
الْمُقَدِّمَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَ بَعْضَ الْبِقَاعِ عَلَى بَعْضٍ، وَاخْتَارَ مِنَ الْبِلَادِ مَا شَاءَ، فَجَعَلَ مَكَّةَ حَرَمًا آمِنًا، وَبَارَكَ حَوْلَ الشَّامِ، وَجَعَلَ مِصْرَ خَزَائِنَ الْأَرْضِ، وَمَهْبِطَ الْوَحْيِ، وَمَهْجَرَ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَضْرِبَ الْأَمْثَالِ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ، صَفِيَّهُ وَخَلِيلَهُ، أَرْسَلَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، فَهَدَى بِهِ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَبَصَّرَ بِهِ مِنَ الْجَهَالَةِ، فَصَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذِهِ الْبِلَادَ الْمُبَارَكَةَ – مِصْرَ – قَدْ حَظِيَتْ بِمَكَانَةٍ عَظِيمَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، وَفِي تَارِيخِ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَقَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ عَلَى فَضْلِهَا، وَأَخْبَرَ الْمُؤَرِّخُونَ بِمَوَاقِفِهَا الْجَلِيلَةِ، وَامْتَدَحَ الْأُدَبَاءُ مَحَاسِنَهَا، وَإِنَّ حَدِيثَنَا الْيَوْمَ عَنْ كَلِمَةٍ نَطَقَ بِهَا نَبِيٌّ كَرِيمٌ، فِي أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، قَالَهَا لِآبَائِهِ وَأَهْلِهِ، حِينَ حَلُّوا بِهَا مُسْتَبْشِرِينَ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾، كَلِمَةٌ حَمَلَتْ فِي طِيَّاتِهَا الْأَمَانَ وَالطُّمَأْنِينَةَ، وَضَرَبَتْ مَثَلًا فِي الثِّقَةِ بِاللَّهِ وَالتَّسْلِيمِ لِقَضَائِهِ.
مَكَانَةُ مِصْرَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
مَا مِنْ بَلَدٍ ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ تَصْرِيحًا بِالِاسْمِ، وَتَكَرَّرَ ذِكْرُهُ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، إِلَّا وَكَانَ لِذَلِكَ الذِّكْرِ حِكْمَةٌ، وَكَانَتْ وَرَاءَهُ رِسَالَةٌ.
وَمِنْ تِلْكَ الْبِلَادِ الَّتِي شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِالذِّكْرِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ مِصْرُ، تِلْكَ الْأَرْضُ الْمُبَارَكَةُ، أَرْضُ النِّيلِ، وَمَهْبِطُ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَوْطِنُ الْحَضَارَاتِ، وَقَلْعَةُ الْإِسْلَامِ عَبْرَ الْقُرُونِ.
وَلَيْسَ حَدِيثُنَا الْيَوْمَ حَدِيثَ تَعَصُّبٍ لِلْأَوْطَانِ، وَلَا دَعْوَةً إِلَى مُفَاخَرَةٍ بِالْأَرْضِ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَعْرِفُ الْعَصَبِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَإِنَّمَا حَدِيثُنَا عَنْ نِعْمَةٍ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَسْتَوْجِبُ الشُّكْرَ، وَعَنْ فَضْلٍ أَثْبَتَهُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ، وَعَنْ مَسْؤُولِيَّةٍ عَظِيمَةٍ تِجَاهَ هَذَا الْبَلَدِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ مَأْوًى لِأَنْبِيَائِهِ، وَمَيْدَانًا لِدَعْوَتِهِ، وَحِصْنًا مِنْ حُصُونِ الْإِسْلَامِ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ…
لَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ مِصْرَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَهَذَا تَشْرِيفٌ وَتَكْرِيمٌ لِهَذِهِ الْبُقْعَةِ الطَّيِّبَةِ. حَتَّى قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَمْ يُذْكَرْ بَلَدٌ بِاسْمِهِ فِي الْقُرْآنِ مِثْلَمَا ذُكِرَتْ مِصْرُ. فَقَدْ ذُكِرَ اسْمُهَا صَرَاحَةً فِي الْقُرْآنِ عِدَّةَ مَرَّاتٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: 61]، وَقَالَ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ [يُونُسَ: 87]، وَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ [يُوسُفَ: 21]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزُّخْرُفِ: 51].
كَمَا أَشَارَ إِلَيْهَا الْقُرْآنُ ضِمْنًا فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ مَوْضِعًا، مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يُونُسَ: 93]، وَالْمَقْصُودُ هُنَا مِصْرُ، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: 50]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وَغَيْرُهُمْ: هِيَ مِصْرُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشُّعَرَاءِ: 57-58]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الْأَعْرَافِ: 137] يَعْنِي مِصْرَ.
مَكَانَةُ مِصْرَ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ
وَلَمْ يَقِفْ فَضْلُ مِصْرَ عِنْدَ ذِكْرِهَا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، بَلْ جَاءَتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ الصَّحِيحَةُ تُبَيِّنُ مَنْزِلَةَ أَهْلِهَا. فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا» وَفِي رِوَايَةٍ: «ذِمَّةً وَصِهْرًا».
وَتَأَمَّلُوا… لَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ ﷺ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ لِمُجَرَّدِ الْجِوَارِ، وَلَا لِمُجَرَّدِ الْمَصَالِحِ، بَلْ لِأَنَّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ رَحِمًا وَصِهْرًا. أَمَّا الرَّحِمُ، فَلِأَنَّ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، هَاجَرَ، كَانَتْ مِصْرِيَّةً عَلَى الْمَشْهُورِ. وَأَمَّا الصِّهْرُ، فَلِأَنَّ أُمَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، كَانَتْ مِنْ مِصْرَ. وَهَكَذَا ارْتَبَطَتْ مِصْرُ بِتَارِيخِ النُّبُوَّةِ مِنْ جِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
كَمَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْصَى عِنْدَ وَفَاتِهِ فَقَالَ: «اللَّهَ اللَّهَ فِي قِبْطِ مِصْرَ، فَإِنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ، وَيَكُونُونَ لَكُمْ عِدَّةً وَأَعْوَانًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ». وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَقْدَمُونَ عَلَى قَوْمٍ، جُعْدٌ رُءُوسُهُمْ، فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا، فَإِنَّهُمْ قُوَّةٌ لَكُمْ، وَبَلَاغٌ إِلَى عَدُوِّكُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ».
مِصْرُ فِي عُيُونِ الْمُؤَرِّخِينَ وَالْأُدَبَاءِ
وَلَمْ يَقْتَصِرْ فَضْلُ مِصْرَ عَلَى النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ، بَلْ شَهِدَ لَهَا الْمُؤَرِّخُونَ وَالْأُدَبَاءُ بِذَلِكَ، فَقَدْ وَصَفَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِصْرَ فِي رِسَالَتِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: “مِصْرُ تُرْبَةٌ غَبْرَاءُ، وَشَجَرَةٌ خَضْرَاءُ، طُولُهَا شَهْرٌ، وَعَرْضُهَا عَشْرٌ، يَكْتَنِفُهَا جَبَلٌ أَغْبَرُ، وَرَمْلٌ أَعْفَرُ، فِي وَسْطِهَا نَهْرٌ مَيْمُونُ الْفَرَوَاتِ، مُبَارَكُ الرَّوَحَاتِ، يَجْرِي بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، كَجَرْيِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ…”.
وَقَدْ وَصَفَ الْمُؤَرِّخُ الْمَقْرِيزِيُّ مِصْرَ وَصْفًا بَدِيعًا فَقَالَ: “هِيَ أُمُّ الْبِلَادِ، وَغَوْثُ الْعِبَادِ، وَمَعْدِنُ الْخَيْرَاتِ”. وَذَكَرَ أَنَّ الْأُمَمَ كَانَتْ تَقْصِدُهَا لِلتِّجَارَةِ، وَالْعِلْمِ، وَالزِّرَاعَةِ، وَأَنَّ نِيلَهَا كَانَ سَبَبًا فِي عِمْرَانِهَا وَاسْتِقْرَارِهَا.
وَقَالَ ابْنُ خَلْدُونَ وَهُوَ يَتَحَدَّثُ عَنْ عِمْرَانِ مِصْرَ: “مَنْ رَأَى الْقَاهِرَةَ وَلَمْ يَرَ غَيْرَهَا فَكَأَنَّمَا رَأَى الدُّنْيَا”. وَهَذِهِ لَيْسَتْ مُبَالَغَةً أَدَبِيَّةً، وَإِنَّمَا وَصْفٌ لِمَكَانَةِ مِصْرَ الْحَضَارِيَّةِ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ.
وَقَالَ الْكِنْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: “لَا يُعْلَمُ بَلَدٌ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ بِمِثْلِ هَذَا الثَّنَاءِ، وَلَا وَصَفَهُ بِمِثْلِ هَذَا الْوَصْفِ، وَلَا شَهِدَ لَهُ بِالْكَرَمِ غَيْرَ مِصْرَ. وَفَضَّلَ اللَّهُ مِصْرَ عَلَى سَائِرِ الْبُلْدَانِ، كَمَا فَضَّلَ بَعْضَ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ وَالْأَيَّامَ وَاللَّيَالِيَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَالْفَضْلُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: فِي دِينٍ أَوْ دُنْيَا، أَوْ فِيهِمَا جَمِيعًا”.
وَقَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ يَصِفُ مِصْرَ:
مَنْ شَاهَدَ الْأَرْضَ وَأَقْطَارَهَا وَالنَّاسَ أَنْوَاعًا وَأَجْنَاسًا
وَلَا رَأَى مِصْرَ وَأَهْلَهَا فَمَا رَأَى الدُّنْيَا وَلَا النَّاسَا
وَقَالُوا: مِصْرُ أُمُّ الْبِلَادِ، وَهِيَ أُمُّ الْمُجَاهِدِينَ وَالْعِبَادِ، قَهَرَتْ قَاهِرَتَهَا الْأُمَمَ، وَوَصَلَتْ بَرَكَاتُهَا إِلَى الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، هِيَ بِلَادٌ كَرِيمَةُ التُّرْبَةِ، مُونِسَةٌ لِذَوِي الْغُرْبَةِ.
مِصْرُ فِي التَّارِيخِ الْإِسْلَامِيِّ وَمَوَاقِفُهَا الْبُطُولِيَّةُ
وَلَمَّا دَخَلَ الصَّحَابَةُ مِصْرَ فَاتِحِينَ لَمْ يَدْخُلُوهَا طُغَاةً وَلَا مُسْتَعْمِرِينَ، وَإِنَّمَا دَخَلُوهَا دُعَاةَ هِدَايَةٍ وَعَدْلٍ. فَكَانَ أَوَّلُ مَا فَعَلُوهُ إِقَامَةَ الْمَسَاجِدِ، وَتَعْلِيمَ النَّاسِ الْقُرْآنَ، وَنَشْرَ الْعَدْلِ بَيْنَ الْعِبَادِ.
وَلِذَلِكَ أَحَبَّ أَهْلُ مِصْرَ الْإِسْلَامَ، وَدَخَلُوا فِيهِ أَفْوَاجًا، حَتَّى أَصْبَحَتْ مِصْرُ بَعْدَ سَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ مِنْ أَعْظَمِ مَعَاقِلِ الْإِسْلَامِ.
فَمِنْهَا خَرَجَ الْعُلَمَاءُ وَالْفُقَهَاءُ وَالْمُحَدِّثُونَ وَالْقُرَّاءُ.
وَمِنْهَا انْطَلَقَتِ الْجُيُوشُ الَّتِي دَافَعَتْ عَنِ الْأُمَّةِ شَرْقًا وَغَرْبًا.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، إِمَامُ أَهْلِ مِصْرَ: “مَا بَرِحَ أَهْلُ مِصْرَ فِي رِبَاطٍ مُنْذُ فَتَحَهَا اللَّهُ إِلَى يَوْمِ النَّاسِ هَذَا.” أَيْ: أَنَّهُمْ فِي ثَغْرٍ مِنْ ثُغُورِ الْإِسْلَامِ، يَحْرُسُونَ دِيَارَهُ، وَيُدَافِعُونَ عَنْ حُدُودِهِ.
وَمَوْقِفُ مِصْرَ يَوْمَ التَّتَارِ لَا يُنْسَى، حِينَ دَخَلُوا الْعَالَمَ الْإِسْلَامِيَّ فَدَمَّرُوا بَغْدَادَ، وَمَزَّقُوا الْمَصَاحِفَ، وَذَبَحُوا الشُّيُوخَ، وَقَتَلُوا الْأَطْفَالَ، وَكَانَتْ مِصْرُ هِيَ الْحِصْنَ الْأَخِيرَ لِلْإِسْلَامِ، فَخَرَجَ الْمِصْرِيُّونَ خَلْفَ سُلْطَانِهِمْ قُطُزَ، وَالْتَقَوُا التَّتَارَ فِي عَيْنِ جَالُوتَ، وَكَانَتْ مَعْرَكَةً لَمْ يَشْهَدِ التَّارِيخُ لَهَا نَظِيرًا، فَسَحَقَ التَّتَارَ سَحْقًا، وَحَفِظَ اللَّهُ بِهِمُ الْإِسْلَامَ وَالْأُمَّةَ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي كِتَابِهِ الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ أَنَّ انْتِصَارَ الْمُسْلِمِينَ فِي عَيْنِ جَالُوتَ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْفُتُوحِ الَّتِي حَفِظَ اللَّهُ بِهَا الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ. وَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ قَيَّضَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ رِجَالًا صَادِقِينَ، ثُمَّ هَيَّأَ لَهُمْ أَرْضًا قَوِيَّةً تَحْتَضِنُهُمْ، لَرُبَّمَا تَغَيَّرَ وَجْهُ التَّارِيخِ كُلُّهُ.
مِصْرُ مَهْبِطُ الْأَنْبِيَاءِ وَمَسْرَحُ قِصَصِهِمْ
لَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ مِصْرَ مَسْرَحًا لِقِصَصِ عَدَدٍ كَبِيرٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ.
فَفِيهَا نَشَأَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ أَنْ بِيعَ عَبْدًا، ثُمَّ صَارَ عَزِيزَهَا.
وَفِيهَا دَخَلَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَبْنَاؤُهُ.
وَفِيهَا وُلِدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى أُمِّهِ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [الْقَصَصِ: 7].
وَفِيهَا وَقَعَ أَعْظَمُ صِرَاعٍ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِي زَمَانِهِ، بَيْنَ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ.
وَفِي أَرْضِهَا انْفَلَقَ الْبَحْرُ، وَغَرِقَ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ.
وَفِيهَا ظَهَرَتْ آيَاتُ اللَّهِ الْكُبْرَى.
ثُمَّ كَانَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مَأْوًى لِلْمَسِيحِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأُمِّهِ مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، حِينَ هَاجَرَا إِلَيْهَا فِرَارًا بِدِينِهِمَا.
إِنَّ الْمُتَأَمِّلَ فِي كِتَابِ اللَّهِ يَجِدُ أَنَّ مِصْرَ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ مَكَانٍ وَقَعَتْ فِيهِ أَحْدَاثُ التَّارِيخِ، بَلْ كَانَتْ مَيْدَانًا تَجَلَّتْ فِيهِ سُنَنُ اللَّهِ فِي الْأُمَمِ.
إِنَّهَا رِسَالَةٌ لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ… أَنَّ الدُّوَلَ لَا تَقُومُ بِالظُّلْمِ، وَأَنَّ الْحَضَارَاتِ لَا تَسْتَمِرُّ بِالْبَطْشِ، وَأَنَّ الْأَمْنَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَصْنَعُهُ الْقَهْرُ، وَإِنَّمَا تَصْنَعُهُ الْعَدَالَةُ، وَالْإِيمَانُ، وَالرَّحْمَةُ.
وَلَقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ عَلَى الْعَالَمِ كُلِّهِ وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ عَلَى لِسَانِ يُوسُفَ: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يُوسُفَ: 55]. فَكَانَتْ مِصْرُ يَوْمَئِذٍ مَخْزَنَ الْغِلَالِ، وَمُسْتَوْدَعَ الْخَيْرِ، وَمَرْكَزَ الِاقْتِصَادِ فِي الْعَالَمِ الْمَعْرُوفِ آنَذَاكَ.
وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ التَّارِيخِ أَنَّ سِيَاسَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي إِدَارَةِ سَنَوَاتِ الرَّخَاءِ ثُمَّ سَنَوَاتِ الْمَجَاعَةِ كَانَتْ مِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ الْإِدَارَةِ الِاقْتِصَادِيَّةِ فِي تَارِيخِ الْبَشَرِ، حَتَّى قَصَدَتْهَا الْأُمَمُ تَسْتَجْلِبُ مِنْهَا الطَّعَامَ زَمَنَ الْقَحْطِ.
فَأَيُّ أَرْضٍ هَذِهِ الَّتِي احْتَضَنَتْ كُلَّ هَذِهِ الصَّفَحَاتِ الْمُشْرِقَةِ مِنْ تَارِيخِ النُّبُوَاتِ؟ وَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا الَّذِي شَهِدَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَا لَمْ تَشْهَدْهُ بِلَادٌ كَثِيرَةٌ؟
مِصْرُ خَزِينَةُ الْعُلُومِ وَمَنَارَةُ الْعُلَمَاءِ
إِنَّ مِصْرَ كَانَتْ وَلَا تَزَالُ خَزِينَةً مِنْ خَزَائِنِ الْعِلْمِ. فَفِيهَا قَامَتْ حَلَقَاتُ الْقُرْآنِ مُنْذُ فَجْرِ الْإِسْلَامِ. وَفِيهَا ازْدَهَرَتْ مَدَارِسُ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَاللُّغَةِ. وَمِنْهَا خَرَجَ آلَافُ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ مَلَأُوا الدُّنْيَا عِلْمًا.
يَكْفِي أَنْ نَذْكُرَ الْإِمَامَ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ، الَّذِي قَالَ فِيهِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: “اللَّيْثُ أَفْقَهُ مِنْ مَالِكٍ، إِلَّا أَنَّ أَصْحَابَهُ لَمْ يَقُومُوا بِهِ”.
وَيَكْفِيهَا شَرَفًا أَنَّ الْإِمَامَ الشَّافِعِيَّ عَاشَ آخِرَ حَيَاتِهِ فِيهَا، وَأَلَّفَ فِيهَا مَذْهَبَهُ الْجَدِيدَ، وَدُفِنَ فِي تُرَابِهَا.
وَمِنْهَا خَرَجَ الْإِمَامُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ.
وَمِنْهَا خَرَجَ الْإِمَامُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ الَّذِي تَرَكَ مِئَاتِ الْمُصَنَّفَاتِ.
وَغَيْرُهُمْ كَثِيرٌ وَكَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا قَدِمَ مِصْرَ وَاسْتَقَرَّ بِهَا: “مَا دَخَلْتُ بَلَدًا بَعْدَ مَكَّةَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ مِصْرَ”. وَفِيهَا أَكْمَلَ مَذْهَبَهُ الْجَدِيدَ، وَصَارَتْ مَنَارَةً مِنْ مَنَارَاتِ الْعِلْمِ.
مِصْرُ مَحْفُوظَةٌ بِحِفْظِ اللَّهِ
إِنَّ مِصْرَ مَحْفُوظَةٌ بِحِفْظِ اللَّهِ، وَاللَّهُ حَامِيهَا رَغْمَ طَمَعِ الطَّامِعِينَ وَحِقْدِ الْحَاقِدِينَ وَمَكْرِ الْمَاكِرِينَ. وَقَدْ تَعَدَّدَتِ الشَّوَاهِدُ وَالْآثَارُ الَّتِي تُثْبِتُ ذَلِكَ. فَعَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ قَالَ: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ: مِصْرُ خَزَائِنُ الْأَرْضِ كُلِّهَا، فَمَنْ أَرَادَ بِهَا سُوءًا قَصَمَهُ اللَّهُ. وَرُوِيَ عَنْ شَفِيِّ الْأَصْبَحِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مِصْرُ بَلْدَةٌ مُعَافَاةٌ مِنَ الْفِتَنِ، لَا يُرِيدُهُمْ أَحَدٌ بِسُوءٍ إِلَّا صَرَعَهُ اللَّهُ، وَلَا يُرِيدُ أَحَدٌ هَلَاكَهُمْ إِلَّا أَهْلَكَهُ اللَّهُ.
وَهَذَا نَبِيُّ اللَّهِ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَدْعُو لِمِصْرَ بِالْأَمْنِ وَالْأَمَانِ وَالْبَرَكَاتِ وَالْخَيْرَاتِ. فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: دَعَا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَبَّهُ لِوَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ: مِصْرَ بْنِ بَيْصَرَ بْنِ حَامِ بْنِ نُوحٍ، وَبِهِ سُمِّيَتْ مِصْرُ، وَهُوَ أَبُو الْقِبْطِ، فَقَالَ: “اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَفِي ذُرِّيَّتِهِ، وَأَسْكِنْهُ الْأَرْضَ الْمُبَارَكَةَ الَّتِي هِيَ أُمُّ الْبِلَادِ وَغَوْثُ الْعِبَادِ، وَنَهْرَهَا أَفْضَلُ أَنْهَارِ الدُّنْيَا، وَاجْعَلْ فِيهَا أَفْضَلَ الْبَرَكَاتِ، وَسَخِّرْ لَهُ وَلِوَلَدِهِ الرَّوْضَ، وَذَلِّلْهُ لَهُمْ، وَقَوِّهِمْ عَلَيْهَا”.
وَرَحِمَ اللَّهُ الدُّكْتُورَ مُصْطَفَى مَحْمُودٍ حَيْثُ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ الْمُؤَامَرَةُ الْكُبْرَى: “سَتَظَلُّ مِصْرُ مَحْفُوظَةً وَمَحْرُوسَةً تَحْتَ ظِلِّ الْعَرْشِ، وَسَتَظَلُّ خَيْمَةَ عِبَادَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ لِلدُّنْيَا بِانْتِهَاءٍ”.
حَقًّا، سَتَظَلُّ مِصْرُ دَائِمًا مَحْفُوظَةً بِحِفْظِ اللَّهِ الْجَمِيلِ، وَهَذَا وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَهْلِ مِصْرَ كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ. وَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي شَأْنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الْفَتْحِ: 27]، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ فِي شَأْنِ مِصْرَ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾. فَمِصْرُ أَمَانٌ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ، أَمَانٌ عَلَى الْأَهْلِ، أَمَانٌ مِنَ الْقَحْطِ وَالشِّدَّةِ وَالْفَاقَةِ.
تَفْسِيرُ آيَةِ “ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ“
وَمِنْ أَعْظَمِ الْآيَاتِ الَّتِي تَحَدَّثَتْ عَنْ مِصْرَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّ اللَّهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَمَا اجْتَمَعَ بِأَهْلِهِ بَعْدَ سَنَوَاتِ الْفِرَاقِ: ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يُوسُفَ: 99].
فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نَبِيِّهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ أَقْبَلَ أَبُوهُ يَعْقُوبُ وَأَهْلُهُ جَمِيعًا مُهَاجِرِينَ إِلَى مِصْرَ، بَعْدَ فِرَاقٍ طَوِيلٍ، وَشَوْقٍ عَمِيقٍ، وَبَعْدَ أَنْ أَلْقَى يُوسُفُ قَمِيصَهُ عَلَى وَجْهِ أَبِيهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا، وَأَمَرَ إِخْوَتَهُ أَنْ يَأْتُوهُ بِأَهْلِهِمْ أَجْمَعِينَ.
فَلَمَّا دَنَا يَعْقُوبُ وَأَهْلُهُ مِنْ مِصْرَ، خَرَجَ يُوسُفُ يَتَلَقَّاهُمْ، وَرَكِبَ مَعَهُ أَهْلُ مِصْرَ تَعْظِيمًا لَهُ، حَتَّى إِذَا تَلَاقَيَا، آوَى يُوسُفُ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ – أَيْ ضَمَّهُمَا إِلَيْهِ وَاحْتَضَنَهُمَا – ثُمَّ قَالَ لِأَهْلِهِ جَمِيعًا: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾.
تَأَمَّلُوا – رَحِمَكُمُ اللَّهُ – هَذِهِ الْآيَةَ الْعَظِيمَةَ… لَمْ يَقُلِ: ادْخُلُوا مِصْرَ فَقَطْ… بَلْ قَرَنَ دُخُولَهَا بِالْأَمْنِ. ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾. وَكَأَنَّ الْأَمْنَ صَارَ عُنْوَانًا لِهَذِهِ الْأَرْضِ، وَسِمَةً مِنْ سِمَاتِهَا، وَنِعْمَةً مِنْ أَجَلِّ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهَا.
قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: أَيِ ادْخُلُوهَا آمِنِينَ مِنَ الْجُوعِ، وَآمِنِينَ مِنَ الْخَوْفِ، وَآمِنِينَ مِنْ أَذَى الْأَعْدَاءِ بَعْدَ سَنَوَاتِ الْمُحْنَةِ وَالِابْتِلَاءِ. قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَفْسِيرِهِ: “مَعْنَى قَوْلِهِ: آمِنِينَ يَعْنِي عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَأَهْلِيكُمْ لَا تَخَافُونَ أَحَدًا، وَكَانُوا فِيمَا سَلَفَ يَخَافُونَ مُلُوكَ مِصْرَ، وَقِيلَ: آمِنِينَ مِنَ الْقَحْطِ وَالشِّدَّةِ وَالْفَاقَةِ”.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ “إِنْ شَاءَ اللَّهُ”:
– فَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَ يُوسُفُ “إِنْ شَاءَ اللَّهُ” تَبَرُّكًا وَاسْتِسْلَامًا لِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وَإِظْهَارًا لِلْعُبُودِيَّةِ، وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِمَشِيئَتِهِ، وَهَذَا مِنْ أَدَبِ الْأَنْبِيَاءِ.
– وَقِيلَ: إِنَّهُ قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ قَبْلَ دُخُولِهِمْ مِصْرَ، حِينَ تَلَقَّاهُمْ خَارِجَهَا، فَأَمَرَهُمْ بِدُخُولِهَا مَعَ التَّبَرُّكِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ.
الْأَمْنُ وَأَهَمِّيَّتُهُ فِي الْإِسْلَامِ
وَمَا أَعْظَمَ الْأَمْنَ… فَإِذَا فُقِدَ الْأَمْنُ ضَاعَتِ الْأَوْطَانُ، وَتَعَطَّلَتِ الْعِبَادَاتُ، وَخَرِبَتِ الْبُيُوتُ، وَانْتَشَرَتِ الْفَوْضَى، وَلِهَذَا امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ. قَالَ سُبْحَانَهُ عَنِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قُرَيْشٍ: 4]. فَقَدَّمَ نِعْمَةَ الْأَمْنِ مَعَ الطَّعَامِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَنْتَفِعُ بِرَغِيفِهِ إِذَا كَانَ خَائِفًا، وَلَا يَهْنَأُ بِمَالِهِ إِذَا كَانَ مُضْطَرِبًا.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ…
إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تُعَلِّمُنَا أَنَّ الْأَمْنَ لَيْسَ صِنَاعَةَ الْبَشَرِ وَحْدَهُمْ، بَلْ هُوَ مِنْحَةٌ مِنَ اللَّهِ. وَلِهَذَا قَالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾. فَالْأَمْنُ لَا يُشْتَرَى بِالْأَمْوَالِ وَحْدَهَا، وَلَا يَتَحَقَّقُ بِكَثْرَةِ الْجُيُوشِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا يُنَالُ أَوَّلًا بِطَاعَةِ اللَّهِ، ثُمَّ بِالْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ.
وَلِذَلِكَ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: 82]. فَكُلَّمَا زَادَ الْإِيمَانُ زَادَ الْأَمْنُ، وَكُلَّمَا انْتَشَرَ الظُّلْمُ وَالْمَعَاصِي وَالْفَسَادُ، كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا فِي زَوَالِ الْأَمْنِ، وَإِنْ كَثُرَتْ أَسْبَابُ الْقُوَّةِ الْمَادِّيَّةِ.
إِنَّ نِعْمَةَ الْأَمْنِ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْنَا؛ فَهِيَ أَهَمُّ مِنْ نِعْمَةِ الرِّزْقِ، وَلِذَلِكَ قُدِّمَتْ عَلَيْهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الْبَقَرَةِ: 126]. فَبَدَأَ بِالْأَمْنِ قَبْلَ الرِّزْقِ لِأَنَّ اسْتِتْبَابَ الْأَمْنِ سَبَبٌ لِلرِّزْقِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَطِيبُ طَعَامٌ وَلَا يُنْتَفَعُ بِنِعْمَةِ رِزْقٍ إِذَا فُقِدَ الْأَمْنُ.
وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَا النَّعِيمُ؟ قَالَ: الْغِنَى، فَإِنِّي رَأَيْتُ الْفَقْرَ لَا عَيْشَ لَهُ. قِيلَ: زِدْنَا، قَالَ: الْأَمْنُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ الْخَائِفَ لَا عَيْشَ لَهُ. قِيلَ: زِدْنَا، قَالَ: الْعَافِيَةُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ الْمَرِيضَ لَا عَيْشَ لَهُ. قِيلَ: زِدْنَا، قَالَ: الشَّبَابُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ الْهَرَمَ لَا عَيْشَ لَهُ.
وَلِأَهَمِّيَّةِ الْأَمْنِ كَانَ مَطْلَبَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ بَلِ النَّاسِ جَمِيعًا، فَإِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ بَلَدَهُ آمِنًا: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إِبْرَاهِيمَ: 35]، وَيُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَطْلُبُ مِنْ وَالِدَيْهِ دُخُولَ مِصْرَ مُخْبِرًا بِاسْتِتْبَابِ الْأَمْنِ بِهَا، وَلَمَّا خَافَ مُوسَى أَعْلَمَهُ رَبُّهُ أَنَّهُ مِنَ الْآمِنِينَ: ﴿يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ [الْقَصَصِ: 31].
وَلِأَهَمِّيَّةِ الْأَمْنِ وَمَكَانَتِهِ أَعْلَاهُ الْعُلَمَاءُ مَنْزِلَةً أَعْظَمَ مِنْ نِعْمَةِ الصِّحَّةِ. قَالَ الرَّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: “سُئِلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْأَمْنُ أَفْضَلُ أَمِ الصِّحَّةُ؟ فَقَالَ: الْأَمْنُ أَفْضَلُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ شَاةً لَوِ انْكَسَرَتْ رِجْلُهَا فَإِنَّهَا تَصِحُّ بَعْدَ زَمَانٍ، ثُمَّ إِنَّهَا تُقْبِلُ عَلَى الرَّعْيِ وَالْأَكْلِ، وَلَوْ أَنَّهَا رُبِطَتْ فِي مَوْضِعٍ وَرُبِطَ بِالْقُرْبِ مِنْهَا ذِئْبٌ فَإِنَّهَا تُمْسِكُ عَنِ الْعَلَفِ وَلَا تَتَنَاوَلُهُ إِلَى أَنْ تَمُوتَ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الضَّرَرَ الْحَاصِلَ مِنَ الْخَوْفِ أَشَدُّ مِنَ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ مِنْ أَلَمِ الْجَسَدِ”.
وَلِأَهَمِّيَّةِ الْأَمْنِ أَكْرَمَ اللَّهُ بِهِ أَوْلِيَاءَهُ فِي جَنَّتِهِ وَدَارِ كَرَامَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فُقِدَ فُقِدَ النَّعِيمُ، قَالَ رَبُّ الْعَالَمِينَ: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الْحِجْرِ: 46]، وَقَالَ: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدُّخَانِ: 55]، وَقَالَ: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سَبَأٍ: 37].
إِنَّ الْأَمْنَ وَالِاسْتِقْرَارَ إِذَا عَمَّ الْبِلَادَ، وَأَلْقَى بِظِلِّهِ عَلَى النَّاسِ، أَمِنَ النَّاسُ عَلَى دِينِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ وَمَحَارِمِهِمْ، وَلَوْ كَتَبَ اللَّهُ الْأَمْنَ عَلَى أَهْلِ بَلَدٍ مِنَ الْبِلَادِ، سَارَ النَّاسُ لَيْلًا وَنَهَارًا لَا يَخْشَوْنَ إِلَّا اللَّهَ، وَفِي رِحَابِ الْأَمْنِ وَظِلِّهِ تَعُمُّ الطُّمَأْنِينَةُ النُّفُوسَ، وَيَسُودُهَا الْهُدُوءُ، وَتَعُمُّهَا السَّعَادَةُ.
أَسْبَابُ حِفْظِ النِّعْمَةِ وَبَقَاءِ الْأَمْنِ
إِنَّ الْأُمَمَ لَا تَحْفَظُهَا الْجِبَالُ وَحْدَهَا، وَلَا الْأَنْهَارُ وَحْدَهَا، وَلَا الْجُيُوشُ وَحْدَهَا. إِنَّمَا يَحْفَظُهَا اللَّهُ إِذَا حَفِظَتْ دِينَهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: 7].
وَلِذَلِكَ فَإِنَّ مَسْؤُولِيَّةَ أَهْلِ مِصْرَ الْيَوْمَ لَيْسَتْ أَنْ يَكْتَفُوا بِالْفَخْرِ بِتَارِيخِهِمْ. فَالتَّارِيخُ لَا يَحْمِي حَاضِرًا، وَالْمَاضِي لَا يَبْنِي مُسْتَقْبَلًا. إِنَّمَا الَّذِي يَبْنِي الْمُسْتَقْبَلَ هُوَ الْإِيمَانُ، وَالْعَمَلُ، وَالْعِلْمُ، وَالْإِخْلَاصُ، وَالْوَحْدَةُ، وَصِدْقُ الِانْتِمَاءِ لِهَذَا الدِّينِ.
إِنَّ حُبَّ الْوَطَنِ خُلُقٌ كَرِيمٌ إِذَا كَانَ مُنْضَبِطًا بِشَرْعِ اللَّهِ. لَقَدِ اشْتَاقَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى مَكَّةَ، وَقَالَ عَنْهَا: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا خَرَجْتُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. فَحُبُّ الْوَطَنِ فِطْرَةٌ. لَكِنَّ الْوَطَنَ لَا يَكُونُ عَظِيمًا إِلَّا إِذَا كَانَ طَرِيقًا إِلَى مَرْضَاةِ اللَّهِ، وَلَا يَكُونُ قَوِيًّا إِلَّا إِذَا كَانَ قَائِمًا عَلَى الْحَقِّ، وَلَا يَكُونُ آمِنًا إِلَّا إِذَا عَمَّرَهُ أَهْلُهُ بِطَاعَةِ اللَّهِ.
فَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَفْتَخِرَ الْإِنْسَانُ بِبَلَدِهِ… وَلَكِنِ الْأَجْمَلَ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا فِي رِفْعَتِهِ. مَا أَجْمَلَ أَنْ يَتَغَنَّى بِمَاضِيهِ… وَلَكِنِ الْأَعْظَمَ أَنْ يَصْنَعَ مُسْتَقْبَلًا يَلِيقُ بِذَلِكَ الْمَاضِي.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ…
إِنَّ مِصْرَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ بُقْعَةٍ عَلَى الْخَرِيطَةِ… إِنَّهَا صَفَحَاتٌ مِنَ الْقُرْآنِ. وَذِكْرَيَاتٌ لِلْأَنْبِيَاءِ. وَدُمُوعٌ لِأُمِّ مُوسَى. وَعَصًا لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَصَبْرٌ لِيُوسُفَ. وَدَعْوَةٌ لِيَعْقُوبَ. وَمَلْجَأٌ لِمَرْيَمَ وَابْنِهَا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. وَأَرْضٌ فَتَحَهَا الصَّحَابَةُ، وَأَقَامَ عَلَيْهَا الْعُلَمَاءُ، وَرَفَعُوا فِيهَا رَايَةَ الْقُرْآنِ. هِيَ الْأَرْضُ الَّتِي سَجَدَ فِيهَا مَلَايِينُ الصَّالِحِينَ، وَرُفِعَ فِيهَا الْأَذَانُ آلَافَ السِّنِينَ، وَتُلِيَ فِيهَا كِتَابُ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ.
فَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُحَافِظَ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ، فَعَلَيْنَا أَنْ نُحَافِظَ عَلَى أَسْبَابِهَا.
إِذَا أَرَدْنَا أَنْ تَبْقَى بِلَادُنَا آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً، فَعَلَيْنَا أَنْ نَتَمَسَّكَ بِأَسْبَابِ الْأَمْنِ، وَمِنْ أَعْظَمِهَا:
أَوَّلًا: الْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَاةِ. فَهِيَ صِلَةُ الْعَبْدِ بِرَبِّهِ، وَهِيَ أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَصْلُحُ مُجْتَمَعٌ ضَاعَتْ فِيهِ الصَّلَاةُ.
ثَانِيًا: الْعَدْلُ. فَالظُّلْمُ سَبَبُ خَرَابِ الْأُمَمِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الْكَهْفِ: 59]. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “بِالْعَدْلِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ”.
ثَالِثًا: وَحْدَةُ الصَّفِّ. قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 103]. إِنَّ الْأَعْدَاءَ لَا يَسْتَطِيعُونَ هَزِيمَةَ أُمَّةٍ مُمَاسِكَةٍ، وَلَكِنَّهُمْ يَنْجَحُونَ إِذَا فَرَّقَتْهَا الْخُصُومَاتُ، وَأَشْعَلَتْ بَيْنَهَا الْفِتَنُ.
رَابِعًا: الْإِخْلَاصُ فِي الْعَمَلِ. كُلُّ إِنْسَانٍ فِي مَكَانِهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْنِيَ وَطَنَهُ. الْمُعَلِّمُ فِي مَدْرَسَتِهِ، وَالطَّبِيبُ فِي مُسْتَشْفَاهُ، وَالْعَامِلُ فِي مَصْنَعِهِ، وَالتَّاجِرُ فِي أَمَانَتِهِ، وَالطَّالِبُ فِي اجْتِهَادِهِ، وَالْمُوَظَّفُ فِي إِخْلَاصِهِ. فَالْوَطَنُ لَا يَبْنِيهِ الْخُطَبَاءُ وَحْدَهُمْ، بَلْ يَبْنِيهِ الْمُخْلِصُونَ.
خَامِسًا: تَرْبِيَةُ الْأَبْنَاءِ. فَإِنَّ أَعْظَمَ اسْتِثْمَارٍ لِلْأَوْطَانِ هُوَ الْإِنْسَانُ، وَإِذَا صَلَحَ الْأَبْنَاءُ صَلَحَ الْمُسْتَقْبَلُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التَّحْرِيمِ: 6].
وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ يَدْعُونَ اللَّهَ دَائِمًا بِالْأَمْنِ قَبْلَ الرِّزْقِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: “نِعْمَتَانِ لَا يَعْرِفُ قَدْرَهُمَا إِلَّا مَنْ فَقَدَهُمَا: الْأَمْنُ وَالْعَافِيَةُ”.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ…
لَقَدْ قَالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَهْلِهِ بَعْدَمَا جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُمْ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾. وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ مُجَرَّدَ تَحِيَّةِ اسْتِقْبَالٍ، وَإِنَّمَا كَانَتْ إِعْلَانًا عَنْ نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ هِيَ نِعْمَةُ الْأَمْنِ.
وَلَقَدْ عَلَّمَنَا الْقُرْآنُ أَنَّ الْأَمْنَ لَا يَدُومُ إِلَّا إِذَا دَامَ الْإِيمَانُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ… وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النُّورِ: 55]. فَتَأَمَّلُوا… جَعَلَ اللَّهُ الْأَمْنَ ثَمَرَةً لِلْعِبَادَةِ، وَجَعَلَ الْخَوْفَ نَتِيجَةً لِلْبُعْدِ عَنْهُ.
وَلِذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ إِذَا رَأَوُا الْفِتَنَ رَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى غَيْرِهِمْ، وَسَأَلُوا: مَاذَا أَحْدَثْنَا حَتَّى رُفِعَ عَنَّا شَيْءٌ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ؟
قِيمَةُ الْأَمْنِ فِي حَيَاةِ الْمُسْلِمِ
لَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَدْرِكُونَ قِيمَةَ الْأَمْنِ. رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا». تَأَمَّلُوا تَرْتِيبَ النِّعَمِ… بَدَأَ بِالْأَمْنِ… ثُمَّ بِالصِّحَّةِ… ثُمَّ بِالطَّعَامِ. فَمَنْ فَقَدَ الْأَمْنَ لَمْ يَنْتَفِعْ بِصِحَّتِهِ، وَمَنْ فَقَدَ الْأَمْنَ لَمْ يَهْنَأْ بِمَالِهِ، وَمَنْ فَقَدَ الْأَمْنَ عَاشَ خَائِفًا وَإِنْ مَلَكَ كُنُوزَ الْأَرْضِ.
وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْأَمْنُ أَفْضَلُ أَمِ الصِّحَّةُ؟ فَقَالَ: الْأَمْنُ أَفْضَلُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ شَاةً لَوِ انْكَسَرَتْ رِجْلُهَا فَإِنَّهَا تَصِحُّ بَعْدَ زَمَانٍ، ثُمَّ إِنَّهَا تُقْبِلُ عَلَى الرَّعْيِ وَالْأَكْلِ، وَلَوْ أَنَّهَا رُبِطَتْ فِي مَوْضِعٍ وَرُبِطَ بِالْقُرْبِ مِنْهَا ذِئْبٌ فَإِنَّهَا تُمْسِكُ عَنِ الْعَلَفِ وَلَا تَتَنَاوَلُهُ إِلَى أَنْ تَمُوتَ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الضَّرَرَ الْحَاصِلَ مِنَ الْخَوْفِ أَشَدُّ مِنَ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ مِنْ أَلَمِ الْجَسَدِ.
وَقَدْ جَمَعَ الرَّسُولُ ﷺ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ؛ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» (التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَةَ وَابْنُ حِبَّانَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ).
وَصَدَقَ مَنْ قَالَ:
إِذَا اجْتَمَعَ الْإِسْلَامُ وَالْقُوتُ لِلْفَتَى وَكَانَ صَحِيحًا جِسْمُهُ وَهُوَ فِي أَمْنِ
فَقَدْ مَلَكَ الدُّنْيَا جَمِيعًا وَحَازَهَا وَحَقٌّ عَلَيْهِ الشُّكْرُ لِلَّهِ ذِي الْمَنِّ
حُبُّ الْوَطَنِ بِالْعَمَلِ لَا بِالشَّعَارَاتِ
إِنَّ حُبَّ الْوَطَنِ لَا يَكُونُ بِالشَّعَارَاتِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بِخِدْمَةِ النَّاسِ، وَبِالْإِتْقَانِ فِي الْعَمَلِ، وَبِنَشْرِ الْأَخْلَاقِ، وَبِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الْمُمْتَلَكَاتِ الْعَامَّةِ، وَبِاحْتِرَامِ النِّظَامِ، وَبِالدُّعَاءِ لِلْبِلَادِ. وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو لِلْمَدِينَةِ بِالْبَرَكَةِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا». فَالدُّعَاءُ لِلْأَوْطَانِ مِنْ هَدْيِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَمِصْرُ مَرَّتْ عَبْرَ تَارِيخِهَا بِمِحَنٍ عَظِيمَةٍ. دَخَلَهَا الْغُزَاةُ، وَحَاوَلَ الطَّامِعُونَ السَّيْطَرَةَ عَلَيْهَا، وَتَعَرَّضَتْ لِأَزَمَاتٍ اقْتِصَادِيَّةٍ وَسِيَاسِيَّةٍ وَعَسْكَرِيَّةٍ. لَكِنَّ اللَّهَ كَانَ يُهَيِّئُ لَهَا فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ رِجَالًا يَحْمِلُونَ هَمَّ الدِّينِ وَالْأُمَّةِ، فَيَدْفَعُ اللَّهُ بِهِمُ الْبَلَاءَ. وَهَذِهِ سُنَّةٌ رَبَّانِيَّةٌ. فَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَكُونَ مِنْ هَؤُلَاءِ، فَعَلَيْنَا أَنْ نَبْدَأَ بِإِصْلَاحِ أَنْفُسِنَا.
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: “إِنَّمَا الْفِتْنَةُ إِذَا أَقْبَلَتْ عَرَفَهَا الْعُلَمَاءُ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَرَفَهَا كُلُّ النَّاسِ”. فَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْبَصِيرَةِ، لَا مِنْ أَهْلِ الِانْدِفَاعِ. وَمِنْ أَهْلِ الْإِصْلَاحِ، لَا مِنْ أَهْلِ الْإِفْسَادِ. وَمِنْ أَهْلِ الْبِنَاءِ، لَا مِنْ أَهْلِ الْهَدْمِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: التَّحْذِيرُ مِنَ التَّطَاوُلِ عَلَى الدِّينِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَبِفَضْلِهِ تَتَنَزَّلُ الْخَيْرَاتُ وَالْبَرَكَاتُ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ عَلَى مَا أَوْلَى وَأَنْعَمَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً نَرْجُو بِهَا النَّجَاةَ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ…
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَعْظَمَ مَا تُحْفَظُ بِهِ الْأَوْطَانُ هُوَ الْإِيمَانُ، وَأَنَّ أَشَدَّ مَا يُهَدِّدُهَا لَيْسَ عَدُوًّا يَأْتِي مِنْ وَرَاءِ الْحُدُودِ فَحَسْبُ، بَلْ ذَنْبٌ يَتَسَلَّلُ إِلَى الْقُلُوبِ، وَفُرْقَةٌ تُمَزِّقُ الصُّفُوفَ، وَفَسَادٌ يَهْدِمُ الْأَخْلَاقَ، وَغَفْلَةٌ عَنِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
التَّحْذِيرُ مِنَ التَّطَاوُلِ عَلَى الدِّينِ
وَمَعَ هَذِهِ النِّعَمِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى مِصْرَ، لَا بُدَّ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى أَمْرٍ خَطِيرٍ قَدْ يَغْفُلُ عَنْهُ بَعْضُ النَّاسِ، وَهُوَ التَّطَاوُلُ عَلَى الدِّينِ بِسَبٍّ أَوْ شَتْمٍ، سَوَاءً فِي أَوْقَاتِ الْغَضَبِ أَوِ الْمُشَاجَرَاتِ. إِنَّ مِنَ الْمُفَاهِيمِ الْخَاطِئَةِ لَدَى بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ أَلْفَاظَ التَّطَاوُلِ عَلَى الدِّينِ بِسَبٍّ أَوْ شَتْمٍ فِي أَوْقَاتِ الْغَضَبِ وَالْمُشَاجَرَاتِ يُعْفَى عَنْهَا إِذَا خَرَجَتْ حَالَ الْغَضَبِ أَوِ الِاسْتِفْزَازِ مِنَ الْآخَرِينَ.
وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُسْلِمَ مَأْمُورٌ بِحِفْظِ لِسَانِهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، فِي أَمْنِهِ وَخَوْفِهِ، فِي فَرَحِهِ وَحُزْنِهِ، فِي غَضَبِهِ وَسَكِينَتِهِ، لِأَنَّ الْعَبْدَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةً يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ. قَالَ ﷺ: «وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
إِنَّ سَبَّ الدِّينِ وَالِاسْتِهْزَاءَ بِآيَاتِهِ عَمْدًا وَقَصْدًا جَرِيمَةٌ نَكْرَاءُ تُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. قَالَ تَعَالَى فِي شَأْنِ الْمُنَافِقِينَ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: 65-66].
إِنَّ الدِّينَ وَحْيُ اللَّهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ، وَمَنِ اسْتَهَانَ بِهِ أَوْ سَبَّهُ أَوْ تَطَاوَلَ عَلَيْهِ فَقَدْ وَقَعَ فِي أَمْرٍ عَظِيمٍ يُنَاقِضُ تَعْظِيمَ اللَّهِ وَشَرِيعَتِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الْحَجِّ: 30]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الْحَجِّ: 32]. فَكُلَّمَا ازْدَادَ الْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ، ازْدَادَ تَعْظِيمُ صَاحِبِهِ لِلَّهِ وَلِدِينِهِ وَشَعَائِرِهِ.
وَإِذَا كَانَ الْإِسْلَامُ نَهَانَا عَنْ سَبِّ دِينِنَا الْإِسْلَامِيِّ، فَكَذَلِكَ نَهَانَا الْإِسْلَامُ عَنْ سَبِّ الْأَدْيَانِ الْأُخْرَى، حَتَّى لَا يَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً لِسَبِّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ سَبِّ دِينِنَا الْحَنِيفِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: 108]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِهَا: قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ لَتَنْتَهِيَنَّ عَنْ سَبِّكَ آلِهَتَنَا، أَوْ لَنَهْجُوَنَّ رَبَّكَ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ أَنْ يَسُبُّوا أَوْثَانَهُمْ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ.
فَيَجِبُ عَلَى مَنْ تَعَوَّدَ لِسَانُهُ عَلَى سَبِّ الدِّينِ، أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ تَعَالَى وَيَتُوبَ وَيَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَبَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ، وَأَنْ يَعْزِمَ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إِلَى ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى.
الدُّعَاءُ
اللَّهُمَّ… اللَّهُمَّ احْفَظْ مِصْرَ وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً، سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِهَا خَيْرًا فَوَفِّقْهُ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَمَنْ أَرَادَ بِهَا سُوءًا أَوْ كَيْدًا أَوْ فِتْنَةً فَاجْعَلْ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيرًا عَلَيْهِ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَوَفِّقْهُمْ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَاجْعَلْهُمْ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ شَبَابَ الْمُسْلِمِينَ، وَاحْفَظْ نِسَاءَهُمْ وَأَطْفَالَهُمْ، وَانْشُرْ بَيْنَهُمُ الْعِلْمَ النَّافِعَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا شُكْرَ نِعَمِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَدَوَامَ الْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ، وَاجْعَلْ آخِرَ كَلَامِنَا مِنَ الدُّنْيَا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.