أحمد خالد توفيق

أحمد خالد توفيق… الكاتب الذي وصل متأخرًا لكنه جلس في القلب فور وصوله

هناك كُتّاب نقرأ لهم فنُعجب،

وكُتّاب نحبهم فنغفر لهم،

ثم هناك أحمد خالد توفيق…

الذي لا تحتاج أن تلتقيه في حياته كي تشعر أنه كان يعرفك شخصيًا.

لم أقرأ لأحمد خالد توفيق قبل وفاته.

أقولها الآن دون خجل، رغم اهتمامي المبكر بالأدب والروايات، ورغم أن اسمه كان حاضرًا في الخلفية دائمًا، يتردد في أحاديث الأصدقاء، وعلى أرفف المكتبات، وفي نبرة الحنين عند من سبقونا إلى القراءة.

كنت أعرف أنه “عرّاب الجيل”، لكنني ـ كعادة البشر مع الأشياء المضمونة ـ أجّلت اللقاء. ظننت أن الكتب لا تموت، وأن الكاتب موجود دائمًا في صفحاته، ولم يخطر ببالي أن بعض الغياب يغيّر طعم القراءة إلى الأبد.

حين رحل أحمد خالد توفيق، شعرت بشيء غريب: حزن على شخص لم أعرفه، وندم على فرصة لم أستغلها.

كان الأمر يشبه أن تفوّت موعدًا مع صديق قديم، ثم تُخبر فجأة أنه لن يأتي أبدًا. عندها فقط، فتحت كتبه.

وحدث ما لم أكن أتوقعه.

لم أدخل عالم أحمد خالد توفيق كقارئ عادي، بل كزائر متأخر يحمل اعتذارًا صامتًا.

بدأت القراءة، فاكتشفت أنني لا أقرأ روايات بقدر ما أستمع إلى صوت إنساني صادق، ساخر، متعب، لكنه نبيل.

صوته لا يعلو عليك، لا يستعرض عضلاته اللغوية، لا يزعم الحكمة المطلقة، بل يجلس جوارك، يحكي لك، ويضحك معك، ثم يربت على كتفك في اللحظة المناسبة.

في مجموعاته ورواياته، وجدت الأدب بلا أقنعة.

وجدت الخيال دون ادعاء، والرعب دون ابتذال، والسخرية دون قسوة.

أحمد خالد توفيق كان يكتب عن الموت، والمرض، والفشل، والخوف، لكنه كان يفعل ذلك بابتسامة خفيفة، كأنما يقول: “أنا أعرف قسوة العالم… لكننا سنضحك رغمًا عنه”.

أكثر ما آلمني وأنا أقرأ له بعد رحيله، أنني كنت أسمع صوته واضحًا جدًا.

كنت أستطيع تخيّل تعليقاته، تردده، سخريته من نفسه قبل الآخرين.

شعرت أنني تأخرت عن زمن كامل، عن جيل تربّى على كلماته، كبر معه، وتشكل وعيه الأدبي والإنساني عبر سطوره. وأنا… وصلت متأخرًا، ألتقط ما تبقى من الدفء.

لكن الغريب، أن أحمد خالد توفيق لا يعاتب.

كتبه لا تسألك: “لماذا تأخرت؟”

بل تفتح لك الباب وتقول: “أهلاً… كنت أعلم أنك ستأتي يومًا”.

تأثري به لم يكن صاخبًا، لم يكن انبهارًا لحظيًا، بل تراكمًا هادئًا.

كلما قرأت أكثر، اكتشفت أن هذا الرجل لم يكن يكتب ليُدهش، بل ليواسي.

لم يكن يريد قارئًا مبهورًا، بل صديقًا يفهم الإشارة، ويلتقط السطر الذي كُتب خصيصًا له.

كنت أتمنى ـ بصدق ـ أن أقرأ له قبل وفاته، لا لأقول إنني كنت هناك، بل لأشعر أنني عشت هذا الحوار وهو حي. أن أختلف معه، أضحك من تعليقاته الجديدة، أنتظر كتابه القادم.

لكن ربما كان في هذا التأخر درس قاسٍ: أن بعض الكُتّاب لا يُقرأون في الوقت المناسب، بل في الوقت الذي نكون نحن فيه مستعدين لهم.

أحمد خالد توفيق لم يكن مجرد كاتب روايات، بل حالة إنسانية نادرة. ترك وراءه كلمات لا تشيخ، وسخرية لا تصدأ، وصدقًا نفتقده كثيرًا.

قرأته متأخرًا، نعم… لكنني حين قرأته، أدركت أن بعض الكُتّاب لا يموتون، بل ينتظروننا بهدوء، حتى نكبر بما يكفي لنفهمهم.

وهذا، في حد ذاته، عزاء متأخر… لكنه حقيقي.

 

Scroll to Top