَلَامَةَ الصَّدْرِ فِي زَمَانِنَا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعِيشُونَ عَلَى نَقْلِ الْكَلَامِ بَيْنَ النَّاسِ.
يَأْتِي أَحَدُهُمْ إِلَى الرَّجُلِ فَيَقُولُ: فُلَانٌ قَالَ فِيكَ، وَفُلَانٌ يَنْتَقِصُكَ، وَفُلَانٌ لَا يُحِبُّكَ.
وَرُبَّمَا زَادَ عَلَى الْكَلَامِ أَوْ حَرَّفَهُ أَوْ نَقَلَهُ بِغَيْرِ سِيَاقِهِ. فَتَشْتَعِلُ نَارُ الْعَدَاوَةِ، وَتَتَقَطَّعُ الْأَرْحَامُ، وَتَفْسُدُ الصَّدَاقَاتُ.
وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُ أَنْ تُنْقَلَ إِلَيْهِ الْأَخْبَارُ الَّتِي تُفْسِدُ قَلْبَهُ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَقَالَ: «لَا يُبَلِّغْنِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِي شَيْئًا فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ».
فَمَا أَحْوَجَنَا إِلَى هَذَا الْأَدَبِ الْعَظِيمِ فِي زَمَنٍ كَثُرَتْ فِيهِ الرَّسَائِلُ وَالْمَقَاطِعُ وَالْمَنْشُورَاتُ الَّتِي تَبُثُّ الشَّحْنَاءَ بَيْنَ النَّاسِ.
3 – التَّنَافُسُ عَلَى الدُّنْيَا وَالْحِرْصُ عَلَيْهَا: فَحُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ، وَهُوَ مِنْ أَقْوَى الْأَسْبَابِ الَّتِي تُوقِعُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ بَيْنَ النَّاسِ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: “تَفَقَّدْتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، وَتَفَقَّدْتُ النَّارَ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ” [رواه مسلم].
وَصَايَا لِتَحْقِيقِ سَلَامَةِ الصَّدْرِ
عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ سَلَامَةَ الصَّدْرِ تَحْتَاجُ إِلَى صَبْرٍ وَمُجَاهَدَةٍ، وَمَنْ صَدَقَ فِي طَلَبِهَا أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَمِنَ الْوَسَائِلِ الْمُعِينَةِ عَلَيْهَا:
1 – الْإِكْثَارُ مِنَ الدُّعَاءِ: فَالدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ، وَهُوَ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ، وَكَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا” . وَعَلَّمَنَا اللَّهُ أَنْ نَدْعُوَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: 10].
2 – الْتِمَاسُ الْأَعْذَارِ لِلْآخَرِينَ: قَالَ أَحَدُ السَّلَفِ: “إِذَا بَلَغَكَ عَنْ أَخِيكَ شَيْءٌ، فَالْتَمِسْ لَهُ عُذْرًا، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَقُلْ: لَعَلَّ لَهُ عُذْرًا لَا أَعْرِفُهُ” . فَهَذَا الْخُلُقُ الْعَظِيمُ يَدْفَعُ عَنِ الْقَلْبِ سُوءَ الظَّنِّ، وَيُبْعِدُهُ عَنِ الْحِقْدِ وَالضَّغِينَةِ.
3 – الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ: فَإِنَّ ذِكْرَ اللَّهِ يُطْمِئِنُّ الْقَلْبَ، وَيُصَفِّيهِ مِنَ الْكَدَرِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
4 – التَّفَكُّرُ فِي عَاقِبَةِ الْحِقْدِ وَالضَّغِينَةِ: فَإِنَّهَا تُورِثُ صَاحِبَهَا الْهَمَّ وَالْغَمَّ، وَتُضَيِّعُ عَلَيْهِ حَسَنَاتِهِ، وَتُحْرِمُهُ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَجْعَلُ النَّاسَ يَبْتَعِدُونَ عَنْهُ، وَفِي الْآخِرَةِ تَكُونُ حَسْرَةً وَنَدَامَةً.
5 – مُصَاحَبَةُ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْفَضْلِ: فَإِنَّهُمْ يُعِينُونَ عَلَى الْخَيْرِ، وَيُذَكِّرُونَ بِاللَّهِ، وَيُشَجِّعُونَ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
لَا يَظُنَّنَّ أَحَدٌ أَنَّ سَلَامَةَ الصَّدْرِ هِبَةٌ تَأْتِي بِلَا مُجَاهَدَةٍ.
فَالنَّفْسُ بِطَبْعِهَا تَتَأَلَّمُ إِذَا أُوذِيَتْ، وَتَغْضَبُ إِذَا ظُلِمَتْ، وَتَحْزَنُ إِذَا رَأَتْ غَيْرَهَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهَا.
وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ يُرَبِّي نَفْسَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا عَلَى الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ وَحُسْنِ الظَّنِّ.
وَكَمَا يَتَعَلَّمُ الْإِنْسَانُ الْعِلْمَ بِالتَّعَلُّمِ، وَيَتَحَصَّلُ عَلَى الْفِقْهِ بِالْمُدَارَسَةِ، فَإِنَّهُ يَكْتَسِبُ سَلَامَةَ الصَّدْرِ بِالْمُجَاهَدَةِ وَالتَّدْرِيبِ.
يُذَكِّرُ نَفْسَهُ بِأَجْرِ الْعَفْوِ.
وَيُقَاوِمُ دَوَافِعَ الِانْتِقَامِ.
وَيَدْعُو لِمَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ.
وَيُعَوِّدُ لِسَانَهُ عَلَى الْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ.
حَتَّى يُصْبِحَ الصَّفْحُ سَجِيَّةً، وَالْعَفْوُ طَبِيعَةً، وَسَلَامَةُ الصَّدْرِ خُلُقًا مُسْتَقِرًّا فِي قَلْبِهِ.
إِنَّ سَلَامَةَ الصَّدْرِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمِنْحَةٌ إِلَاهِيَّةٌ، فَلْنَحْرِصْ عَلَيْهَا، وَلْنُجَاهِدْ أَنْفُسَنَا لِتَكُونَ قُلُوبُنَا سَلِيمَةً نَقِيَّةً، لَا تَحْمِلُ لِأَحَدٍ غِلًّا وَلَا حِقْدًا وَلَا حَسَدًا، وَلْنَتَذَكَّرْ أَنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ، هُمُ الَّذِينَ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ .
فَلْنُصْلِحْ بَوَاطِنَنَا، وَلْنُطَهِّرْ قُلُوبَنَا، وَلْنُصْفِ سَرَائِرَنَا، حَتَّى نَنْعَمَ بِالسَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا، وَنَفُوزَ بِالْجَنَّةِ فِي الْآخِرَةِ، وَنَكُونَ مُجْتَمَعًا مُتَحَابًّا مُتَآلِفًا، قَوِيًّا مُمَاسِكًا، يَرْفُرِفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالْأَمَانُ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ، وَقَدَّرَ الْأَرْزَاقَ، وَأَمَرَ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ سَلَامَةَ الصَّدْرِ لَيْسَتْ أَمْرًا هَيِّنًا، بَلْ هِيَ مُنَازَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمُجَاهَدَةٌ لِلنَّفْسِ، وَتَخَلُّقٌ بِأَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، فَهِيَ صِفَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَدِيدَنُ الصِّدِّيقِينَ، فَإِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الصافات: 84] . وَيُوسُفُ الصِّدِّيقُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ أَلْقَاهُ إِخْوَتُهُ فِي الْجُبِّ، وَبَاعُوهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، قَالَ لَهُمْ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: 92] .
وَخَيْرُ الْبَشَرِ، وَأَعْظَمُهُمْ صَدْرًا، وَأَطْهَرُهُمْ قَلْبًا، سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حِينَ آذَاهُ قَوْمُهُ، وَكَذَّبُوهُ، وَضَرَبُوهُ، وَأَخْرَجُوهُ مِنْ بَلَدِهِ، كَانَ قَلْبُهُ الشَّرِيفُ مَلِيئًا بِالرَّحْمَةِ وَالْعَفْوِ، فَعِنْدَمَا فَتَحَ مَكَّةَ قَالَ لِأَهْلِهَا: “اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ” . وَأَمَّا دُعَاؤُهُ لِقَوْمِهِ حِينَ آذَوْهُ فِي الطَّائِفِ، فَقَالَ: “اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ” .
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ:
تَخَيَّلُوا لَوْ أَنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَرَادَ الِانْتِقَامَ!
وَتَخَيَّلُوا لَوْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَقَمَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ!
وَتَخَيَّلُوا لَوْ أَنَّ الصَّحَابَةَ بَقُوا أَسْرَى لِلْأَحْقَادِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ!
مَا قَامَتْ أُمَّةٌ، وَلَا اسْتَقَرَّتْ دَعْوَةٌ، وَلَا اجْتَمَعَتْ كَلِمَةٌ.
لَكِنَّ الْإِسْلَامَ جَاءَ لِيُحَرِّرَ الْإِنْسَانَ مِنْ أَسْرِ الضَّغَائِنِ.
جَاءَ لِيَجْعَلَ الْعَفْوَ قُوَّةً، وَالصَّفْحَ شَجَاعَةً، وَالْإِحْسَانَ إِلَى الْمُسِيءِ رِفْعَةً.
وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
فَمَنْ أَرَادَ مَغْفِرَةَ اللَّهِ فَلْيَغْفِرْ لِلنَّاسِ.
وَمَنْ أَرَادَ رَحْمَةَ اللَّهِ فَلْيَرْحَمْ عِبَادَ اللَّهِ.
وَمَنْ أَرَادَ قَلْبًا سَلِيمًا فِي الْآخِرَةِ فَلْيُطَهِّرْ قَلْبَهُ فِي الدُّنْيَا.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّهُ لَوْ قِيلَ لِأَحَدِنَا الْيَوْمَ: لَمْ يَبْقَ مِنْ عُمُرِكَ إِلَّا أَيَّامٌ مَعْدُودَةٌ، فَهَلْ سَيَبْقَى فِي قَلْبِهِ حِقْدٌ عَلَى أَحَدٍ؟
وَهَلْ سَيَظَلُّ مُتَشَبِّثًا بِخُصُومَةٍ مَضَى عَلَيْهَا سَنَوَاتٌ؟
وَهَلْ سَيُصِرُّ عَلَى قَطِيعَةِ أَخٍ أَوْ قَرِيبٍ؟
كَلَّا وَاللَّهِ.
وَإِنَّمَا يَمْنَعُنَا مِنَ الْمُسَارَعَةِ إِلَى الصَّفْحِ طُولُ الْأَمَلِ.
وَمَا أَكْثَرَ مَنْ حَمَلُوا الْأَحْقَادَ فِي صُدُورِهِمْ، ثُمَّ سَبَقَهُمُ الْمَوْتُ قَبْلَ أَنْ يَتَصَالَحُوا.
وَمَا أَكْثَرَ مَنْ نَدِمُوا عِنْدَ الِاحْتِضَارِ عَلَى خُصُومَاتٍ لَمْ تَكُنْ تَسْتَحِقُّ كُلَّ ذَلِكَ الْعَنَاءِ.
فَطُوبَى لِمَنْ لَقِيَ اللَّهَ وَقَلْبُهُ سَلِيمٌ، وَلِسَانُهُ طَيِّبٌ، وَسَرِيرَتُهُ نَقِيَّةٌ، وَلَمْ يَتْرُكْ خَلْفَهُ مَظْلِمَةً لِأَحَدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ.
فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، هَذَا هُوَ خُلُقُ الْإِسْلَامِ، وَهَذِهِ هِيَ سَلَامَةُ الصَّدْرِ الَّتِي تَرْفَعُ الْأُمَّةَ، وَتُوَحِّدُ الصَّفَّ، وَتَجْمَعُ الْكَلِمَةَ، فَهَلْ لَنَا أَنْ نَتَخَلَّقَ بِهَذَا الْخُلُقِ الْعَظِيمِ؟ وَهَلْ لَنَا أَنْ نُطَهِّرَ قُلُوبَنَا مِنَ الْغِلِّ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ، وَنَتَحَابَّ فِي اللَّهِ، وَنَتَآخَى عَلَى طَاعَتِهِ؟
الدُّعَاءُ
اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ، وَأَعْمَالَنَا مِنَ الرِّيَاءِ، وَأَلْسِنَتَنَا مِنَ الْكَذِبِ، وَأَعْيُنَنَا مِنَ الْخِيَانَةِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَصْحَابِ الْقُلُوبِ السَّلِيمَةِ.
اللَّهُمَّ انْزَعْ مِنْ صُدُورِنَا الْغِلَّ وَالْحَسَدَ وَالْبَغْضَاءَ وَالشَّحْنَاءَ.
اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ بَلَدَنَا وَبِلَادَ الْمُسْلِمِينَ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ.
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.