
أنا شخص يحترم ذاته.
وهذه ليست جملة إنشائية ولا شعارًا تحفيزيًا، بل إجراء وقائي.
إجراء يشبه ارتداء الخوذة قبل دخول معركة غير متكافئة.
هذه جملة ثقيلة، لكنها في مصر تعني ببساطة أن تختار وسيلة نقل لا تختبر فيها إنسانيتك كل عشر دقائق، ولا تُفاجأ بأن أحدهم قرر أن يجعل ركبتك معرضًا متنقلًا لبضاعته.
ولهذا أسافر غالبًا بالقطار VIP.
ليس ترفًا، ولا تباهيًا، ولا لأنني أكره الناس، – رغم أن بعض المواقف تجعل الفكرة مغرية – أو لأحتسي القهوة الإيطالية أثناء الرحلة – فالقهوة هنا لا تزال قهوة … إيطالية بالاسم فقط –
بل لأنني أحب نفسي بالقدر الكافي، وأعاملها ككائن يستحق النجاة، ولا أحتمل أن يُلقَى على ركبتي كيس جوارب، أو شريط لبان، أو حلوى مجهولة المصدر،
ثم يُنظر إليّ بنظرة تقول:
«إمّا أن تشتري… أو نختبر مدى صلابة وجهك».
لكن، وكما يحدث في المآسي الإغريقية، لكل إنسان لحظة ضعف.
لحظة واحدة كفيلة بأن تهدم تاريخًا كاملًا من الحكمة.
ولحظتي كانت ذلك اليوم الذي وقفتُ فيه أمام شباك التذاكر،
وكنت أظنني مسيطرًا على زمام الأمور.
فوجدت الـ VIP ممتلئًا عن آخره… كأنه قرر أن يعاقبني شخصيًا،
والدرجة الأولى والثانية قررتا أن تأخذا إجازة جماعية غير مدفوعة، بلا سابق إنذار.
ولم يتبقَّ إلا قطارٌ متوسط…
ذلك الكائن الغامض الذي لا هو جحيمٌ صريح، ولا نعيمٌ يمكن الدفاع عنه.
فهو يقبع في منطقة رمادية أخلاقيًا ونفسيًا.
قطار يركبه الوسط من العامة.
لا الفقراء جدًا الذين لا يملكون خيارًا،
ولا الميسورون الذين لا يملكون أعصابًا.
الطبقة التي لا تملك رفاهية الاعتراض،
ولا شجاعة الانهيار.
طبقة تتقن فن البلع الصامت
طبقة تجلس في المنتصف…
وتتلقى الضربات من كل اتجاه.
جلستُ.
وهنا تبدأ القصة فعليًا … بل المأساة!!
وما إن جلست حتى اكتشفت الحقيقة الكبرى:
اكتشفت فورًا أن تصميم المقاعد مستوحى من فكرة تعذيب صينية قديمة.
ظهرك يجب أن يكون مفرودًا كأنك في طابور عسكري،
وقدماك ملتصقتان بقدم من أمامك التصاقًا حميميًا غير مرغوب فيه،
حميمية قسرية لا يسبقها تعارف.
كأن القطار قرر فجأة أن يحول الركاب إلى أسرة واحدة…
دون استئذان.
والويل… كل الويل…
إن كان الجالس أمامك امرأة.
لأن المجتمع – في تلك اللحظة تحديدا – ينصب لك محكمة أخلاقية فورية؛
قضاة بلا ملفات، وأحكام بلا مرافعة.
والمفترض أنك إنسان محترم،
والإنسان المحترم لا يتحرك.
أي حركة منك تُعد تحرشًا،
وأي تأوه دليل إدانة،
وأي محاولة لتغيير وضعك هي خيانة عظمى للأعراف.
أنت مطالب بأن تتحول إلى تمثال للتهذيب.
تمثال يتألم في صمت، لا يمد قدمه، لا يغير وضعه، لا يتنفس بعمق.
ويظل يفكر في ذنوبه السابقة، ويعيد حساباته مع الحياة.
نعم؛ أنت تمثال، والقطار متحف متنقل.
وفي إحدى المحطات،
صعدت السيدة الفاضلة.
الفاضلة بحكم السن، لا بحكم المزاج،
تجاوزت سن المعاش بعدد من السنين لا بأس به،
لكن روحها لم تتجاوز سن الشكوى أبدًا.
معها ابنها…
ذلك الكائن الخفيف الظل،
الذي لو وضعته في جنازة لجعل المشيعين يضحكون.
وإن وصفتَه – في تلك الساعات العابرة – بالابن العاق خفيف الدم فلن ألومك،
لأن خفة دمه كانت سلاحًا أبيض يطعن به أعصاب أمه كل دقيقة بلا رحمة.
منذ أن وضعت قدميها في العربة،
والسيدة في حرب مفتوحة مع القطار،
والكراسي،
والجو،
والركاب،
ومعي…
نعم، معي أنا تحديدًا، وكأنني رئيس هيئة السكك الحديدية متخفيًا،
أو كأنني صممت هذا القطار بيدي،
أو على الأقل أصبحت كبش فداء لكل عيوبه.
— «هو القطر دا كدا ليه؟!»
— «دا أسوأ قطر ركبته في حياتي!»
— «دا مش قطر دي حاجة آخر قرف، مش عارفة مستحملينه إزاي!»
— «وايه كمية البياعين اللي في القطر دول؟!»
وبرغم كل اعتراضها على هؤلاء الباعة إلا أنها لم تفوت فرصة مرور أحدهم حتى تشتري منه بسبب وبلا سبب، ضاربة باعتراضها عرض الحائط.
والابن يزيد الطين مرحًا عدائيا بخفة دم نادرة،
يضحك،
ويضيف زيتًا على النار،
ويصنع من كل جملة نكتة،
ومن كل شكوى فقرة من مسرحية.
كأن أمه ليست غاضبة،
بل تؤدي عرضًا كوميديًا تجريبيًا.
أما أنا…
فكنت الهدف الصامت، والجمهور الإجباري.
تُلقى الشكوى في اتجاهي،
وكأن وجودي بجوارها هو السبب الحقيقي لكل هذا الخراب.
وفجأة قررت السيدة أن تبدأ الهجوم المباشر ضدي وتعصف بي عصفا.
— «يعني بصراحة… القطر ده ما يتسكتش عليه.»
أهزّ رأسي هزة خفيفة، محسوبة، تشبه هزة موظف خدمة عملاء انتهى دوامه نفسيًا منذ ساعتين.
— «مممم…»
تتلقف الـ«مممم» كدعوة مفتوحة لاستئناف الهجوم.
— «يعني الواحد بيدفع فلوسه وفي الآخر يقعد القعدة دي!»
أهزّ رأسي مرة أخرى.
هزة أعمق قليلًا.
هزة تقول: نعم… العالم ظالم… والقطار جزء من المؤامرة.
— «ولا الكراسي… ولا التكييف… ولا الناس!»
أضم شفتيّ، وأُخرج تنهيدة قصيرة، لا أكاد أسمعها؛
أزوم حيادية،
لا تؤيد،
ولا تعترض،
خاصة أنني واحد من هؤلاء الناس الذين تهاجمهم.
لكنها – للأسف – تُفهم على أنها اهتمام.
فتقترب أكثر…
— «أصل أنا ركبت قطرات كتير… بس زي ده؟ لا.»
أميل برأسي ناحية الشباك.
ليس هروبًا…
بل محاولة بائسة للاندماج مع الزجاج،
ربما أتحول إلى منظر طبيعي.
كل حركة مني تُقرأ كعلامة على اهتمام،
وأي محاولة للتنفس أعمق تعتبر موافقة ضمنية على الحرب،
وأي نظرة قصيرة نحو ابنها تُفسر كخطوة نحو التحالف ضد الإنسانية.
— «يعني هو إحنا ناقصين؟!»
أهزّ رأسي دون أن أنظر.
هزة آلية.
هزة زرعتها الحياة في عنقي منذ سنوات.
— «والواحد لما يكبر كده… الأعصاب ما تبقاش مستحملة.»
— «مممم…»
أقولها هذه المرة بصوت أخفض،
أشبه باعتراف متأخر.
الابن يضحك.
هي تواصل.
والقطار يمضي.
— «يعني بصراحة… أنا لو بإيدي…»
لا أعرف ماذا لو بيدها.
ولا أريد أن أعرف.
أكتفي بهزة رأس أخيرة،
هزة وداع نفسي،
هزة تقول: تفضلي… خذي ما تبقى من صبري… لم أعد أحتاجه.
وأدرك، في تلك اللحظة الفلسفية الحاسمة،
أن بعض الحوارات لا تحتاج ردودًا،
بل تحتاج رقبة مرنة،
وصدرًا واسعًا،
وإيمانًا عميقًا
بأن الصمت…
أحيانًا…
هو أعلى درجات النجاة.
في تلك اللحظة بالذات،
بدأت أتمنى، من أعماق قلبي،
أن يتعطل القطار.
ليس نكاية فيها،
بل رغبة فلسفية خالصة: اكتمال المشهد.
لأن الكون – كما تعلمنا –
لا يقدم مأساة ناقصة.
ولا يمنحك تجربة خالصة دون وقفة طويلة في العدم،
بين محطتين،
حيث لا شبكة، ولا أمل، ولا تفسير.
فلا مشهد درامي يكتمل دون تعطل،
ولا مأساة تحترم نفسها دون وقوف في الصحراء.
لكن القطار – للأسف – كان ملتزمًا وخذلني.
وصل القاهرة في موعده.
وصل وكأن شيئًا لم يحدث،
وصل وأنا أجرّ روحي جَرًّا،
وألعن في سري تلك اللحظة التي وقفتُ فيها أمام شباك التذاكر، وابتعت تلك التذكرة اللعينة.
وصلت القاهرة،
وقد تعلمت درسًا عميقًا:
أن القطار ليس وسيلة نقل…
بل اختبار صبر،
وأن الدرجة التي تجلس فيها لا تحدد راحتك،
بل عدد القصص التي ستكتبها لاحقًا.
إنه مرآة مصغرة للحياة:
تجلس فيه مجبرًا،
بجوار أشخاص لم تخترهم،
في وضع غير مريح،
وتُطالب بأن تكون مهذبًا…
وأنت تتألم.
تكتشف أن المشكلة ليست في المقعد،
ولا في السيدة،
ولا حتى في القطار،
بل في الفكرة العبقرية التي تقول لك دائمًا:
«ما تستحمل شوية».
نعم، نستحمل.
لكننا لا ننسى.
نخرج من الرحلة أضعف قليلًا،
أسخر أكثر،
وأفهم – متأخرًا –
أن احترام الذات يبدأ أحيانًا من تذكرة.
وأن بعض الرحلات،
حتى وإن انتهت،
تظل جالسة داخلك…
تلصق قدمها بقدمك،
وتصرّ على ألا تتحرك.