
اَلْمُقَدِّمَةُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا، وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً، وَجَعَلَ الْبُيُوتَ سَكَنًا وَالْأُسَرَ رَحْمَةً، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، كَانَ خَيْرَ النَّاسِ لِأَهْلِهِ، وَأَحْسَنَهُمْ خُلُقًا لِبَيْتِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ حَقَّ التَّقْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْأُسْرَةَ هِيَ الْمَدْرَسَةُ الْأُولَى الَّتِي يَتَخَرَّجُ فِيهَا أَبْنَاءُ الْأُمَّةِ، وَهِيَ الْمَعْمَلُ الَّذِي تُصْنَعُ فِيهِ الشَّخْصِيَّاتُ، وَهِيَ الْمَهْدُ الَّذِي تَنْبُتُ فِيهِ الْعُقُولُ وَالْأَخْلَاقُ.
الْأُسْرَةُ الْمَدْرَسَةُ الْأُولَى فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ جَعَلَ لَهُمْ بُيُوتًا يَأْوُونَ إِلَيْهَا، وَأُسَرًا يَأْنَسُونَ بِهَا، وَأَزْوَاجًا وَذُرِّيَّاتٍ تَسْكُنُ إِلَيْهَا نُفُوسُهُمْ وَتَطْمَئِنُّ بِهَا قُلُوبُهُمْ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ [النحل: 80]. لَمْ يَقُلْ: «مَأْوًى» أَوْ «مَسْكَنًا» فَقَطْ، بَلْ قَالَ: «سَكَنًا»، أَيْ مَكَانًا تَسْكُنُ فِيهِ النُّفُوسُ قَبْلَ الْأَجْسَادِ، وَتَسْتَقِرُّ فِيهِ الْقُلُوبُ قَبْلَ الْعُيُونِ. فَالْبَيْتُ الَّذِي لَا سَكِينَةَ فِيهِ كَالْجَسَدِ بِلَا رُوحٍ، وَالْأُسْرَةُ الَّتِي لَا طُمَأْنِينَةَ فِيهَا كَغَابَةٍ لَا أَمَانَ فِيهَا.
وَتَأَمَّلُوا قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]. فَالْمَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ هُمَا الْأَسَاسُ الْمَتِينُ الَّذِي تَقُومُ عَلَيْهِ الْأُسْرَةُ الصَّالِحَةُ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّ الْأُسْرَةَ فِي الْإِسْلَامِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَرْتِيبٍ اجْتِمَاعِيٍّ، بَلْ هِيَ عِبَادَةٌ وَقُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ، وَهِيَ أَمَانَةٌ عَظِيمَةٌ سَيُسْأَلُ عَنْهَا كُلُّ إِنْسَانٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
وَهَذِهِ الْمَسْؤُولِيَّةُ تَبْدَأُ مِنَ اللَّحَظَاتِ الْأُولَى لِتَكْوِينِ الْأُسْرَةِ، بَلْ وَقَبْلَ تَأْسِيسِ الْأُسْرَةِ؛ فَقَدْ حَثَّ الْإِسْلَامُ عَلَى حُسْنِ اخْتِيَارِ الزَّوْجَةِ؛ لِتَكُونَ أُمًّا تَقِيَّةً، تُعِينُ أَبْنَاءَهَا عَلَى الصَّلَاحِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ».
وَكَمَا حَثَّ عَلَى حُسْنِ اخْتِيَارِ الزَّوْجَةِ فَقَدْ حَثَّ عَلَى حُسْنِ اخْتِيَارِ الزَّوْجِ؛ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ».
كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّسْمِيَةِ وَالدُّعَاءِ عِنْدَ إِتْيَانِ الزَّوْجَةِ لِيَحْفَظَ اللَّهُ الْوَلَدَ، فَقَالَ: «أَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَقُولُ حِينَ يَأْتِي أَهْلَهُ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، ثُمَّ قُدِّرَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ، أَوْ قُضِيَ وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا».
كُلُّ هَذَا حِفْظًا لِلذُّرِّيَّةِ مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.
ثُمَّ أَمَرَ الْإِسْلَامُ أَنْ يُخْتَارَ لِلطِّفْلِ اسْمٌ حَسَنٌ، وَأَنْ يُعَلَّمَ تَعْلِيمًا جَيِّدًا؛ فَهَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ جَاءَهُ رَجُلٌ يَشْكُو إِلَيْهِ عُقُوقَ ابْنِهِ، فَأَحْضَرَ عُمَرُ الْوَلَدَ وَأَنَّبَهُ عَلَى عُقُوقِهِ لِأَبِيهِ، فَقَالَ الْوَلَدُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلَيْسَ لِلْوَلَدِ حُقُوقٌ عَلَى أَبِيهِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَمَا هِيَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ عُمَرُ: أَنْ يَنْتَقِيَ أُمَّهُ، وَيُحْسِنَ اسْمَهُ، وَيُعَلِّمَهُ الْكِتَابَ – أَيْ الْقُرْآنَ.
قَالَ الْوَلَدُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ أَبِي لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، أَمَّا أُمِّي فَإِنَّهَا زَنْجِيَّةٌ كَانَتْ لِمَجُوسِيٍّ، وَقَدْ سَمَّانِي جُعْلًا – أَيْ خُنْفُسَاءَ – وَلَمْ يُعَلِّمْنِي مِنَ الْكِتَابِ حَرْفًا وَاحِدًا.
فَالْتَفَتَ عُمَرُ إِلَى الرَّجُلِ وَقَالَ لَهُ: جِئْتَ إِلَيَّ تَشْكُو عُقُوقَ ابْنِكَ، وَقَدْ عَقَقْتَهُ قَبْلَ أَنْ يَعُقَّكَ، وَأَسَأْتَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُسِيءَ إِلَيْكَ؟!
وَلَقَدْ ضَرَبَ لَنَا التَّارِيخُ الْإِسْلَامِيُّ أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي الْأُسَرِ الصَّالِحَةِ الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا الْعُظَمَاءُ. فَهَذَا الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ حَفِظَ الْقُرْآنَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ، وَحَفِظَ الْمُوَطَّأَ وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ. وَهَذَا سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ حَفِظَ الْقُرْآنَ وَهُوَ ابْنُ سِتِّ سِنِينَ.
لَقَدْ كَانَ وَرَاءَ هَؤُلَاءِ الْعَبَاقِرَةِ آبَاءٌ وَأُمَّهَاتٌ عَرَفُوا كَيْفَ يُرَبُّونَ، وَكَيْفَ يُوَجِّهُونَ، وَكَيْفَ يَصْنَعُونَ جِيلًا مِنَ الْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ.
اسْتِقْرَارُ الْأُسْرَةِ سِرُّ السَّكِينَةِ وَمَنْبَعُ الشَّخْصِيَّةِ السَّوِيَّةِ
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّ اسْتِقْرَارَ الْأُسْرَةِ هُوَ الْمَنَاخُ الَّذِي تَنْمُو فِيهِ الشَّخْصِيَّةُ الْإِنْسَانِيَّةُ نُمُوًّا سَلِيمًا مُسْتَقِيمًا. فَالطِّفْلُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَحْدَهُمَا، بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى بَيْتٍ يَشْعُرُ فِيهِ بِالْأَمَانِ، وَقَلْبٍ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ، وَأُسْرَةٍ تَسُودُهَا الْمَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ.
وَلِهَذَا امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ، وَجَعَلَ الزَّوَاجَ رِبَاطًا مُقَدَّسًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النِّسَاءِ: 21]. فَهَذَا الْمِيثَاقُ الْغَلِيظُ يَقْتَضِي أَنْ يَتَحَمَّلَ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ هَفَوَاتِ الْآخَرِ، وَأَنْ يَصْبِرَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ.
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: 19]. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: «أَيْ طَيِّبُوا أَقْوَالَكُمْ لَهُنَّ، وَحَسِّنُوا أَفْعَالَكُمْ وَهَيْئَاتِكُمْ بِحَسَبِ قُدْرَتِكُمْ، كَمَا تُحِبُّ ذَلِكَ مِنْهَا، فَافْعَلْ أَنْتَ بِهَا مِثْلَهُ».
وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُعِينُ عَلَى اسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ طَرَفٍ عَلَى يَقِينٍ بِأَنَّ الْعَلَاقَةَ الزَّوْجِيَّةَ قَائِمَةٌ عَلَى الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ، لَا عَلَى الْكَمَالِ الْمُطْلَقِ. فَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَا كَمَالَ لِأَحَدٍ، وَأَنَّ حُسْنَ الْعِشْرَةِ هُوَ مَدَارُ النَّجَاحِ، فَقَالَ: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً؛ إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: «أَيْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُبْغِضَهَا؛ لِأَنَّهُ إِنْ وَجَدَ فِيهَا خُلُقًا يَكْرَهُهُ وَجَدَ فِيهَا خُلُقًا مَرْضِيًّا، بِأَنْ تَكُونَ شَرِسَةَ الْخُلُقِ، لَكِنَّهَا دَيِّنَةٌ، أَوْ جَمِيلَةٌ، أَوْ عَفِيفَةٌ، أَوْ رَفِيقَةً بِهِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ».
وَإِنَّ مِعْيَارَ تَذَكُّرِ الْفَضْلِ عِنْدَ الْخِلَافِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا، بَلْ هُوَ سَيِّدُ الْمَوْقِفِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الْبَقَرَةِ: 237].
وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَضْرِبُونَ أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي التَّحَمُّلِ وَالصَّبْرِ لِأَجْلِ اسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ. يَقُولُ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِزَوْجَتِهِ أُمِّ الدَّرْدَاءِ: «إِذَا رَأَيْتِنِي غَاضِبًا فَرَضِّينِي، وَإِذَا رَأَيْتُكِ غَضْبَى رَضَّيْتُكِ، وَإِلَّا لَمْ نَصْطَحِبْ».
فَبِالْوُدِّ وَالْمُسَامَحَةِ وَالْمَحَبَّةِ تَدُومُ الْعِشْرَةُ، وَبِدُونِهَا لَا تُوجَدُ أُلْفَةٌ وَلَا عِشْرَةٌ.
هَذَا هُوَ الْبَيْتُ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالصَّبْرِ وَالْحِكْمَةِ، تَنْزِلُ الْمُصِيبَةُ فَتُمْسِكُ الزَّوْجَةُ عَلَى نَفْسِهَا وَتَصْبِرُ وَتَحْتَسِبُ، فَلَا تُمَزِّقُ الْأُسْرَةَ، بَلْ تَزِيدُهَا قُرْبًا مِنَ اللَّهِ وَتَرَابُطًا بَيْنَ أَفْرَادِهَا؛ لِأَنَّ أَسَاسَهَا كَانَ التَّقْوَى وَالْيَقِينُ.
أَثَرُ الِاسْتِقْرَارِ الْأُسَرِيِّ عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ
إِنَّ الْأُسْرَةَ الْمُسْتَقِرَّةَ تَنْعَكِسُ آثَارُهَا الْإِيجَابِيَّةُ عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ بِأَكْمَلِهِ. فَبِالِاسْتِقْرَارِ الْأُسَرِيِّ تُبْنَى الشَّخْصِيَّةُ النَّفْسِيَّةُ الْمُتَوَازِنَةُ، وَتُغْرَسُ الْقِيَمُ وَالْأَخْلَاقُ، وَتُبْنَى رُوحُ الْمَسْؤُولِيَّةِ وَالِانْضِبَاطِ، وَيُحَقَّقُ التَّحْصِيلُ وَالنَّجَاحُ الْعَمَلِيُّ، وَتُحْمَى الْأَبْنَاءُ مِنَ الِانْحِرَافَاتِ، وَيَتَمَاسَكُ الْمُجْتَمَعُ وَتَقْوَى أَوَاصِرُهُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الْفُرْقَانِ: 74]. فَقُرَّةُ الْأَعْيُنِ هِيَ ثَمَرَةُ الِاسْتِقْرَارِ الْأُسَرِيِّ، حِينَ يَرَى الْإِنْسَانُ فِي زَوْجِهِ وَوَلَدِهِ مَا يَسُرُّهُ وَيُبْهِجُهُ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّ الِاسْتِقْرَارَ الْأُسَرِيَّ يُحَقِّقُ لِلْأَبْنَاءِ الشُّعُورَ بِالْأَمْنِ وَالثِّقَةِ، وَيُجَنِّبُهُمْ الْكَثِيرَ مِنَ الِاضْطِرَابَاتِ النَّفْسِيَّةِ. وَقَدْ أَشَارَتْ بَعْضُ الدِّرَاسَاتِ إِلَى أَنَّ نِسْبَةً كَبِيرَةً مِنْ أَطْفَالِ الشَّوَارِعِ يَنْحَدِرُونَ مِنْ أُسَرٍ مُفَكَّكَةٍ، وَأَنَّ الْكَثِيرَ مِنْهُمْ تَرَكُوا بُيُوتَهُمْ فَارِّينَ مِنَ الْعُنْفِ أَوِ الْإِهْمَالِ أَوِ التَّفَكُّكِ الْأُسَرِيِّ.
لِذَا كَانَتِ الْأُسْرَةُ فِي الْإِسْلَامِ أَعْظَمَ مُؤَسَّسَةٍ تَرْبَوِيَّةٍ، وَأَخْطَرَ مَدْرَسَةٍ فِي صِنَاعَةِ الْأَجْيَالِ. فَمَا مِنْ عَالِمٍ نَافِعٍ، وَلَا مُصْلِحٍ عَظِيمٍ، وَلَا قَائِدٍ نَاجِحٍ، إِلَّا وَكَانَتْ وَرَاءَهُ أُسْرَةٌ غَرَسَتْ فِيهِ الْإِيمَانَ، وَرَبَّتْهُ عَلَى الْأَخْلَاقِ، وَوَجَّهَتْهُ إِلَى مَعَالِي الْأُمُورِ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ صَلَاحَ الْأُسْرَةِ وَاسْتِقْرَارَهَا لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتَّمَسُّكِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، وَالتَّخَلُّقِ بِالْأَخْلَاقِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَالصِّدْقِ فِي التَّعَامُلِ، وَالتَّوَاصِي بِالْحَقِّ وَالصَّبْرِ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْ أَسْبَابِ النِّزَاعِ وَالشِّقَاقِ.
الْقِوَامَةُ مَسْؤُولِيَّةٌ لَا تَشْرِيفٌ
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ، لَقَدْ أَعْطَى اللَّهُ الرَّجُلَ الْقِوَامَةَ عَلَى أَهْلِهِ، يَقُولُ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النِّسَاءِ: 34]. وَلَكِنَّ هَذِهِ الْقِوَامَةَ لَيْسَتْ تَشْرِيفًا وَلَا تَكْرِيمًا يَتَسَلَّطُ بِهِ الرَّجُلُ عَلَى زَوْجَتِهِ، بَلْ هِيَ تَكْلِيفٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ، وَأَمَانَةٌ يُؤَدِّيهَا، وَوَاجِبٌ يَقُومُ بِهِ.
وَلَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُدْوَةً حَسَنَةً فِي هَذَا الْبَابِ، فَقَدْ كَانَ يَخْدِمُ أَهْلَهُ وَيَقُومُ عَلَى حَوَائِجِهِمْ. رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا سُئِلَتْ: مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: «كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ، يَفْلِي ثَوْبَهُ، وَيَحْلُبُ شَاتَهُ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ». وَكَانَتْ تَقُولُ أَيْضًا: «كَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ» أَيْ فِي خِدْمَتِهِمْ [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ].
وَخَيْرُ مِثَالٍ عَلَى الْقِوَامَةِ الْحَانِيَةِ مَا فَعَلَهُ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ إِحْدَى نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أُخْرَى بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتْ يَدَ الْخَادِمِ فَسَقَطَتِ الْقَصْعَةُ فَانْكَسَرَتْ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ الْكِسَرَ وَجَمَعَ فِيهَا الطَّعَامَ، وَقَالَ: غَارَتْ أُمُّكُمْ، ثُمَّ أَمْسَكَ الْخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ عَائِشَةَ، فَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
تَأَمَّلُوا هَذِهِ الْحِكْمَةَ: لَمْ يَغْضَبْ، لَمْ يَصْرُخْ، لَمْ يَضْرِبْ، بَلْ جَمَعَ الْكِسَرَ، وَوَضَعَ الطَّعَامَ فِيهَا، وَأَعْطَى الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ لِصَاحِبَتِهَا، وَحَبَسَ الْمَكْسُورَةَ حَتَّى لَا تُؤْذِيَ أَحَدًا. إِنَّهَا الْقِوَامَةُ الَّتِي تَبْحَثُ عَنِ الْحَلِّ لَا عَنِ الْخَصْمِ، وَتَبْنِي الْجُسُورَ لَا تَهْدِمُهَا.
التَّرْبِيَةُ بِالْقُدْوَةِ وَالْحِوَارِ
إِنَّ أَعْظَمَ وَسَائِلِ التَّرْبِيَةِ هِيَ الْقُدْوَةُ الْحَسَنَةُ وَالْحِوَارُ الْهَادِئُ. فَالِابْنُ يَتَأَثَّرُ بِوَالِدَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَأَثَّرُ بِكَلَامِهِمَا، وَيَرَى أَفْعَالَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ أَقْوَالَهُمَا.
رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ، فَوَاللَّهِ مَا قَالَ لِي: أُفٍّ قَطُّ، وَلَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَهُ؟ وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: أَلَا فَعَلْتَهُ؟ [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]. هَذِهِ هِيَ التَّرْبِيَةُ بِالصَّبْرِ وَالرَّحْمَةِ، لَا بِالْعُنْفِ وَالْغَضَبِ.
وَلِذَلِكَ أَمَرَ الْإِسْلَامُ بِمُلَاعَبَةِ الطِّفْلِ وَتَقْبِيلِهِ وَالرَّحْمَةِ بِهِ؛ لِيُحَبِّبَ الطِّفْلَ فِي أُسْرَتِهِ. وَلَقَدْ تَعَجَّبَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ حِينَ أَبْصَرَ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُ الْحَسَنَ، فَقَالَ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ؛ مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ».
إِنَّ لِلْأُسْرَةِ دَوْرًا كَبِيرًا فِي تَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ وَإِصْلَاحِهِمْ. وَلَا تَقُلْ: أَنْتَظِرُ حَتَّى يَكْبُرَ الطِّفْلُ، بَلْ عَلِّمْهُ وَهُوَ فِي صِغَرِهِ؛ فَهُوَ عَلَى الْفَهْمِ أَقْدَرُ مِنِّي وَمِنْكَ.
فَهَذَا لُقْمَانُ يُعَلِّمُ وَلَدَهُ أَدَقَّ أُمُورِ الْعَقِيدَةِ؛ مُفْتَتِحًا كَلَامَهُ مَعَهُ بِقَوْلِهِ: «يَا بُنَيَّ»، إِنَّهُ نِدَاءُ الْمَحَبَّةِ قَبْلَ النَّصِيحَةِ، وَالرَّحْمَةِ قَبْلَ التَّوْجِيهِ. فَالْقَلْبُ يُفْتَحُ بِالْمَحَبَّةِ، وَالنَّفْسُ تُقْبِلُ عَلَى التَّوْجِيهِ إِذَا شَعَرَتْ بِالرَّحْمَةِ وَالْقُرْبِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، فَأَمَرَهُ بِالتَّوْحِيدِ وَنَهَاهُ عَنِ الشِّرْكِ، ثُمَّ دَعَاهُ إِلَى الْعِبَادَةِ قَائِلًا: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.
وَلَمْ يَنْسَ أَنَّهُ يُعَلِّمُهُ مُرَاقَبَةَ اللَّهِ فَقَالَ: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
وَهَذَا يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُوصِي بَنِيهِ عِنْدَ الْمَوْتِ فَيَقُولُ: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
وَهَذَا إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَمْدَحُهُ رَبُّهُ فَيَقُولُ: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾.
وَهَذَا نَبِيُّكُمْ ﷺ يُعَلِّمُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ غُلَامٌ صَغِيرٌ، وَيَقُولُ لَهُ: «يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ].
لَمْ يَكُنْ هَذَا مَجْلِسَ دَرْسٍ رَسْمِيٍّ، وَلَا خُطْبَةَ جُمُعَةٍ، وَإِنَّمَا كَانَتْ لَحَظَاتُ قُرْبٍ وَمُصَاحَبَةٍ، اسْتَغَلَّهَا النَّبِيُّ ﷺ لِيَغْرِسَ فِي قَلْبِ غُلَامٍ صَغِيرٍ مَعَانِيَ التَّوْحِيدِ وَالتَّوَكُّلِ وَالْيَقِينِ، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ بَعْدَ ذَلِكَ حَبْرَ الْأُمَّةِ وَتَرْجُمَانَ الْقُرْآنِ. وَهُنَا تَتَجَلَّى حَقِيقَةٌ عَظِيمَةٌ: أَنَّ دَقَائِقَ قَلِيلَةً مِنَ الْحِوَارِ الصَّادِقِ قَدْ تَصْنَعُ مَا لَا تَصْنَعُهُ سَاعَاتٌ طَوِيلَةٌ مِنَ الْأَوَامِرِ الْجَافَّةِ.
وَهُوَ الَّذِي قَالَ: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ».
كَمَا رَبَّى النَّبِيُّ ﷺ أَطْفَالَ الصَّحَابَةِ عَلَى الْآدَابِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ؛ لِيَنْشَؤُوا عَلَيْهَا مِنْ صِغَرِهِمْ، فَعَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ»، فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ.
التَّوَاصُلُ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ جِسْرُ الْأَمَانِ
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ نَجَاحِ الْأُسْرَةِ أَنْ يَبْقَى بَابُ الْحِوَارِ مَفْتُوحًا بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ، وَأَنْ يَشْعُرَ الِابْنُ أَنَّ فِي بَيْتِهِ مَنْ يَسْمَعُهُ قَبْلَ أَنْ يُحَاسِبَهُ، وَمَنْ يَفْهَمُهُ قَبْلَ أَنْ يَلُومَهُ، وَمَنْ يَحْتَوِيهِ قَبْلَ أَنْ يُعَاقِبَهُ.
أَيُّهَا الْآبَاءُ، إِنَّ التَّوَاصُلَ مَعَ الْأَبْنَاءِ هُوَ أَعْظَمُ وَسِيلَةٍ لِضَمَانِ اسْتِقَامَتِهِمْ وَسَلَامَتِهِمُ النَّفْسِيَّةَ. وَالْأُسْرَةُ الَّتِي يَسُودُ فِيهَا الْحِوَارُ وَالتَّفَاهُمُ هِيَ أُسْرَةٌ قَوِيَّةٌ مُتَمَاسِكَةٌ، أَمَّا الْأُسْرَةُ الَّتِي يَغِيبُ فِيهَا الْحِوَارُ فَهِيَ كَشَجَرَةٍ جَفَّتْ جُذُورُهَا، مَهْمَا كَانَتْ أَغْصَانُهَا مُورِقَةً فَإِنَّهَا سَتَهْوِي عِنْدَ أَوَّلِ عَاصِفَةٍ.
وَغِيَابُ التَّوَاصُلِ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ هُوَ جِدَارٌ صَامِتٌ يَهْدِمُ الْأُسْرَةَ مِنَ الدَّاخِلِ، وَيَقْطَعُ أَوَاصِرَ مَحَبَّتِهَا فِي جَوْهَرِهَا. فَمِنْ أَخْطَرِ مَا ابْتُلِيَتْ بِهِ بَعْضُ الْأُسَرِ فِي عَصْرِنَا الرَّقْمِيِّ اجْتِمَاعُ الْأَجْسَادِ تَحْتَ سَقْفٍ وَاحِدٍ، بَيْنَمَا الْقُلُوبُ مُفْتَرِقَةٌ، وَالنُّفُوسُ فِي عَوَالِمَ شَتَّى. فَالْأَبْنَاءُ بَاتُوا أَسْرَى الشَّاشَاتِ الرَّقْمِيَّةِ، وَالْآبَاءُ غَافِلُونَ عَنْ أَحْوَالِهِمُ الْحَقِيقِيَّةِ. وَحِينَ يَغِيبُ الْحِوَارُ الْهَادِئُ الَّذِي هُوَ نَبْضُ الْحَيَاةِ فِي الْبُيُوتِ، تُصْبِحُ الْأُسْرَةُ كَشَجَرَةٍ حُرِمَتِ الْمَاءَ فَتَذْبُلُ حَتَّى تَمُوتَ.
وَقَدْ ضَرَبَ الْقُرْآنُ أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ الْأَخْيَارِ، فَهَا هُوَ نَبِيُّ اللَّهِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، لَا يَغْفُلُ عَنْ مُحَاوَرَةِ ابْنِهِ وَاسْتِشَارَتِهِ، فَيَقُولُ: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصَّافَّاتِ: 102]. إِنَّهَا مَدْرَسَةُ الْقُرْآنِ فِي بِنَاءِ الْأَجْيَالِ؛ مَدْرَسَةُ الْحِوَارِ لَا الْإِهْمَالِ، وَالْقُرْبِ لَا الْجَفَاءِ.
وَهَذَا يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَابْنُهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِثَالٌ وَاقِعِيٌّ لِمَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْعَلَاقَةُ. فَيُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ رَأَى الرُّؤْيَا فِي الْمَنَامِ بَادَرَ إِلَى اسْتِشَارَةِ أَبِيهِ وَطَلَبِ نُصْحِهِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَهُمَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يُوسُفَ: 4].
وَتَأَمَّلْ جَوَابَ يَعْقُوبَ لِابْنِهِ، حَيْثُ اشْتَمَلَ عَلَى عِدَّةِ تَحْذِيرَاتٍ وَمُحَفِّزَاتٍ: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يُوسُفَ: 5-6].
إِنَّ فَجْوَةَ الْغِيَابِ تَدْفَعُ الْأَبْنَاءَ لِلْبَحْثِ عَنْ آذَانٍ أُخْرَى تَسْمَعُهُمْ، وَتُبْعِدُهُمْ عَنْ حِضْنِ أُسْرَتِهِمُ الَّتِي تَجْمَعُهُمْ. فَالِابْنُ أَوِ الْبِنْتُ إِنْ لَمْ يَجِدَا فِي بَيْتِهِمَا أُذُنًا مُصْغِيَةً وَاهْتِمَامًا، سَيَلْتَمِسَانِ ذَلِكَ عِنْدَ رُفَقَاءِ السُّوءِ وَفَضَاءِ الْإِنْتَرْنِتِ. وَمِنْ هُنَا تَتَسَلَّلُ الِانْحِرَافَاتُ الْفِكْرِيَّةُ وَالسُّلُوكِيَّةُ بِدَهَاءٍ، وَتَضِيعُ مَلَامِحُ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ.
إِنَّ غِيَابَ التَّوَاصُلِ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ هُوَ السَّبَبُ الرَّئِيسُ وَرَاءَ كَثِيرٍ مِنَ الِانْحِرَافَاتِ الَّتِي نَرَاهَا الْيَوْمَ. فَالِابْنُ الَّذِي لَا يَجِدُ أُذُنًا مُصْغِيَةً فِي بَيْتِهِ سَيَذْهَبُ لِيَسْمَعَ كَلَامَ الشَّيْطَانِ، وَالْفَتَاةُ الَّتِي لَا تَجِدُ مَنْ يَفْهَمُهَا فِي بَيْتِهَا سَتَذْهَبُ لِتَفْهَمَهَا وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ الْهَدَّامَةُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ وَعَلَّمَنَا بِالْقَلَمِ، وَفَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ الْجَنَّةَ تَحْتَ أَقْدَامِ الْأُمَّهَاتِ، وَجَعَلَ رِضَا اللَّهِ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، كَانَ كَالنَّهْرِ الْعَذْبِ لِأَصْحَابِهِ، وَكَالرَّبِيعِ لِأَهْلِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ؛
وَسَائِلُ عَمَلِيَّةٌ لِبِنَاءِ التَّوَاصُلِ الْأُسَرِيِّ
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ، هُنَاكَ عِدَّةُ عَوَامِلَ وَأَسْبَابٍ تَجْلِبُ التَّوَاصُلَ وَالرَّحْمَةَ وَالْمَوَدَّةَ بَيْنَ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ، مِنْهَا:
أَوَّلًا: الِاجْتِمَاعُ عَلَى الطَّعَامِ: فَالِاجْتِمَاعُ عَلَى مَائِدَةِ الطَّعَامِ مَظْهَرٌ مِنْ مَظَاهِرِ التَّرَابُطِ الْأُسَرِيِّ، وَفِيهِ فُرْصَةٌ لِتَبَسُّطِ الْوَالِدِ مَعَ أَوْلَادِهِ وَالِاقْتِرَابِ مِنْهُمْ، وَتَبَسُّطِ الزَّوْجِ مَعَ زَوْجَتِهِ وَالتَّوَدُّدِ إِلَيْهَا، وَنَشْرِ الرَّحْمَةِ بَيْنَ الْجَمِيعِ. فَعَنْ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَأْكُلُ وَلَا نَشْبَعُ، قَالَ: «لَعَلَّكُمْ تَتَفَرَّقُونَ»، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «اجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ].
ثَانِيًا: التَّشَاوُرُ وَالنِّقَاشُ وَقَبُولُ رَأْيِ الْآخَرِ وَاحْتِرَامُهُ: قَالَ تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 159]، وَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشُّورَى: 38]. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَشِيرُ أَزْوَاجَهُ، نَذْكُرُ جَمِيعًا اسْتِشَارَتَهُ لِلسَّيِّدَةِ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ امْتَنَعُوا عَنِ الذَّبْحِ وَالتَّحَلُّلِ وَالرُّجُوعِ إِلَى الْمَدِينَةِ… فَقَالَتْ لَهُ: «اخْرُجْ وَلَا تُكَلِّمَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَخَرَجَ وَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ، حَتَّى نَحَرَ بُدْنَهُ، ثُمَّ دَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ النَّاسُ جَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
ثَالِثًا: الْمُلَاطَفَةُ وَالْمُدَاعَبَةُ: كَمَا كَانَ الرَّسُولُ ﷺ يَقْضِي بَعْضَ أَوْقَاتِهِ لِمُلَاعَبَةِ الزَّوْجَةِ وَمُمَازَحَتِهَا وَمُلَاطَفَتِهَا، فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ وَهِيَ جَارِيَةٌ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: «تَقَدَّمُوا»، فَتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ: «تَعَالِي أُسَابِقْكِ»، فَسَابَقْتُهُ، فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ، خَرَجْتُ أَيْضًا مَعَهُ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: «تَقَدَّمُوا»، ثُمَّ قَالَ: «تَعَالِي أُسَابِقْكِ»، وَنَسِيتُ الَّذِي كَانَ، وَقَدْ حَمَلْتُ اللَّحْمَ، فَقُلْتُ: وَكَيْفَ أُسَابِقُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا عَلَى هَذِهِ الْحَالِ؟ فَقَالَ: «لَتَفْعَلِنَّ»، فَسَابَقْتُهُ، فَسَبَقَنِي، فَقَالَ: «هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ].
رَابِعًا: الصَّبْرُ وَالتَّحَمُّلُ: الْمِيثَاقُ الْغَلِيظُ الَّذِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ يَقْتَضِي أَنْ يَتَحَمَّلَ كُلٌّ مِنْهُمَا هَفَوَاتِ الْآخَرِ. وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ فِي أَهْلِهِ مِثْلَ الصَّبِيِّ، فَإِذَا الْتَمَسُوا مَا عِنْدَهُ وَجَدُوا رَجُلًا».
وَقَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «وَمِنْ آدَابِ الْمُعَاشَرَةِ حُسْنُ الْخُلُقِ مَعَهُنَّ، وَاحْتِمَالُ الْأَذَى مِنْهُنَّ، تَرَحُّمًا عَلَيْهِنَّ ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ حُسْنُ الْخُلُقِ مَعَهَا كَفَّ الْأَذَى عَنْهَا، بَلِ احْتِمَالُ الْأَذَى مِنْهَا، وَالْحِلْمُ عَنْ طَيْشِهَا وَغَضَبِهَا، اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدْ كَانَتْ أَزْوَاجُهُ يُرَاجِعْنَهُ الْكَلَامَ».
الدُّعَاءُ
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَزْوَاجَنَا وَذُرِّيَّاتِنَا، وَاجْعَلْهُمْ قُرَّةَ أَعْيُنٍ لَنَا، وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى تَرْبِيَةِ أَبْنَائِنَا تَرْبِيَةً صَالِحَةً، وَاجْعَلْهُمْ مِنْ حَفَظَةِ كِتَابِكَ وَمِنْ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ شَبَابَنَا وَفَتَيَاتِنَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ، وَوَفِّقْهُمْ لِصُحْبَةِ الْأَخْيَارِ وَاتِّبَاعِ الْأَبْرَارِ.
اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي بُيُوتِنَا وَأُسَرِنَا، وَاجْعَلْهَا بُيُوتًا عَامِرَةً بِالْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.