رسالة إلى من يقف على الحافة… قبل أن يقفز

مرة أخرى…
خبر جديد… وشخص جديد قرر أن يموت.

شاب ألقى بنفسه من فوق كوبري،
فتاة ابتلعت أقراصًا،
وأخرى ألقت بنفسها من شرفة شقتها،
رجل شنق وجعه في سقف غرفته،
موظف يبتلع سمًا ويترك ورقة كتب فيها: تعبت.

والسبب دائمًا واحد، حتى لو تغيّرت التفاصيل: وجع لا يُحتمل… وضجيج لا يسكت… وخذلان أقرب مما ينبغي.

نقول – براحة غريبة – : “الزمن غدار”…
وهذه جملة مريحة… لأنها تُعفي الجميع من المسؤولية.

لكن الحقيقة أن هذا اتهام ظالم جدًا.
فالزمن لا يغدر…
الزمن مجرد إطار.
مثل شاشة عرض… تعرض ما نفعل نحن، لكنها لا تصنعه.

الذي يغدر هو البشر.
والذي يوجع هو القريب قبل الغريب.
والذي يرهق هو التوقع… حين نصنع صورة وردية للعالم، ثم نصدم حين يرفض الالتزام بها.

دعني أبدأ معك من الحقيقة الثقيلة التي لا تقبل التجميل،
ودعني أكن واضحًا كالشمس في أغسطس، وبالحبر الثقيل الذي لا يُمحى:

الانتحار حرام… نقطة، ومن أول السطر.

ليس رأيًا… ولا وجهة نظر… ولا نقاشًا مفتوحًا على فيسبوك.
هو نص واضح: “ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما”
وقول النبي ﷺ: “من قتل نفسه بشيء عُذب به يوم القيامة، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدًا مخلدًا فيها أبدًا”.

وعيد شديد لا يحتمل التأويل. انتهى النقاش الفقهي هنا.
وانتهى معه الحكم، فلا اجتهاد مع نص.

لكن… لم تنتهِ الحكاية.

المشكلة ليست في الحكم…
المشكلة فينا نحن، حين نحول الحكم إلى سوط.

تحت كل خبر… تبدأ محكمة التعليقات:

“ضعف إيمان”
“لو كان بيصلي…”
“الله ينتقم منه”
“لو كان يعرف ربنا”،
“المنتحر كافر”.

صرنا قضاةً بأرواب سوداء، نوزع الناس على الجنة والنار من فوق كيبورد الموبايل، ونحن نجلس بملابس البيت، نشرب الشاي.

نعم معكم حق!! ولكن لا أحد يسأل السؤال الحقيقي:
كيف وصل إنسان إلى هذه النقطة؟

الفقيه الحقيقي ليس من يردد النص فقط.
الفقيه الحقيقي هو من يسأل: لماذا يصل الإنسان إلى هذه الدرجة من اليأس التي تجعله يخاطر بخلوده في النار؟

لأن الألم أحياناً يكون أكبر من احتمال البشر.
لأن بعض الناس يظنون أن باب التوبة مغلق، أو أن الله غاضب عليهم إلى الأبد، أو أن لا فائدة من كل هذا العبث الذي نسميه حياة.
يظنون أن القفز في الفراغ أفضل من السقوط كل يوم.

لا أحد يستيقظ سعيدًا ويقرر أن يموت.
لا أحد يغادر المسرحية في منتصف الفصل لأنه يستمتع بالعرض.
الذي يغادر… هو من صار الألم على الخشبة أقسى من قدرته على المشاهدة.

هذا الإنسان… لم يكفر بالله بقدر ما كفر بنا.
كفر بأن هناك من سيفهم.
كفر بأن هناك من سيسمع دون أن يُلقي محاضرة.
كفر بأن “أنا جنبك” ليست مجرد جملة فارغة.

نحن نعيش في عالم يطالبك أن تكون جبلًا…
ثم يسخر منك حين تتشقق.

يقولون لك:
“استحمل”…
“كلنا كده”…
“الرجالة ما تعيطش”

ولا أحد يقول لك: “تعالَ… احكي”.

دعني أخبرك بالسر الذي لا يُقال كثيرًا:

المنتحر لا يريد أن يموت.
هو يريد أن يتوقف الألم.

يريد زرًا واحدًا:
“كفاية”.
زر يطفئ الضجيج في رأسه.
زر يوقف سكاكين الخذلان.
زر يريحه من كونه قويًا طوال الوقت.

لكن هذا الزر ليس في يد الموت.
هذا الزر غير موجود إلا عند الله،
والشيطان يقنعه أن باب القبر هو الباب الوحيد المفتوح.
وهذه أكبر كذبة في التاريخ.

فالموت لا يفعل ذلك يا أحمق…
الموت هو مكبر صوت.
سيكبر كل شيء.
سيكبر الندم، وسيكبر الحساب، وسيكبر فكرة “يا ليتني صبرت خمس دقائق أخرى”.

وهنا المفارقة القاسية:

هو يهرب من وجع…
لكنه يركض نحو وجع أكبر.

يهرب من خذلان الأقارب…
فيترك خلفه قلوبًا لن تلتئم.

أمًا لن تدفن ابنها… بل تُدفن هي بالحياة.
أبًا سيموت واقفًا.
وإخوة سيعيشون بسؤال: لماذا لم يخبرنا؟

سيرحل هو، وسيبدأ عذابهم هم.

سيخسر فرصة أن يرى ابنه يكبر.
أن يعتذر لأمه.
أن يأكل أكلة يشتهيها.
أن يضحك ضحكة حقيقية تنسيه اسمه.
سيخسر احتمال أن الغد يحمل له رسالة لم يقرأها بعد.

يهرب من لحظة…
فيأخذ قرارًا أبديًا.

والموت… ليس زر “إيقاف”.
الموت قرار نهائي… لا يمكنك بعده أن تقول: “لحظة… كنت متسرعًا”.

دعني أقول لك شيئًا غير مريح:
الحياة لا تعدك بالعدل.
ولا بالراحة.
ولا حتى بالمنطق أحيانًا.

ومع ذلك…
فيها دائمًا شيء يستحق البقاء.

ليس شرطًا أن يكون هذا الشيء عظيمًا.
قد يكون كوب شاي في آخر الليل…
رسالة من صديق لم تتوقعها…
ضحكة عابرة…
أو حتى مجرد يوم أقل سوءًا من سابقه.

أحيانًا… النجاة لا تكون بانتصار كبير.
بل بأنك—فقط—لم تستسلم اليوم.

يا من تقرأ الآن…
وربما الفكرة تزورك كل ليلة…

اسمعني جيدًا:
الفكرة كاذبة.

تقنعك أن القبر باب النجاة…
وهذه خدعة قاسية جدًا.

أنت لا تريد أن تموت…
أنت تريد أن ترتاح.

والراحة لها طرق كثيرة…
لكن الموت ليس واحدًا منها.

الله لم يتركك بلا طوق نجاة.

ترك لك:
باب الدعاء…
باب البكاء…
باب السجود…
باب إنسان تثق فيه…
باب طبيب…
باب صديق…
باب كلمة “أنا مش كويس”.

حتى الصمت بينك وبينه… باب.

قال لك: “أمن يجيب المضطر إذا دعاه”
سماك “مضطر”… لم يسمك ضعيفًا.

يقول لك: “لا تيأسوا من روح الله”.
واليأس يا صديقي هو الشرك الخفي.
أن تظن أن مشكلتك أكبر من قدرة الله…
هذه هي الكارثة الحقيقية.

الله لم يخلقك ليعذبك. أقسم لك.
بل إنه إذا ابتلاك فإنما يبتليك بما تتحمله، فالله “لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها”.
ولو كان أراد تعذيبك ما خلق لك عينين تبكيان، وقلبًا يحس، ولسانًا يقول “يا رب”.
أعطاك أدوات النجاة قبل أن يبتليك.

ماذا تفعل الآن، حالًا؟

1 – قم من مكانك. الحركة تكسر الفكرة. اذهب اغسل وجهك بماء بارد.

2 – كلم أي إنسان. أي إنسان. أمك، صاحبك، الخط الساخن، حتى لو رجل غريب في الشارع. قل له: “أنا مش كويس”. فقط، حتى لو اتهمك بالجنون.

3 – أجّل القرار 24 ساعة. فقط 24 ساعة. الشيطان يريدك متسرعًا. أنت كن أذكى منه. أجّل.

4 – اسجد. حتى لو لم تصلِّ من عشرين سنة. اسجد على الأرض وقل بالعامية: “يارب أنا جبت آخري. اتصرف”. هو يسمع العامية، ويسمع الأنين، ويسمع السكوت.

يا من تقرأ وتظن أنني أبالغ:
أقسم أنني رأيت ناسًا كانوا على الحافة، واليوم هم يضحكون ويقولون “كنت عبيط”.
الفرق بينهم وبين من رحلوا كان مكالمة هاتفية واحدة. كانت جملة “استنى شوية”.

لن أطلب منك أن “تحب الحياة“.
لأن هذه جملة مستهلكة فقدت معناها.

لكن أطلب منك شيئًا أبسط… وأصدق:
لا تقتل نفسك اليوم.
فقط اليوم.

أجّل القرار 24 ساعة.

غدًا… ربما يحدث شيء صغير جدًا…
مكالمة… ضحكة… كلمة…
أو حتى مجرد هدوء أقل.
يكفي لتأجيل الفكرة مرة أخرى.

كل الذين اقتربوا من الحافة ثم عادوا…
يقولون نفس الجملة:
“حمدًا لله أني لم أفعلها”.

ليس لأن حياتهم صارت مثالية…
بل لأنهم اكتشفوا أن النفق – رغم امتداده – كان له نهاية، والصبح جاء، والوجع الذي ظنوه أبديًا طلع له تاريخ صلاحية.

يا صديقي…

الانتحار ليس شجاعة.
وليس راحة.
وليس حتى “حلًا أخيرًا”.

هو—ببساطة شديدة—خسارة كاملة.

خسارة لإنسان كان يمكن أن ينجو بعد أسبوع… أو شهر… أو حتى بعد ساعة واحدة فقط.
خسارة لقلب كان سيهدأ… لو صبر قليلًا.
خسارة لقصة… لم تُكمل فصولها بعد.

والأهم من كل هذا…
أنه معصية عظيمة.

في لحظة ضعف، يضع الإنسان نفسه في مواجهة خالقه…
ينهي ما لم يخلقه… ويغلق بابًا لم يُؤذن له بإغلاقه.

وليس هذا كلام وعظي محفوظ—بل حقيقة ثقيلة:
الحياة ليست ملكنا الكامل… حتى نقرر متى ننهيها.

لا تترك المسرح الآن.
الفيلم لم ينتهِ.
الفصل الأخير… لم يُكتب بعد.

الدنيا كالحلم، وستيقظ منه يومًا.
فلا تستيقظ على كابوس لأنك قطعت الحلم من منتصفه.

لو الفكرة في رأسك الآن فهذه ليست مصادفة. هذه إشارة.
اذهب لأقرب مستشفى. قل لهم: “أفكر في إيذاء نفسي”. سيهتمون.

أنا لا أعرفك، لكن يعز عليّ أن ترحل هكذا.
يعز عليّ أن تصدق الكذبة.

الحياة صعبة؟ نعم.
الأقارب غدروا؟ ربما.
الزمن داس عليك؟ ممكن.

لكن الله أكبر من كل هذا.
وربك الذي حرّم عليك قتل نفسك، هو نفسه الذي سيحاسب من آذاك.

اصبر. فقط اصبر.
الشروق قادم، حتى لو كان الليل طويلًا كليل امرئ القيس.

والزمن ليس غدارًا…
لكن البشر يغدرون.

فلا تجعل غدرهم… يدفعك أن تغدر بنفسك.

الحياة قاسية، نعم.
لكنها—بطريقة غريبة جدًا—تعطي فرصًا ثانية… لمن يصرّ على البقاء.

لو وصلت إلى هنا
فهذا ليس صدفة.

هذه محاولة أخيرة لإنقاذك.

ابقَ.

فقط… ابقَ.

Scroll to Top