
الْمُقَدِّمَةُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ، الْعَزِيزِ الرَّحْمَٰنِ، خَلَقَ الْخَلْقَ لِعِبَادَتِهِ، وَأَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِ، وَوَعَدَهُمْ عَلَى الْاسْتِقَامَةِ جَنَّتَهُ وَرِضْوَانَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً نَرْجُو بِهَا النَّجَاةَ يَوْمَ لِقَائِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ وَصَفِيَّهُ وَخَلِيلَهُ، بَلَّغَ الرِّسَالَةَ وَأَدَّى الْأَمَانَةَ وَنَصَحَ الْأُمَّةَ وَكَشَفَ اللَّهُ بِهِ الْغُمَّةَ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ…
فَأُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ وَنَفْسِي الْمُقَصِّرَةَ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّهَا وَصِيَّةُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ. قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١].
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ…
تَمُرُّ بِنَا هَذِهِ الْأَيَّامُ ذِكْرَى الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ الْمُبَارَكَةِ، تِلْكَ الرِّحْلَةُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي غَيَّرَتْ وَجْهَ التَّارِيخِ، وَأَقَامَتْ دَوْلَةَ الْإِسْلَامِ، وَرَفَعَتْ رَايَةَ التَّوْحِيدِ، وَنَقَلَتِ الْبَشَرِيَّةَ مِنْ ظُلُمَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ.
لَكِنَّ السُّؤَالَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ نَسْأَلَهُ لِأَنْفُسِنَا: هَلْ كَانَتِ الْهِجْرَةُ مُجَرَّدَ رِحْلَةٍ قَطَعَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ مِئَاتِ الْكِيلُومِتْرَاتٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيَنْتَقِلَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى آخَرَ؟
هَلِ الْهِجْرَةُ مُجَرَّدُ حَدَثٍ تَارِيخِيٍّ نَرْوِيهِ لِأَبْنَائِنَا ثُمَّ نَمْضِي؟
أَمْ أَنَّ لِلْهِجْرَةِ مَعْنًى أَعْمَقَ وَأَبْقَى؟
لَقَدْ أَجَابَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِكَلِمَاتٍ قَلِيلَةٍ، لَكِنَّهَا تَهُزُّ الْقُلُوبَ هَزًّا. قَالَ ﷺ: «وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فَإِذَا كَانَ الْمُهَاجِرُ هُوَ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، فَإِنَّ بَابَ الْهِجْرَةِ مَا زَالَ مَفْتُوحًا.
وَإِذَا كَانَتِ الْهِجْرَةُ الْأُولَى قَدِ انْتَهَتْ بِفَتْحِ مَكَّةَ، فَإِنَّ الْهِجْرَةَ إِلَى اللَّهِ لَا تَنْتَهِي حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، لَمْ تَنْتَهِ الْهِجْرَةُ عِنْدَمَا أُغْلِقَ بَابُ الْمَدِينَةِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَمْ تَنْقَطِعْ عِنْدَمَا اسْتَقَرَّ الْمُهَاجِرُونَ فِي دِيَارِ الْأَنْصَارِ، بَلْ بَقِيَتِ الْهِجْرَةُ فَرِيضَةَ الْعُمْرِ كُلِّهِ.
فَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ يَسْكُنُ بَيْنَ جُدْرَانِ بَيْتِهِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ اللَّهِ، وَكَمْ مِنْ عَبْدٍ لَمْ يَبْرَحْ مَكَانَهُ خُطْوَةً وَاحِدَةً لَكِنَّهُ هَاجَرَ بِقَلْبِهِ حَتَّى صَارَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ.
إِنَّ الْقَضِيَّةَ لَيْسَتِ انْتِقَالَ الْجَسَدِ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ، بَلِ انْتِقَالَ الْقَلْبِ مِنْ هَوًى إِلَى هُدًى، وَمِنْ شَهْوَةٍ إِلَى طَاعَةٍ، وَمِنْ غَفْلَةٍ إِلَى يَقْظَةٍ، وَمِنَ الْخَلْقِ إِلَى الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٥٠]. تَأَمَّلُوا هَذَا النِّدَاءَ الْعَظِيمَ: لَمْ يَقُلْ: فِرُّوا مِنَ اللَّهِ، وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾. فَالنَّاسُ إِذَا خَافُوا مِنْ شَيْءٍ فَرُّوا مِنْهُ، أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَإِنَّهُ إِذَا خَافَ فَرَّ إِلَى اللَّهِ، وَإِذَا أَذْنَبَ فَرَّ إِلَى اللَّهِ، وَإِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَرَّ إِلَى اللَّهِ، وَإِذَا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ الْفِتَنُ فَرَّ إِلَى اللَّهِ. يَفِرُّ مِنَ الْجَهْلِ إِلَى الْعِلْمِ، وَمِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى التَّوْبَةِ، وَمِنَ الْغَفْلَةِ إِلَى الذِّكْرِ، وَمِنَ التَّعَلُّقِ بِالْمَخْلُوقِ إِلَى التَّعَلُّقِ بِالْخَالِقِ سُبْحَانَهُ.
لَيْلَةُ تَرْكِ النَّبِيِّ ﷺ مَكَّةَ
تَخَيَّلُوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ الْعَظِيمَةَ. النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ، الْمَكَانِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ، وَفِيهِ نَشَأَ، وَفِيهِ عَاشَ، وَفِيهِ ذِكْرَيَاتُهُ، وَفِيهِ أَهْلُهُ، وَفِيهِ أَصْحَابُهُ، وَفِيهِ بَيْتُهُ، وَفِيهِ كُلُّ شَيْءٍ يُحِبُّهُ الْإِنْسَانُ عَادَةً. ثُمَّ يَقِفُ ﷺ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ وَيَقُولُ: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
مَا الَّذِي جَعَلَهُ يَتْرُكُ كُلَّ ذَلِكَ؟ إِنَّهُ اللَّهُ. إِنَّهَا الْهِجْرَةُ إِلَى اللَّهِ. لَقَدْ تَرَكَ الْمَحْبُوبَ لِأَجْلِ الْمَحْبُوبِ الْأَعْظَمِ، تَرَكَ مَكَّةَ لِأَجْلِ رِضَا رَبِّهِ.
وَهَنَا يَأْتِي السُّؤَالُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا: مَاذَا تَرَكْتَ لِلَّهِ؟ فَالْهِجْرَةُ دَائِمًا فِيهَا تَرْكٌ، لَا تُوجَدُ هِجْرَةٌ بِلَا تَضْحِيَةٍ. النَّبِيُّ ﷺ تَرَكَ وَطَنًا، وَأَبُو بَكْرٍ تَرَكَ مَالًا، وَصُهَيْبٌ تَرَكَ تِجَارَةً، وَغَيْرُهُمْ تَرَكُوا أَشْيَاءَ كَثِيرَةً.
وَأَنْتَ… مَاذَا تَرَكْتَ لِلَّهِ؟
هَلْ تَرَكْتَ نَظْرَةً حَرَامًا؟
هَلْ تَرَكْتَ أُغْنِيَةً تُغْضِبُ اللَّهَ؟
هَلْ تَرَكْتَ عَلَاقَةً مُحَرَّمَةً؟
هَلْ تَرَكْتَ مَالًا مَشْبُوهًا؟
هَلْ تَرَكْتَ خُصُومَةً أَوْ قَطِيعَةً؟
هَلْ تَرَكْتَ ذَنْبًا يَكْرَهُهُ اللَّهُ؟
إِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يُرِيدُ الْجَنَّةَ دُونَ أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا، يُرِيدُ رِضَا اللَّهِ دُونَ أَنْ يُفَارِقَ شَهْوَةً، يُرِيدُ الْقُرْبَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ. فَكُلُّ هِجْرَةٍ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ تَرْكٍ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [الْمُدَّثِّرِ: ٥]، وَقَالَ: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ١٠].
فِي غَارِ ثَوْرٍ
وَعِنْدَمَا أَحَاطَ الْمُشْرِكُونَ بِالْغَارِ، وَوَصَلُوا إِلَى بَابِ الْغَارِ، وَأَصْبَحَ الْمَوْتُ أَقْرَبَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى، نَظَرَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَرَآنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
هَنَا دَرْسٌ عَظِيمٌ مِنْ دُرُوسِ الْهِجْرَةِ. الْهِجْرَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَرْكٍ، بَلْ ثِقَةٌ. الْهِجْرَةُ إِلَى اللَّهِ تَعْنِي أَنْ تَثِقَ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا تَرَكْتَ.
كَثِيرٌ مِنَ الشَّبَابِ يَعْرِفُ طَرِيقَ التَّوْبَةِ لَكِنَّهُ يَخَافُ. يَقُولُ: مَاذَا سَأَفْعَلُ إِذَا تَرَكْتُ هَذِهِ الْمَعْصِيَةَ؟ مَاذَا سَأَفْعَلُ إِذَا الْتَزَمْتُ؟ مَاذَا سَأَفْعَلُ إِذَا اسْتَقَمْتُ؟ مَاذَا سَأَفْعَلُ إِذَا تَرَكْتُ الْحَرَامَ؟ كَأَنَّ الشَّيْطَانَ يُصَوِّرُ لَهُ أَنَّ الْحَيَاةَ كُلَّهَا فِي الْمَعْصِيَةِ، وَكَأَنَّ الرِّزْقَ كُلَّهُ فِي الْحَرَامِ، وَكَأَنَّ السَّعَادَةَ كُلَّهَا فِي الشَّهَوَاتِ.
بَيْنَمَا الْمُؤْمِنُ يَعْلَمُ أَنَّ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ. يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ هَاجَرَ مِنْ شَهْوَةٍ مُحَرَّمَةٍ إِلَى رِضَا اللَّهِ فَصَارَ عَزِيزَ مِصْرَ. وَأَصْحَابُ الْكَهْفِ هَاجَرُوا مِنْ قَوْمِهِمْ إِلَى اللَّهِ فَخَلَّدَ اللَّهُ ذِكْرَهُمْ فِي الْقُرْآنِ: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الْكَهْفِ: ١٣]. وَالصَّحَابَةُ هَاجَرُوا مِنْ مَكَّةَ فَفَتَحَ اللَّهُ لَهُمُ الدُّنْيَا.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النِّسَاءِ: ١٠٠]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطَّلَاقِ: ٢-٣].
وُصُولُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ
وَعِنْدَمَا وَصَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ لَمْ يَبْدَأْ بِبِنَاءِ سُوقٍ، وَلَمْ يَبْدَأْ بِبِنَاءِ قَصْرٍ، وَلَمْ يَبْدَأْ بِجَمْعِ الْأَمْوَالِ، أَوَّلُ مَا بَدَأَ بِهِ الْمَسْجِدُ. لِأَنَّ الْهِجْرَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتِ انْتِقَالًا إِلَى مَكَانٍ جَدِيدٍ، بَلِ انْتِقَالًا إِلَى حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ.
كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَتُوبُ الْيَوْمَ ثُمَّ يَعُودُ غَدًا. لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ تَرَكَ الذَّنْبَ لَكِنَّهُ لَمْ يَبْنِ الْبَدِيلَ. أَمَّا النَّبِيُّ ﷺ فَبَنَى الْمَسْجِدَ، وَبَنَى الْأُخُوَّةَ، وَبَنَى الْإِيمَانَ، وَبَنَى الْمُجْتَمَعَ، وَبَنَى الْإِنْسَانَ.
وَلِهَذَا إِذَا أَرَدْتَ الْهِجْرَةَ إِلَى اللَّهِ فَلَا يَكْفِي أَنْ تَتْرُكَ الْمَعْصِيَةَ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ تَمْلَأَ حَيَاتَكَ بِالطَّاعَةِ. فَمَنْ تَرَكَ الْأَغَانِي فَلْيَمْلَأْ وَقْتَهُ بِالْقُرْآنِ، وَمَنْ تَرَكَ صُحْبَةَ السُّوءِ فَلْيُصَاحِبِ الصَّالِحِينَ، وَمَنْ تَرَكَ مَوَاقِعَ الْفَسَادِ فَلْيَدْخُلْ مَجَالِسَ الْعِلْمِ، وَمَنْ تَرَكَ الْغَفْلَةَ فَلْيُكْثِرْ مِنَ الذِّكْرِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هُودٍ: ١١٤].
الْهِجْرَةُ إِلَى اللَّهِ أَصْلُ الدِّينِ
لَيْسَتِ الْمُشْكِلَةُ أَنْ يَعْرِفَ النَّاسُ الْحَقَّ؛ فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَعْرِفُونَهُ، وَلَكِنَّ الْمُشْكِلَةَ أَنْ يُهَاجِرُوا إِلَيْهِ. إِبْلِيسُ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ رَبُّهُ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُهَاجِرْ مِنَ الْكِبْرِ إِلَى الطَّاعَةِ. وَفِرْعَوْنُ كَانَ يَعْلَمُ صِدْقَ مُوسَى كَمَا أَخْبَرَ الْقُرْآنُ: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النَّمْلِ: ١٤]، لَكِنَّهُ لَمْ يُهَاجِرْ مِنَ الْعِنَادِ إِلَى الْإِيمَانِ. وَأَبُو طَالِبٍ كَانَ يَعْرِفُ صِدْقَ النَّبِيِّ ﷺ، لَكِنَّهُ لَمْ يُهَاجِرْ مِنْ تَقَالِيدِ الْآبَاءِ إِلَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ. فَالْعِبْرَةُ لَيْسَتْ بِالْعِلْمِ الْمُجَرَّدِ، وَإِنَّمَا بِالِانْتِقَالِ إِلَى اللَّهِ.
وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الرِّسَالَةِ التَّبُوكِيَّةِ أَنَّ الْهِجْرَةَ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَصْلُ الدِّينِ كُلِّهِ، وَأَنَّ كُلَّ عَبْدٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ هِجْرَتَيْنِ:
الْهِجْرَةُ الْأُولَى: هِجْرَةٌ إِلَى اللَّهِ بِالْإِخْلَاصِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ.
الْهِجْرَةُ الثَّانِيَةُ: هِجْرَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالِاتِّبَاعِ وَالِانْقِيَادِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٣١].
الْهِجْرَةُ تَبْدَأُ مِنَ الْقَلْبِ
إِنَّ الْهِجْرَةَ إِلَى اللَّهِ تَبْدَأُ مِنَ الْقَلْبِ، لِأَنَّ الْقَلْبَ هُوَ الْمَلِكُ، وَالْجَوَارِحَ جُنُودُهُ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَمَنْ أَرَادَ الْهِجْرَةَ إِلَى اللَّهِ فَلْيَبْدَأْ بِإِصْلَاحِ قَلْبِهِ. يُهَاجِرُ قَلْبُهُ مِنَ الرِّيَاءِ إِلَى الْإِخْلَاصِ، وَمِنَ الْحَسَدِ إِلَى سَلَامَةِ الصَّدْرِ، وَمِنَ الْكِبْرِ إِلَى التَّوَاضُعِ، وَمِنَ التَّعَلُّقِ بِالدُّنْيَا إِلَى التَّعَلُّقِ بِالْآخِرَةِ، وَمِنْ حُبِّ الشَّهَوَاتِ الْمُحَرَّمَةِ إِلَى حُبِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٨٨-٨٩]. قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الْقَلْبُ السَّلِيمُ هُوَ الَّذِي سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ وَالْغِلِّ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَالشَّهَوَاتِ الْمُحَرَّمَةِ.
هِجْرَةُ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي
وَمِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ الْهِجْرَةِ إِلَى اللَّهِ هِجْرَةُ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي. فَكَمْ مِنْ مُسْلِمٍ يَعْرِفُ أَنَّ النَّظَرَ الْحَرَامَ يُغْضِبُ اللَّهَ ثُمَّ يُصِرُّ عَلَيْهِ! وَكَمْ مِنْ مُسْلِمٍ يَعْلَمُ أَنَّ الْغِيبَةَ مُحَرَّمَةٌ ثُمَّ يَخُوضُ فِيهَا! وَكَمْ مِنْ مُسْلِمٍ يَعْلَمُ أَنَّ الرِّبَا أَوِ الظُّلْمَ أَوْ أَكْلَ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ مِنَ الْكَبَائِرِ ثُمَّ لَا يَتَوَرَّعُ عَنْهَا!
فَأَيْنَ الْهِجْرَةُ إِلَى اللَّهِ؟ إِنَّ الْهِجْرَةَ الْحَقِيقِيَّةَ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ لِنَفْسِهِ: إِلَى مَتَى؟ إِلَى مَتَى التَّسْوِيفُ؟ إِلَى مَتَى الْإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ؟
تَأَمَّلُوا حَالَنَا مَعَ الذُّنُوبِ. كَمْ مَرَّةً عَاهَدَ الْعَبْدُ رَبَّهُ أَنْ يَتُوبَ ثُمَّ عَادَ؟ كَمْ مَرَّةً بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ثُمَّ غَلَبَتْهُ نَفْسُهُ؟ كَمْ مَرَّةً سَمِعَ آيَةً تَهُزُّ قَلْبَهُ ثُمَّ خَرَجَ فَعَادَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ؟
إِنَّ الْهِجْرَةَ إِلَى اللَّهِ تَبْدَأُ مِنْ لَحْظَةِ الصِّدْقِ، مِنْ لَحْظَةِ يَقِفُ فِيهَا الْعَبْدُ مَعَ نَفْسِهِ وَقْفَةً لَا مُجَامَلَةَ فِيهَا وَلَا خِدَاعَ، فَيَقُولُ: يَا نَفْسُ، إِلَى مَتَى؟ أَمَا آنَ لِهَذَا الْقَلْبِ أَنْ يَرْجِعَ؟ أَمَا آنَ لِهَذِهِ الْعَيْنِ أَنْ تَغُضَّ؟ أَمَا آنَ لِهَذَا اللِّسَانِ أَنْ يَكُفَّ؟ أَمَا آنَ لِهَذَا الْعُمُرِ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ؟
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النُّورِ: ٣١]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢٢].
وَمِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ أَنَّ بَابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ مَهْمَا عَظُمَتِ الذُّنُوبُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزُّمَرِ: ٥٣].
هِجْرَةُ قَاتِلِ الْمِائَةِ نَفْسٍ
وَمِنْ أَعْظَمِ الْقِصَصِ الَّتِي تُبَيِّنُ فَضْلَ الْهِجْرَةِ إِلَى اللَّهِ قِصَّةُ قَاتِلِ الْمِائَةِ نَفْسٍ. فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ فَأَكْمَلَ بِهِ الْمِائَةَ. ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ اخْرُجْ مِنْ أَرْضِ السُّوءِ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أَنَاسًا صَالِحِينَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ، فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سُوءٍ.
فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ، وَلَمْ يَصِلْ إِلَى وِجْهَتِهِ، مَاتَ فِي الطَّرِيقِ. لَكِنَّهُ مَاتَ مُهَاجِرًا، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَضَى اللَّهُ لَهُ بِالرَّحْمَةِ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ أَرْضِ الْمَعْصِيَةِ قَاصِدًا رَبَّهُ.
مَا أَعْظَمَهَا مِنْ رِسَالَةٍ! إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ فَقَطْ إِلَى أَيْنَ وَصَلْتَ، بَلْ يَنْظُرُ إِلَى أَيْنَ تَتَّجِهُ. فَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ لَمْ يَصِلْ إِلَى هَدَفِهِ لَكِنَّهُ كَانَ يَسِيرُ إِلَى اللَّهِ، فَكَانَتْ نِهَايَتُهُ الْجَنَّةَ!
الْهِجْرَةُ فِي الصَّلَاةِ وَالْقُرْآنِ وَالْأَخْلَاقِ
الْهِجْرَةُ إِلَى اللَّهِ لَيْسَتْ كَلِمَةً تُقَالُ، بَلْ عَمَلٌ يُعَاشُ.
هِجْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ: أَنْ تُهَاجِرَ مِنَ التَّهَاوُنِ بِالصَّلَاةِ إِلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، وَمِنْ تَأْخِيرِهَا إِلَى أَدَائِهَا فِي وَقْتِهَا، وَمِنْ أَدَائِهَا بِجَسَدٍ غَافِلٍ إِلَى أَدَائِهَا بِقَلْبٍ خَاشِعٍ. قَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١-٢].
وَهِجْرَةٌ فِي الْقُرْآنِ: فَكَمْ مِنَ النَّاسِ هَجَرُوا كِتَابَ اللَّهِ! قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٣٠]. هَجَرُوا تِلَاوَتَهُ أَوْ تَدَبُّرَهُ أَوِ الْعَمَلَ بِهِ. فَالْمُهَاجِرُ إِلَى اللَّهِ يَعُودُ إِلَى الْقُرْآنِ، يَتْلُوهُ وَيَعْمَلُ بِهِ وَيَهْتَدِي بِنُورِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٩].
وَهِجْرَةٌ فِي الْأَخْلَاقِ: مِنَ الْكِذْبِ إِلَى الصِّدْقِ، وَمِنَ الْقَسْوَةِ إِلَى الرَّحْمَةِ، وَمِنَ الظُّلْمِ إِلَى الْعَدْلِ، وَمِنَ الْعُقُوقِ إِلَى الْبِرِّ، وَمِنَ الْقَطِيعَةِ إِلَى الصِّلَةِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَمُوذَجًا
تَأَمَّلُوا فِي حَالِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. كَانُوا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، وَيَتَفَاخَرُونَ بِالْأَنْسَابِ، وَيَغْرَقُونَ فِي الْعَصَبِيَّاتِ. فَلَمَّا هَاجَرُوا إِلَى اللَّهِ تَغَيَّرَتْ حَيَاتُهُمْ كُلُّهَا.
هَا هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِي كَانَ شَدِيدًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ يُصْبِحُ مِنْ أَعْظَمِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ. وَهَا هُوَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ الَّذِي خَرَجَ يَوْمًا لِمُحَارَبَةِ الْإِسْلَامِ يُصْبِحُ سَيْفًا مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ. وَهَا هُوَ أَبُو سُفْيَانَ الَّذِي قَادَ جُيُوشَ الْكُفْرِ سِنِينَ طَوِيلَةً يُصْبِحُ مُسْلِمًا مُجَاهِدًا.
لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُمْ هَاجَرُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلِأَنَّ الْهِجْرَةَ الصَّادِقَةَ تُغَيِّرُ الْإِنْسَانَ مِنَ الدَّاخِلِ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: “الْهِجْرَةُ هِجْرَتَانِ: هِجْرَةٌ بِالْجَسَدِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَهِجْرَةٌ بِالْقَلْبِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَهَذِهِ هِيَ الْهِجْرَةُ الْحَقِيقِيَّةُ”.
صُحْبَةُ الصَّالِحِينَ تُعِينُ عَلَى الْهِجْرَةِ
وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُعِينُ عَلَى الْهِجْرَةِ إِلَى اللَّهِ صُحْبَةُ الصَّالِحِينَ. فَالنَّفْسُ ضَعِيفَةٌ، وَالشَّيْطَانُ حَرِيصٌ، وَالْفِتَنُ كَثِيرَةٌ.
وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ فَقَالَ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الْكَهْفِ: ٢٨].
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.
فَإِذَا أَرَدْتَ الْهِجْرَةَ إِلَى اللَّهِ فَانْظُرْ إِلَى أَصْحَابِكَ. هَلْ يُذَكِّرُونَكَ بِاللَّهِ أَمْ يُبْعِدُونَكَ عَنْهُ؟ هَلْ يُعِينُونَكَ عَلَى الطَّاعَةِ أَمْ يَجُرُّونَكَ إِلَى الْمَعْصِيَةِ؟ فَإِنَّ الصُّحْبَةَ الصَّالِحَةَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الثَّبَاتِ.
هِجْرَةُ مَوَاطِنِ الْفِتَنِ فِي هَذَا الزَّمَانِ
وَمِنْ صُوَرِ الْهِجْرَةِ إِلَى اللَّهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ هِجْرَةُ مَوَاطِنِ الْفِتَنِ. فَالْهَوَاتِفُ بَيْنَ أَيْدِينَا، وَالشَّاشَاتُ فِي بُيُوتِنَا، وَالْفِتَنُ تَتَدَفَّقُ لَيْلَ نَهَارٍ. قَدْ يَدْخُلُ الشَّابُّ إِلَى غُرْفَتِهِ فَيُغْلِقُ الْبَابَ وَيَظُنُّ أَنَّهُ وَحْدَهُ، لَكِنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ هَاتِفٌ يَحْمِلُ الدُّنْيَا كُلَّهَا. فِي دَقَائِقَ مَعْدُودَةٍ قَدْ يَرَى مَا يُغْضِبُ اللَّهَ، وَقَدْ يَسْمَعُ مَا يُغْضِبُ اللَّهَ، وَقَدْ يَقَعُ فِيمَا يُغْضِبُ اللَّهَ.
فَهَنَا تَكُونُ الْهِجْرَةُ الْحَقِيقِيَّةُ: حِينَ تُغْلِقُ الْحَرَامَ وَأَنْتَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، حِينَ تَتْرُكُ الذَّنْبَ وَلَا يَرَاكَ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ، حِينَ تَنْتَصِرُ عَلَى نَفْسِكَ. هَذِهِ هِجْرَةٌ، بَلْ مِنْ أَعْظَمِ الْهِجْرَةِ.
فَالسَّعِيدُ مَنْ هَجَرَ مَا يُغْضِبُ اللَّهَ فِيهَا، يَغُضُّ بَصَرَهُ عَنِ الْحَرَامِ، وَيَصُونُ سَمْعَهُ عَنِ الْفُحْشِ، وَيَحْفَظُ لِسَانَهُ مِنَ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، وَيَجْعَلُ هَذِهِ الْوَسَائِلَ طَرِيقًا إِلَى الْخَيْرِ لَا إِلَى الشَّرِّ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٣]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. فَكُلُّ كَلِمَةٍ مَحْسُوبَةٌ، وَكُلُّ نَظْرَةٍ مَكْتُوبَةٌ، وَكُلُّ فِعْلٍ مَحْفُوظٌ.
ثَمَرَاتُ الْهِجْرَةِ إِلَى اللَّهِ
وَاعْلَمُوا أَنَّ لِلْهِجْرَةِ إِلَى اللَّهِ ثَمَرَاتٍ عَظِيمَةً:
- فَمِنْ ثَمَرَاتِهَا مَحَبَّةُ اللَّهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾.
- وَمِنْ ثَمَرَاتِهَا الْفَلَاحُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
- وَمِنْ ثَمَرَاتِهَا الطُّمَأْنِينَةُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٨].
- وَمِنْ ثَمَرَاتِهَا حُسْنُ الْخَاتِمَةِ.
- وَمِنْ ثَمَرَاتِهَا النَّجَاةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النِّسَاءِ: ٦٩].
فَيَا مَنْ أَثْقَلَتْكَ الذُّنُوبُ، هَاجِرْ إِلَى اللَّهِ. وَيَا مَنْ قَيَّدَتْكَ الشَّهَوَاتُ، هَاجِرْ إِلَى اللَّهِ. وَيَا مَنْ أَرْهَقَتْهُ الْهُمُومُ، هَاجِرْ إِلَى اللَّهِ. وَيَا مَنْ ضَاقَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا بِمَا رَحُبَتْ، هَاجِرْ إِلَى اللَّهِ. فَوَاللَّهِ مَا خَابَ مَنْ قَصَدَ اللَّهَ، وَلَا ضَاعَ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ، وَلَا نَدِمَ مَنْ صَدَقَ فِي الْإِقْبَالِ عَلَيْهِ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: التَّحْذِيرُ مِنَ الْغِشِّ فِي الِامْتِحَانَاتِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَهُ الْحَمْدُ الْحَسَنُ وَالثَّنَاءُ الْجَمِيلُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ الْهِجْرَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى هِجْرَةَ الْخِيَانَةِ إِلَى الْأَمَانَةِ، وَهِجْرَةَ الْكِذْبِ إِلَى الصِّدْقِ، وَهِجْرَةَ الْغِشِّ إِلَى النُّصْحِ وَالْوَفَاءِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ…
نَحْنُ فِي مَوْسِمِ امْتِحَانَاتٍ، وَكَثِيرٌ مِنَ الطُّلَّابِ يَخُوضُونَ هَذِهِ الْأَيَّامَ اخْتِبَارَاتِهِمُ الدِّرَاسِيَّةَ. وَمِنَ الْمُؤْسِفِ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَظُنُّونَ أَنَّ الْغِشَّ ذَكَاءٌ، أَوْ أَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِلْوُصُولِ إِلَى النَّجَاحِ، أَوْ أَنَّهُ أَمْرٌ هَيِّنٌ لَا يَسْتَحِقُّ الِاهْتِمَامَ.
وَهَذَا فَهْمٌ خَاطِئٌ، فَإِنَّ الْغِشَّ كَبِيرَةٌ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَخِيَانَةٌ لِلْأَمَانَةِ، وَأَكْلٌ لِلْحُقُوقِ بِالْبَاطِلِ. وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَى صَاحِبِ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ فَوَجَدَ بَلَلًا، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟» قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ ﷺ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي».
تَأَمَّلُوا هَذَا الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي». فَكَيْفَ بِمَنْ يَغُشُّ فِي الامْتِحَانَاتِ، وَيَأْخُذُ دَرَجَاتٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا، وَيَعْتَدِي عَلَى حُقُوقِ الْمُجْتَهِدِينَ؟
أَيُّهَا الْأَبْنَاءُ وَالطُّلَّابُ…
إِنَّ الشَّهَادَةَ الَّتِي تُبْنَى عَلَى الْغِشِّ شَهَادَةٌ نَاقِصَةُ الْبَرَكَةِ. وَالنَّجَاحُ الَّذِي يَأْتِي بِالْخِيَانَةِ نَجَاحٌ زَائِفٌ. وَالْوَظِيفَةُ الَّتِي تُنَالُ بِالْكِذْبِ وَالْغِشِّ يَخْشَى صَاحِبُهَا أَنْ يَقِفَ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ فَيُسْأَلَ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَرَاكُمْ وَلَوْ لَمْ يَرَكُمُ الْمُرَاقِبُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يُونُسَ: ٦١].
وَأَنَّكُمْ إِنْ تَرَكْتُمُ الْغِشَّ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ عَوَّضَكُمُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطَّلَاقِ: ٢-٣].
أَيُّهَا الطُّلَّابُ، إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْهِجْرَةِ إِلَى اللَّهِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ أَنْ تُهَاجِرُوا مِنَ الْغِشِّ إِلَى الصِّدْقِ. فَرُبَّ وَرَقَةِ امْتِحَانٍ كَانَتْ سَبَبًا فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ حِينَ تَرَكَ صَاحِبُهَا الْغِشَّ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ، وَرُبَّ وَرَقَةِ امْتِحَانٍ كَانَتْ بِدَايَةَ طَرِيقٍ طَوِيلٍ مِنَ الْخِيَانَةِ وَالْفَسَادِ.
إِنَّ الْغِشَّ لَيْسَ مُجَرَّدَ إِجَابَةٍ تُنْقَلُ، بَلْ هُوَ تَرْبِيَةٌ لِلنَّفْسِ عَلَى الْخِدَاعِ، وَاعْتِيَادٌ لِلْكِذْبِ، وَتَأْسِيسٌ لِمُسْتَقْبَلٍ بِلَا أَمَانَةٍ.
أَيُّهَا الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ…
احْذَرُوا أَنْ تَضْغَطُوا عَلَى أَبْنَائِكُمْ ضَغْطًا يَدْفَعُهُمْ إِلَى الْغِشِّ. وَرَبُّوا أَبْنَاءَكُمْ عَلَى أَنَّ النَّجَاحَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ النَّجَاحُ مَعَ الصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ. فَالرُّسُوبُ مَعَ الصِّدْقِ خَيْرٌ مِنَ النَّجَاحِ مَعَ الْغِشِّ وَالْخِيَانَةِ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَهَذَا الْحَدِيثُ عَامٌّ يَشْمَلُ كُلَّ غِشٍّ فِي كُلِّ شَيْءٍ، سَوَاءٌ فِي التِّجَارَةِ أَوْ فِي الِامْتِحَانَاتِ أَوْ فِي الْعَمَلِ أَوْ فِي أَيِّ مَجَالٍ مِنْ مَجَالَاتِ الْحَيَاةِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ…
إِنَّ الْأُمَّةَ لَا تَنْهَضُ بِالْغَشَّاشِينَ، وَلَا تُبْنَى بِالْخَونَةِ، وَإِنَّمَا تُبْنَى بِالْأُمَنَاءِ الصَّادِقِينَ. فَالطَّبِيبُ الْغَشَّاشُ خَطَرٌ عَلَى الْأَرْوَاحِ، وَالْمُهَنْدِسُ الْغَشَّاشُ خَطَرٌ عَلَى الْأَبْنِيَةِ، وَالْمُعَلِّمُ الْغَشَّاشُ خَطَرٌ عَلَى الْأَجْيَالِ، وَالْمُوَظَّفُ الْغَشَّاشُ خَطَرٌ عَلَى الْمَالِ الْعَامِّ، وَالْقَاضِي الْغَشَّاشُ خَطَرٌ عَلَى الْعَدْلِ.
وَلِهَذَا كَانَ الْغِشُّ بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الْفَسَادِ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٨].
فَلْيَتَّقِ اللَّهَ كُلُّ طَالِبٍ وَطَالِبَةٍ، وَلْيَعْلَمُوا أَنَّ الرِّزْقَ بِيَدِ اللَّهِ، وَأَنَّ النَّجَاحَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى. وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ، وَمَنْ صَدَقَ فِي سَعْيِهِ بَارَكَ اللَّهُ لَهُ فِي عِلْمِهِ وَعَمَلِهِ.
الدُّعَاءُ
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِينَ.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ قُلُوبَنَا، وَاهْدِنَا سَوَاءَ السَّبِيلِ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَيْكَ حَقَّ الْهِجْرَةِ.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا تَوْبَةً نَصُوحًا قَبْلَ الْمَوْتِ، وَرَاحَةً عِنْدَ الْمَوْتِ، وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً بَعْدَ الْمَوْتِ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ أَبْنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا فِي امْتِحَانَاتِهِمْ، وَأَعِنْهُمْ عَلَى الْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ، وَجَنِّبْهُمُ الْغِشَّ وَالْخِيَانَةَ، وَارْزُقْهُمُ الصِّدْقَ وَالْأَمَانَةَ وَالتَّوْفِيقَ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.