
ليس أوّل حقوق الأبناء بعد قدومهم إلى الدنيا، بل أوّلها قبل أن يُكتب عقدٌ، أو تُجهَّز حفلةٌ، أو يُسمع بكاءُ مولود… إنّه حقٌّ يُصنع في لحظة الاختيار: حُسن اختيار الأب والأم لشريك الحياة. فالأبناءُ لا يبدأ حقُّهم عند الميلاد، بل عند اختيار من سيُولدون منه.
وقد وضع الإسلام هذا الأصل العظيم، حين ربط بين الزواج والذرية والرزق الطيب، فقال الله تعالى:
﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾.
فالزواجُ ليس متعةً لحظية، بل مشروعُ أُمّةٍ صغيرةٍ تُبنى داخل البيت، وإذا كان المشروعُ الأبناء، فالأساسُ الذي يقوم عليه هو اختيار الزوج والزوجة.
🌸 الرجلُ يختار أمَّ أبنائه قبل أن يختار زوجته 🌸
لقد علّمنا النبي ﷺ معيار الاختيار، حين قال:
«تُنْكحُ المرأةُ لأربع: لمالِها، ولحَسبِها، ولجمالِها، ولدِينها… فاظفَر بذات الدِّين تربت يداك».
فالمالُ يزول، والجمالُ يخفُت، والنسبُ لا يُصلح قلبًا فاسدًا،
أمّا الدينُ والخلقُ فهما الميراثُ الذي ينتقل بلا ضجيجٍ إلى الأبناء.
ويقول النبي ﷺ أيضًا :
«الدنيا متاع، وخيرُ متاعِ الدنيا المرأةُ الصالحة».
ومن صفات المرأة الصالحة ما جاء في قول النبي ﷺ
«خيرُ النساءِ من تسرّكَ إذا أبصرتَ، وتطيعك إذا أمرتَ، وتحفظ غيبتك في نفسها ومالك».
وفي قوله:
«من رزقه اللهُ امرأةً صالحة، فقد أعانه على شطرِ دينه… فليتق الله في الشطرِ الباقي».
ولذلك قال العلماء:
إن اختيار الزوجة الصالحة ليس فضلًا، بل فقهُ أبٍ يُريد ذريةً مطمئنة،
فالأمُّ مدرسةُ البيت،
ومناهجُ هذا البيت… تُطبع في قلوب الأبناء.
🧩 والزوجة أيضًا تختار أبًا صالحًا لأبنائها قبل أن تختار زوجًا لقلبها 🧩
وهذا المعنى تُطرّزه الأدلة بقدر ما تُطرزه المشاعر:
فالزوجُ الصالحُ عَونٌ على الدين، وأبٌ آمنٌ تُسند إليه التربية.
وفي باب اختيار الزوج، قال ﷺ في الحديث المشهور:
«إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه».
فدينُ الرجل وخلقُه هما أوّل ضمانةٍ لاستقامة البيت،
وهما أوّل حقٍ للأبناء: أن يكون أبوهُم قدوةً لا عبئًا.
وقد لخّص النبي ﷺ المسؤولية التربوية حين قال، فيما رواه:
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:
«كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته… والمرأةُ راعيةٌ على بيت زوجها وولده، والرجلُ راعٍ على أهل بيته».
فانظري وتأمّلي:
هو راعٍ عليكِ،
وأنتِ راعيةٌ على أبنائه،
والأبناءُ بينكما أمانة… تبدأ بحقّ الاختيار.
🔍 كيف يؤثّر اختيار الأم والأب على الأبناء؟
حين تختارين زوجًا صالحًا، فأنتِ تختارين لأبنائك:
👶 أبًا يُصلّي قبل أن يُناديهم للصلاة.
👶 ولسانًا لا يُخرّب آذانهم بالكلمات القاسية.
👶 ويدًا لا تعرف العنف، بل تعرف البناء.
👶 وعينًا لا تتلوّث، بل تغضُّ بصرها لأن قلبه شَبِعَ بالحلال.
👶 وبيتًا لا يحتاج إلى ترميمٍ نفسيٍ بعدها.
وحين يختار الرجلُ زوجةً صالحة، فإنه يختار لأبنائه:
👧 أمًا لا تربيهم فقط بالطعام واللباس،
بل بـ الذكر، والقيم، والصدق، والحياء، وحُسن العشرة.
👧 أمًا لا تُفسد الأب في عين أبنائه، ولا تُفسد الأبناء حين يغيب الأب.
👧 أمًا تقود البيت باليُسر لا بالعُسر.
ولهذا قال العلماء:
“الأبناءُ نسخةٌ من رئة البيت،
إن كان الهواءُ طيبًا… تنفّسوا صلاحًا،
وإن كان ملوّثًا… تشرّبوا اضطرابًا”.
وقد قال أحد العلماء في معنى التربية بالمشاهدة والسلوك، لا بالنصائح فقط:
“قد ينسى الابنُ ما قيل له…
لكنه لا ينسى ما رآهُ في بيت أبويه”.
🌷 أثرُ اختيار الزوج الصالح على صلاح الأبناء
- غضُّ بصر الزوج عن الحرام لأنه اكتفى بالحلال… يحفظ البيت من المقارنات.
- صدقهُ في الالتزام… يولّد أبناءً يعرفون معنى القدوة.
- لينُه في التعامل… يُنتج أبناءً أسوياء المشاعر.
- عبادته الخفية… تفيضُ نورًا على القلوب الصغيرة في المنزل دون أن يشعر.
قال ﷺ:
«من سعادة ابن آدم: المرأةُ الصالحة، والمسكنُ الصالح، والمركبُ الصالح… ومن شقائه: المرأةُ السوء، والمسكنُ السوء، والمركبُ السوء».
فإذا كانت المرأةُ السوءُ شقاءً للرجل،
فهي شقاءٌ للبيت،
وأول الشقاء يصيب الأبناء.
🌼 رسالة أخيرة لكل أبٍ وأمٍ في ميدان الاختيار 🌼
يا من تريدون أبناءً صالحين…
اختاروا لهم قبل أن يختاروا لأنفسهم.
لا تبحثوا عن زوجٍ مثالي،
بل عن زوجٍ يعرف الله… فيعرف الرحمة.
ولا تبحثوا عن زوجةٍ تملك جمالًا يبهِر الناس،
بل عن زوجةٍ تمتلك دينًا يبهِر القلوب.
فحين تُبنى العلاقة بالحلال،
وتُروى العشرة بالمودة،
ويتبادل الزوجان الجمال في العيون الحلال،
تولد ذريةٌ قويةٌ لا بفساطينها، ولا بمالها،
بل بقيم البيت الذي يسكنهُ الله قبل أن يسكنهُ الأبناء.