اطمئن … لكن لا أحد يطمئن أبدًا!!

أكثر جملة تُقال في حياتنا، ولا تُصدق أبدًا، هي:
— «ما تقلقش».

تُقال في المستشفى،
في الامتحان،
في الحب،
في السياسة،
وفي الجنازات أحيانًا.

الغريب أن هذه الجملة لا تُقال إلا حين يكون القلق في أقصى حالاته،
كأنها إعلان رسمي بأن الوضع سيئ،
لكن لا نريد الاعتراف.


مثلًا… الطبيب.

يخرج من غرفة الكشف،
ينظر في التحاليل،
يعدل نظارته،
ثم يقول بابتسامة مطمئنة:
— «الموضوع بسيط».

تعرف فورًا أن الموضوع ليس بسيطًا على الإطلاق.
لو كان بسيطًا فعلًا لقال:
— «كله تمام».
لكنه قال «بسيط»،
أي أنه معقّد،
لكننا سنتظاهر بالعكس.

ثم يتبعها بجملة أخطر:
— «اطمّن».

هنا يبدأ قلبك في التفكير بخيارات الهروب.


طمأنة أخرى شهيرة: النتيجة.

تسأل صديقك بعد الامتحان:
— «عملت إيه؟»
فيرد سريعًا:
— «زي الفل… كان سهل جدا».

تعرف أنه كتب اسمه على الورقة بصعوبة،
وأن عقله توقف عند السؤال الثاني،
وأن «زي الفل» هنا تعني:
«لا أريد الحديث عن هذا الآن، ولا بعد الآن!!.


هناك طمأنة عاطفية لا تخطئها العين.

تقول لك:
— «أنا معاك».
لكن هاتفها صامت،
ورسائلها متقطعة،
ونبرة صوتها توحي بأن لديها خططًا بديلة.

طمأنة من هذا النوع تشبه مظلة في إعصار:
وجودها شكلي،
لكنها تجعلك تشعر أنك فعلت ما عليك.


حتى المسؤولون لديهم طمأنتهم الخاصة.

— «الأمور تحت السيطرة».
لا أحد يعرف ما هي الأمور،
ولا أين السيطرة،
لكن الجملة جاهزة،
ومُجرّبة،
وتعمل دائمًا…
على تهدئة المتحدث فقط.


ذات مرة تعطلت بنا السيارة في طريق صحراوي،
فقال السائق بثقة:
— «ما تقلقوش… العربية بتهزر».

لم أفهم كيف تمزح السيارات،
ولا لماذا تختار الصحراء تحديدًا،
لكنني شعرت أن القلق أصبح واجبًا أخلاقيًا.


الأمر لا يتوقف عند الكبار.

حتى الأطفال يطمئنونك.

يسقط الطفل،
ينزف،
ثم يقول:
— «مش بتوجعني».

يعرف أن الألم قادم،
لكنه يحاول تأجيله بالكلام.

نحن نفعل الشيء نفسه…
لكن مع فواتير،
وعلاقات،
وأعمار تضيع.


الطمأنة ليست كذبًا دائمًا،
هي في الغالب رجاء.

رجاء أن تمر اللحظة،
أن تتأجل الصدمة،
أن يصدق الكون معنا هذه المرة.

لكن المشكلة أننا نطمئن أكثر مما نفهم،
ونهدّئ أكثر مما نواجه.


أحيانًا أتمنى أن يقول لي أحدهم بصدق:
— «قلقك في مكانه».
— «الموضوع صعب».
— «لا أعرف كيف سينتهي الأمر».

أشعر أن هذا سيكون مطمئنًا أكثر.
لأن الحقيقة، مهما كانت قاسية،
أخف وطأة من طمأنة كاذبة
تنهار في أول اختبار.


نحن لا نحتاج دائمًا لمن يقول:
«لا تقلق».
نحتاج لمن يجلس بجوارنا ويقول:
— «قلقك مفهوم… وأنا هنا».

وهذا،
للأسف،
ليس جملة شائعة.

Scroll to Top