إليك أيتها القارئة العزيزة

هناك لحظة غريبة في حياة أي كاتب… لحظة يدرك فيها أن كلماته لم تعد حبيسة رأسه.

لا أحد يخبرك متى ستحدث.

لا إعلان مسبق، لا موسيقى تصويرية، لا إضاءة درامية.

تحدث ببساطة… وأنت في الشارع، أو في طابور الخبز، أو بينما تحاول عبور الطريق دون أن تدهسك سيارة ميكروباص يقودها فيلسوف مستعجل.

ثم يحدث أن يوقفك أحدهم.

“أنا بقرأ لك.”

جملة قصيرة… لكنها كفيلة بأن تعيد ترتيب كيمياء دماغك بالكامل.

أنا كاتب مغمور… هذه حقيقة لا تحتاج إلى تجميل لغوي أو استعارة شاعرية.

عدد من يعرفونني لا يتجاوز أصابع اليدين، ولو خصمت منهم زملاء العمل والأقارب، لبقيت مع دائرة صغيرة جدًا تصلح لأن تكون جلسة شاي عائلية، لا جمهورًا أدبيًا.

أكتب… لأنني لا أعرف ماذا أفعل غير ذلك.

أكتب… لأن الفوضى داخلي تحتاج إلى ترتيب.

أكتب… لأنني كلما سكتُّ، ارتفعت الأصوات في رأسي.

ثم أنشر… ولا يحدث شيء تقريبًا.

ستة إعجابات؟ هذا يوم احتفالي.

تعليق واحد؟ أراجع حياتي وأفكر في كتابة رواية.

مشاركة؟ حسنًا… لقد بدأت أصدق أن هناك خطأ ما في الخوارزميات وليس فيّ!

لكن الحقيقة التي لا يحب الكُتّاب الاعتراف بها:

نحن نكتب كثيرًا… ونُقرأ قليلًا.

ثم فجأة… يحدث شيء لا يدخل في الحسابات.

توقفك سيدة بسيطة في الشارع، لها معرفة سابقة بك، لكنها ليست من “دائرة القراء المتخيلة” في ذهنك.

وتقول لك: “أنا بقرأ لك… وبحب اللي بتكتبه.”

وهنا… يتعطل المنطق.

ليس لأنك لم تتوقع الثناء… بل لأنك لم تتوقع القارئ.

ثم تمضي أبعد من ذلك… تسرد عناوين، تذكر أفكارًا، تعيد عليك جملًا كنت تظن أنها ذهبت إلى العدم، لتكتشف أنها استقرت في مكان ما… في عقل إنسان… في قلبه ربما.

وهنا فقط، يحدث الإدراك المؤلم الجميل:

“أنا لست أكتب في الفراغ.”

الكتابة فعل غريب…

أنت تجلس وحدك، تكتب لنفسك، تعيد صياغة أفكارك، تحذف وتضيف، تشك في كل جملة… ثم تضغط زر “نشر” وتنسى.

لكن الكلمات لا تنسى.

هي تشبه الزجاجات التي تُلقى في البحر…

بعضها يغرق فورًا…

بعضها يضل طريقه…

لكن بعضها… يصل.

يصل إلى شاطئ لا تعرفه، في وقت لا تتوقعه، لشخص لم تفكر فيه أصلًا.

وهذا وحده كافٍ لأن يجعل كل هذا العناء… منطقيًا.

المدهش أن التاريخ نفسه مبني على لحظات كهذه.

ليست دائمًا خططًا عظيمة أو مشاريع ضخمة… أحيانًا تكون مجرد كلمة.

أما قصة محمد الفاتح، فالثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش».

وقد نشأ محمد الفاتح في بيئة تربوية واعية، وكان معلموه يذكّرونه بهذا الحديث ويغرسون فيه أنه قد يكون ذلك الأمير، فكبر الحلم معه حتى صار مشروع حياة، لا حكاية تُروى، ولا أمنية عابرة.

وأما الإمام البخاري، فالقصة أدق وأجمل مما يُروى؛ إذ قال شيخه إسحاق بن راهويه يومًا لتلاميذه:

“لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم”

لم تكن أمرًا… كانت أمنية عابرة، جملة قيلت وانتهت، لكنها لم تنتهِ في قلب البخاري؛ بل استقرت، ونمت، وتحولت إلى مشروع عمر، خرج منه “الجامع الصحيح” الذي تلقته الأمة بالقبول جيلاً بعد جيل.

وكذلك زيد بن ثابت، حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم:

«إني والله ما آمن يهود على كتابي»

كانت مهمة محددة، لكن الكلمة كانت حاسمة، فتعلم لغة اليهود—كما في الرواية—في نحو نصف شهر حتى أتقنها، فصار لسانًا أمينًا يكتب ويترجم، ويؤمّن أمة كاملة من خطأ كلمة.

بل إن الأمر تجاوز الأفراد إلى مصائر أمم.

حين خرج طارق بن زياد يخطب في جنوده بعد عبور البحر، وقال كلمته الشهيرة: “البحر من ورائكم والعدو أمامكم”… لم يكن يلقي خطبة بل كان يغلق باب التردد، كلمة واحدة جعلت التراجع مستحيلاً، فكان الفتح.

وحين صاح صلاح الدين الأيوبي في جنوده وهو يحيي فيهم معنى الجهاد ويذكّرهم بالقدس، لم تكن خطبه مجرد حماس عابر، بل إعادة تشكيل لمعنى المعركة في نفوسهم، حتى صار تحرير القدس نتيجة منطقية لكلمات سكنت القلوب قبل أن تتحرك السيوف.

هي ليست معجزات…

هي كلمات… سقطت في التربة المناسبة.

وهنا تكمن الخطورة.

لأن الكلمة نفسها التي ترفع… قد تهدم.

جملة عابرة: “أنت لا تصلح لهذا”

قد تقتل مشروعًا قبل أن يولد.

نظرة سخرية، تعليق مستهزئ، تجاهل متعمد…

كلها أشياء صغيرة جدًا في نظر قائلها، لكنها قد تكون فاصلة في حياة شخص آخر.

نحن لا نعرف متى نكون في موقع التأثير.

ولا نعرف متى تكون كلمتنا هي “الشرارة” أو “المطر” أو “المسمار الأخير”.

عدتُ إلى مقالاتي بعد ذلك الموقف…

لكن هذه المرة، قرأتها كقارئ.

وهنا حدث شيء محرج قليلًا.

أعجبتني.

نعم… أعجبتني.

وجدت فيها جملًا جيدة، أفكارًا صادقة، لحظات صدق لم أكن أقدرها وقت كتابتها.

ورغبت—بكل طفولة—أن أضغط زر الإعجاب.

أن أكتب تعليقًا: “أحسنت يا فتى!”

لكنني تذكرت المجتمع… ذلك الكيان الغامض الذي لا يفعل شيئًا سوى المراقبة والضحك في صمت.

فتراجعت.

لكن الحقيقة بقيت:

“أنا أكتب شيئًا يستحق أن يُقرأ.”

وهذا ليس غرورًا… بل ضرورة.

لأن الكاتب الذي لا يؤمن بما يكتب، لن يصمد طويلًا.

في النهاية…

نحن لا نحتاج إلى جمهور بالملايين.

نحتاج إلى قارئ واحد… حقيقي.

قارئ يتوقف عند جملة، يفكر فيها، يتأثر بها، وربما—وهذا الأهم—يتغير بسببها.

قد تكون تلك السيدة البسيطة…

أو ذلك الشاب الذي يقرأ في المواصلات…

أو صديق يمر مرور الكرام فيجد نفسه عالقًا في فكرة.

هؤلاء هم “رأس المال” الحقيقي.

لذلك…

لا تبخل بكلمة طيبة.

ولا تستهن بكلمة سيئة.

اكتب… حتى لو لم يقرأك أحد اليوم.

قل كلمة تشجيع… حتى لو ظننت أنها لن تُحدث فرقًا.

لأنك ببساطة… لا تعرف.

لا تعرف أي كلمة ستبقى…

وأيها ستغير إنسانًا…

وأيها ستعود إليك يومًا، على هيئة سيدة بسيطة في شارع مزدحم، تقول لك:

“أنا بقرأ لك.”

وهذا… أكثر من كافٍ.

Scroll to Top