
هناك كذبة كبرى تربّينا عليها جميعًا.
كذبة تُدرَّس ضمنيًا في كل فيلم، وتُعاد صياغتها آلاف المرات حتى ترسخ في وعينا كحقيقة كونية لا تقبل النقاش.
اسمها: الزواج نهاية سعيدة.
لا أعرف من الذي قرر – في لحظة ما من تاريخ البشرية – هذه النهاية العبقرية.
ولا أعرف من أول مجرم فكري وقّع عليها. غالبًا كان أعزب أو متزوجا وأدلى بتصريحه تحت الإكراه وتهديد السلاح.
من قال إن القُبلة الأخيرة تحت المطر، مع موسيقى تتصاعد كأن نيكولو باغانيني يعزف الكمان، هي خاتمة القصة؟
ومن أقنعنا أن عبارة «ثم تزوّجا وعاشا في سعادة أبدية» ليست في الحقيقة بداية فيلم رعب طويل من إنتاج الحياة؟
كل الأفلام – بلا استثناء تقريبًا – تسير على نفس الخط.
البطل يقاتل العصابات، ينجو من الرصاص، يتفادى القنابل، يتجاوز ماضيه الأليم، يتخطى الفقر، ينجو من القنبلة التي ستنفجر خلال سبع ثوانٍ (وهي لا تنفجر أبدًا بالمناسبة قبل أن ينتهي من القُبلة)، وينقذ العالم في الوقت بدل الضائع.
ثم في المشهد الأخير يحصل على الجائزة الكبرى …
يرتدي بدلة أنيقة لم يكن يملك ثمنها قبل ساعة من أحداث الفيلم، والبطلة ترتدي فستانًا أبيض لا يشبه فساتين البشر، ويبتسمان للكاميرا كأنهما وقّعا عقدًا مع السعادة نفسها.
يضع خاتم الزواج في إصبع الحبيبة، أو يقبلها في المطر وسط تصفيق المارة.
أو على صعيد آخر يركض خلفها في المطار ويمنعها من السفر.
نعم، يمنعها من السفر! (لأن الطائرات – كما نعلم – لا تقلع قبل حلّ المشاكل العاطفية).
ثم… تنتهي القصة.
تُغلق الشاشة فورًا، كأن الكاميرا نفسها شعرت بالخطر وقررت الانسحاب التكتيكي.
يخرج الجمهور من السينما مطمئنًا، منتصرا، يقول في سره:
“الحمد لله، تزوجوا وانتهت المشاكل”.
لقد انتصر الخير، وتزوّج الحبيبان، واستقر الكون في مداره.
ولا أحد – ولا حتى أكثر المتشائمين خبثًا – يسأل السؤال البديهي:
وماذا بعد؟!!
المثير للاهتمام أن السينما شجاعة جدًا… حتى لحظة الزواج.
تواجه المافيا؟ لا مشكلة.
تدخل حربًا عالمية؟ تفضل.
تقفز من طائرة بدون مظلة؟ لقطة جميلة.
لكن… تُكمل بعد الزواج؟
لا.
هذا انتحار فني.
أين الفيلم الذي يبدأ بعد هذه اللقطة مباشرة؟
تخيل معي—وهذا خيال علمي مرعب—أن الفيلم لم ينتهِ.
البطل الذي كان يقفز من فوق القطارات ليقود سيارة بسرعة 200 كم/ساعة وهو يبتسم؛ يستيقظ الآن على صوت منبّه السادسة صباحًا ليذهب إلى عمله الحكومي.
والبطلة التي كانت تُلقي الخطب عن الحرية والحب تحسب الآن ثمن البصل والطماطم والبطاطس وتقارن بين العروض في السوبر ماركت.
بل أكثر من ذلك:
البطل – الذي كان وسيماً لا يشيب ولا ينام ولا يأكل – يستيقظ في الصباح ليجد أن الحمام مسدود.
والبطلة – التي كانت تعيش في فساتين السهرة طوال الوقت – تنحني الآن على حوض المطبخ، تمارس طقسًا بدائيًا يُعرف بتسليك البالوعة، وهي تلعن—بهدوء متحضر في البداية—أهل الزوج، ثم أهلها، ثم المأذون، ثم الشهود، ثم المعازيم… ثم، بعد لحظة تأمل قصيرة، تلعن الفكرة نفسها، وكل من خطرت له، وكل من لم يعترض عليها.
وهذا انتقال نوعي من الرومانسية إلى الواقعية القاسية.
فجأة يكتشف البطل أن الحياة ليست مطاردة سيارات، بل مطاردة فواتير؟
في الأفلام، المال كائن خرافي يظهر عند الحاجة، ويختفي عند عدمها كأي جنّي محترم.
في الواقع، هو كائن انتقامي يختفي تحديدًا عند الحاجة.
فاتورة كهرباء.. تبدو وكأنها نتيجة استهلاك مدينة كاملة.
فاتورة غاز.. تجعلك تشك أنك تدفئ القطب الشمالي.
فاتورة مدرسة.. للكتب والمصاريف والحفلات والرحلات وتزيين الفصول والشوارع والطرقات وربما تمويل مشروع قومي.
وفاتورة إنترنت.. لأن الطفل – طبعا – يحتاجه «للبحث العلمي» الذي ينتهي غالبًا في فيديوهات قطة تعزف بيانو.
ثم الأطفال!!
السينما – لسبب غامض – تتجاهل أن الأطفال كائنات لا تنام.
فيلم رعب حقيقي يمكن صناعته عن ليلة كاملة مع طفل مصاب بالمغص.
لا دراكيولا ولا أشباح تخيف بقدر قدرة طفل عمره سنتان على فتح عينيه في الثالثة فجراً وهو سعيد تماماً ومستعد للعب.
طفل أول يأتي بلا استئذان ليعلن أن النوم رفاهية برجوازية؟
طفل يستيقظ في الثالثة صباحًا… ليس لأنه يريد شيئًا، بل لأنه يستطيع.
وهنا يتحول البطل الخارق إلى إنسان يهزّ سريرًا صغيرًا ويتمتم بعبارات لا تليق بتاريخ الأكشن العريق الخاص به كبطل سينمائي.
في الأفلام، الطفل كائن لطيف، منظم، يضحك في الوقت المناسب، وينام عند الطلب، ويقول جملة مؤثرة في نهاية العمل.
في الواقع، الطفل مشروع فوضى متنقل.
وبعد الأطفال تأتي المدارس.
تخيلوا مشهداً درامياً مؤثراً حيث يكتشف البطل فجأة أن مصروفات المدرسة تضاعفت، وهو لا يزال يسدد أقساط الشقة.
مشهد تراجيدي بكل المقاييس، تنهمر فيه الدموع ليس على فراق حبيب، بل على الرقم المدون في فاتورة المصاريف.
ماذا عن الطبخ؟
في السينما، البطلة لا تطهو أبداً. هي فقط تتجول في حديقة القصر أو تذهب للمعارض الفنية.
في الواقع، ثلث الفيلم عبارة عن محاولة إقناع الدجاجة -إن وجدت أساسا- بأن تصبح صالحة للأكل، وهي تتصارع مع البصل الذي يدمع العين.
أما الخلافات الزوجية…
فالسينما تقدمها كـ”سوء تفاهم بسيط” يُحل في خمس دقائق مع موسيقى هادئة يصحبها اعتذار بسيط.
في الحقيقة، الخلاف الزوجي قد يبدأ بسبب كوب شاي… وينتهي بمراجعة شاملة لتاريخ العائلة منذ العصر العباسي.
“أنت دايمًا بتعمل كده!”
“أنا؟! ده أنتي من يوم ما عرفتك—”
وهنا ندخل في منطقة لا تغطيها أي رقابة سينمائية.
ولهذا أسأل بصدق:
لماذا لا يوجد فيلم بعنوان:
«ثم تزوّجا… وبدأت الحرب الباردة»؟
الحقيقة ببساطة: أن السينما جبانة.
نعم، جبانة، تعرف الحقيقة… لكنها لا تملك شجاعة عرضها.
هي تعرف أن ما بعد الزواج ليس نهاية الحكاية، بل بدايتها الحقيقية.
السينما توحي لك أن هناك لحظة ما… تصل فيها إلى “نقطة الراحة النهائية”.
كأن الحياة لعبة فيديو تنتهي بشاشة:
Congratulations! You are now happy forever.
في الواقع، هذه الشاشة لا تظهر أبدًا.
الذي يظهر هو:
“رصيدك غير كافٍ.”
“يرجى إعادة المحاولة.”
“حدث خطأ غير متوقع.”
الحب بعد عامين من الزواج، يتحول إلى نشرة اقتصادية:
كم بقي؟ متى سندفع؟ ولماذا يرتفع كل شيء… إلا الراتب؟
السينما تمنحك لحظة مثالية ثم تهرب.
لأنها لو بقيت دقيقة إضافية، لرأيت البطل على الأريكة،
والبطلة تذكّره – للمرة الألف – «ألم أقل لك أصلح الصنبور؟»
وهو يرد بثقة تاريخية:
«سأفعل… غدًا».
وغدًا هذا يمتدّ سنوات لأنه كائن خالد لا يموت.
لا أحد يصور مشهد الخلاف الأول حول لون الستائر.
ولا الجدل الفلسفي حول من سيأخذ القمامة إلى الخارج.
ولا المعركة الطاحنة حول تربية الأطفال بين «الصرامة ضرورية» و«سيُصاب بعقد نفسية».
السينما تحب النهاية النظيفة… الحياة تحب التفاصيل الفوضوية.
والمفارقة العجيبة
هذه الفوضى… هي الحقيقة الوحيدة.
ليست القبلة تحت المطر، ولا الفستان الأبيض، ولا الجري في المطار.
بل:
أن تضحك وأنت متعب.
أن تتصالح بعد شجار سخيف.
أن تختلف ثم تضحك على سبب الخلاف بعد سنوات.
أن تكتشف أن الحب لم يكن كما تخيلته… لكنه—لسبب غامض—ما زال موجودًا.
أن تكتشف أن الحب ليس قبلة تحت المطر، بل مظلة صغيرة تحاولان الإمساك بها معًا في عاصفة المصاريف.
لكن هذا لا يبيع التذاكر.
لا أحد سيدفع ثمن تذكرة ليرى بطلاً يحاول إقناع طفل في الخامسة بواجب الحساب.
ولا أحد يريد مشهدًا طويلًا عن حساب الأقساط.
الجمهور يريد قبلة… لا يريد قسطًا شهريًا.
ربما لهذا السبب تنتهي كل الحكايات عند باب الشقة.
تغلق الكاميرا قبل أن يبدأ الفيلم الحقيقي.
السينما تقول: «عاشا في سعادة أبدية».
الحياة تقول: «حسنًا… فلنرَ».
الحقيقة القاسية – والتي لا تصلح لمشهد رومانسي – أن الزواج ليس نهاية الفيلم.
إنه بداية الجزء الثاني.
والجزء الثاني… أطول، وأغلى تكلفة، وأقل مؤثرات، لكنه – بطريقة ما – أكثر صدقًا.
فيه شقة صغيرة، وصنبور يحتاج إلى إصلاح، وطفل يبكي، وضحكة مفاجئة في منتصف التعب.
ولو كانت السينما شجاعة حقًا، لبدأت من هنا.
يا صديقي؛ السينما لا تكذب تماما… لكنها تعرض الإعلان فقط.
أما الحقيقة هي: أن الزواج هو بداية ماراثون طويل، أنت تركض فيه وأنت تحمل على كتفيك هموم الدنيا كلها، وزوجتك تحمل النصف الآخر، والأطفال يركضون خلفكما وهم يصرخون.
لذلك، في المرة القادمة التي ترى فيها فيلمًا ينتهي بالزواج…
لا تصفق.
لا تبتسم.
لا تقل: “عيشوا يا ولاد …”.
فقط انظر إلى الشاشة وقل بهدوء:
” آه…لقد تمت خداعتي مرة أخرى. لقد صوروا لي الإعلان، ونسوا التفاصيل”.