رحلة في القطار

القطار مكان لا يمكن أن تكذب فيه.
قد تكذب في المكتب،
في البيت،
في الحب،
لكن في القطار…
تُسحب الأقنعة كما تُسحب التذاكر.

أنت تجلس هناك،
مضطرًا،
محاصرًا بأجساد لا تعرفها،
وأصوات لا تستطيع الهروب منها،
ورائحة شاي مغلي أكثر مما ينبغي.


أول ما تتعلمه في القطار:
أن المقاعد ليست للجلوس فقط،
بل للاعتراف القسري.

تجلس بجوار رجل لم تره من قبل،
وبعد عشر دقائق
يعرف اسمك،
وظيفتك،

فريقك المفضل،
رأيك في الحكومة،
سبب فشل زواجك – حتى لو لم تتزوج -.

لا تسأله أنت شيئًا،
لكنه يتكفل بالمهمة كاملة.


في القطار ترى كل أنواع البشر،
لكنهم جميعًا يؤدون أدوارهم بإخلاص شديد،
كأنهم يعلمون أن لا مهرب من هذا المسرح المتحرك.


هناك الرجل الحكيم.

يظهر فجأة من العدم،
غالبًا يحمل كيسًا بلاستيكيًا،
ويجلس بثقل واضح،
ثم يقول دون مقدمات:
— «الدنيا دي غريبة».

يعرف أنه فتح موضوعًا لا نهاية له،
لكنه لن يكمله،
سيتركك معلّقًا مع الجملة
وينظر من الشباك
كأن الحكمة تطل هناك.


وبجانبه يجلس ذلك الشاب المتأفف.

سماعات في أذنيه،
لكن الصوت عالٍ بما يكفي لتسمع الأغنية.
ينظر في هاتفه بملل،
ويتنهد كل دقيقتين،
كأن القطار شخصيًا أفسد له الحياة.

لو سألته عن وجهته، أو عن سبب تأخر القطار، أو حتى ما الوقت الآن؟
سينظر إليك أولًا
نظرة شخص أُخرج فجأة من أزمة وجودية عميقة،
ثم يجيبك بكل اشمئزاز،
كأنك لم تسأله سؤالًا عابرًا،
بل شككت في قراراته المصيرية منذ الطفولة،
أو ذكّرته بأن هذا القطار
لم يكن حلمه الكبير في الحياة،
وكأنك مسؤول مباشرة
عن هذا المصير القاسي المحتوم،
وعن التأخير،
والزحام،
وسوء الشبكة،
وربما عن الطقس أيضًا.


لا تخلو عربة من البائع الجوال.

يدخل وكأنه صاحب المكان،
يحمل بضائع لا تحتاجها،
ويشرح فوائدها الصحية،
الدينية،

والكونية.

لو رفضت الشراء،
ينظر إليك نظرة تحمل خيبة أمل إنسانية عميقة،
كأنك خذلت الأمة كلها.

كأن قرارك بعدم الشراء
ليس مسألة ذوق أو حاجة،
بل موقف أخلاقي مشبوه.

لا يلومك صراحة،
بل يمضي في متابعة عمله،
وهو يكرر نفس الجملة،
كمن يحاول إنقاذ ما تبقى
من إيمانه بالبشر.


ثم تأتي السيدة صاحبة الحكاية.

تحمل طفلًا نائمًا،
وحقيبة ضخمة،
وتبدأ الكلام دون إذن:
— «أنا أصلًا ما كنتش ناوية أركب القطر ده».

ولا أحد يعرف لماذا ركبته إذن،
لكن الحكاية تمضي،
وتتشعب،
وتدخل فيها شخصيات لم تركب القطار أصلًا.

تظهر خالة بعيدة،
وجارة لا تحبها،
وسلفة لم تُسدَّد،
وطبيب لم يكن في يومه،
وقدَر ظالم يمر مرور الكرام.

الطفل يستيقظ،
ثم ينام مرة أخرى،
والحكاية لم تصل بعد
إلى منتصفها.

وأنت لا تعرف بالضبط
هل تحاول أن تفهم،
أم تنتظر اللحظة
التي ستتذكر فيها
أنك لم تسأل أصلًا.

لكنها تواصل الحديث بثقة كاملة،
كأن القطار كله
ركب اليوم
من أجل أن يسمع هذه القصة تحديدًا،
وكأن صمتك
موافقة رسمية
على الجزء القادم.


في القطار ترى الزمن بوضوح.

هناك من يستعجل الوصول،
ومن يخافه،
ومن لا يعرف إلى أين هو ذاهب أصلًا
لكنه ركب لأن الجميع ركب.

وفي لحظة ما،
أدركت أنني لست متفرجًا بريئًا.
أنا أيضًا أؤدي دوري بصمت.
أبدو هادئًا،
لكن رأسي مزدحم بحوارات لم أنطق بها،
وأحكام أطلقتها في سري،
واعترافات مؤجلة كنت سأقولها،
لو كانت الرحلة أطول بقليل.


القطار يعلمك شيئًا مهمًا:
نحن لا نختار دائمًا المقاعد،
لكننا نختار كيف نتحمل الرحلة.


في منتصف الطريق
يتوقف القطار فجأة.

لا أحد يعرف لماذا،
ولا أحد يسأل.

الصمت يسود لحظة،
ثم يعود الكلام،
والشكوى،
والفلسفة.

التوقف جزء من الرحلة،
مثل الخيبات الصغيرة في الحياة،
نتقبلها لأننا لا نملك بديلًا.


أنظر من النافذة
فأرى بيوتًا تمر كالأفكار،
وأشخاصًا يقفون،
يودعون،
أو ينتظرون قطارًا آخر.

أتساءل:
كم من القصص تبدأ هنا،
وكم منها ينتهي
قبل أن يصل؟


أجمل ما في القطار
أنه مؤقت.

لا علاقة ستدوم،
ولا جدال سيكتمل،
ولا صداقة ستُختبر.

كل شيء ينتهي عند المحطة،
فنرتاح من الالتزام،
ونغادر كما دخلنا…
غرباء قليلًا.

وربما لهذا
نحب القطار رغم ضيقه،
لأنه يمنحنا نسخة مؤقتة من الحياة،
بلا التزامات طويلة،
ولا وعود تحتاج تنفيذًا،
فقط وجود عابر
يذكّرك أنك لست وحدك،
حتى وأنت تشعر بذلك.


حين أصل إلى محطتي،
أحمل حقيبتي،
وأترك خلفي كل هذه الوجوه.

لكنني أعرف أن:
القطار لم يكن وسيلة نقل فقط،
بل درسًا مختصرًا عن البشر:
نركب معًا،
نتضايق معًا،
نضحك أحيانًا،
ثم ينزل كلٌ في محطته
وكأن شيئًا لم يكن.


القطار يشبه الحياة إلى حدٍ مقلق.
لا تختار بدايته،
ولا تعرف نهايته،
لكن الرحلة…
مليئة بما يستحق الملاحظة.

وكلّ هذا مجرّد مشهدٍ عام…
فالقطار حكايةٌ جماعية،
تتزاحم فيها الوجوه والأصوات واللحظات العابرة.
أمّا سيدة القطار،
فهي حكايةٌ منفردة،
لا تُروى على عجل،
ولا تُحتمل دون وقفةٍ مستقلة،
تحتاج مقعدًا خاصًا…
ومقالًا كاملًا.

انتظروا حكاية سيدة القطار قريبًا.

Scroll to Top