
اَلْمُقَدِّمَةُ
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَحَبِيبُهُ وَخَلِيلُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، حَقَّ التَّقْوَى، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّ حِفْظَ الْعُمُرِ وَصِيَانَةَ الْوَقْتِ مِنْ ضَيَاعِهِ فِي الْمُحَقَّرَاتِ دَيدَنُ الْمُوَفَّقِينَ، وَنَهْجُ أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ تَشْتَدُّ عِنَايَتُهُمْ بِمَوَاسِمِ الْعُمُرِ الَّتِي هَيَّأَهَا الرَّبُّ الْكَرِيمُ لَهُمْ، وَحَثَّهُمْ عَلَى اغْتِنَامِ فُرْصَتِهَا بِبَذْلِ أَسْبَابِ الزُّلْفَى إِلَيْهِ بِأَلْوَانِ الطَّاعَاتِ.
وَإِنَّ أَيَّاماً أَمَرَ اللَّهُ بِذِكْرِهِ فِيهَا لَهِيَ مِنْ أَجَلِّ الْأَيَّامِ وَأَعْظَمِهَا وَأَشْرَفِهَا، وَأَحْرَاهَا بِأَنْ تُصْرَفَ إِلَيْهَا الْجُهُودُ، وَأَنْ تَتَّجِهَ إِلَى عِمَارَتِهَا الْقُلُوبُ وَالْجَوَارِحُ بِخَيْرِ مَا تُعْمَرُ بِهِ. إِنَّهَا -يَا عِبَادَ اللَّهِ- الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ بِقَوْلِهِ: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203].
وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةُ التَّالِيَةُ لِيَوْمِ النَّحْرِ، وَالَّتِي وَصَفَهَا رَسُولُ الْهُدَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَهُنَّ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» [رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ].
إِنَّهَا الْأَيَّامُ الْمُبَارَكَةُ الَّتِي اجْتَمَعَ لِلْمُسْلِمِ فِيهَا نَعِيمَانِ: نَعِيمُ الْقَلْبِ بِالذِّكْرِ وَالشُّكْرِ، وَنَعِيمُ الْبَدَنِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالتَّمَتُّعِ بِالْمُبَاحَاتِ. فَلَمْ تَكُنْ أَيَّامَ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَفَرَحٍ فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ مَوَاسِمُ عِبَادَةٍ عَظِيمَةٍ، يَخْتَلِطُ فِيهَا سُرُورُ الْعِيدِ بِحَلَاوَةِ الذِّكْرِ، فَيَشْعُرُ الْمُسْلِمُ أَنَّ حَيَاتَهُ كُلَّهَا لِلَّهِ؛ فَرَحُهُ لِلَّهِ، وَنُسُكُهُ لِلَّهِ، وَكَلِمَاتُهُ لِلَّهِ.
فَضْلُ الذِّكْرِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّ الذِّكْرَ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ وَأَجَلِّ الْقُرُبَاتِ عِنْدَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَقَدْ تَضَافَرَتِ النُّصُوصُ الْقُرْآنِيَّةُ وَالنَّبَوِيَّةُ فِي الْحَثِّ عَلَيْهِ وَبَيَانِ فَضْلِهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41-42].
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152].
وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت: 45].
وَقَالَ تَعَالَى: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35].
وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المنافقون: 9].
وَقَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].
وَفِي السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ].
وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» قِيلَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا أَنْ يُضْرَبَ بِسَيْفِهِ حَتَّى يَنْقَطِعَ» [رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ].
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِسْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلاَمِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ، قَالَ: «لاَ يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ].
وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ» قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مَرَّاتٍ، كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ؟ إِنَّ أَحَبَّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
ثَمَرَاتُ الذِّكْرِ وَفَضَائِلُهُ وَبَرَكَاتُهُ
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّ لِلذِّكْرِ ثَمَرَاتٍ عَظِيمَةً لَا تُحْصَى، فَهُوَ حَيَاةٌ لِلْأَرْوَاحِ وَالنُّفُوسِ، وَطُمَأْنِينَةٌ لِلْقُلُوبِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: “الذِّكْرُ لِلْقَلْبِ مِثْلُ الْمَاءِ لِلسَّمَكِ، فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُ السَّمَكِ إِذَا فَارَقَ الْمَاءَ؟”.
وَقَالَ أَيْضاً: “أَفْضَلُ الذِّكْرِ وَأَنْفَعُهُ مَا وَاطَأَ فِيهِ الْقَلْبُ وَاللِّسَانُ، وَكَانَ مِنَ الْأَذْكَارِ النَّبَوِيَّةِ، وَشَهِدَ الذَّاكِرُ مَعَانِيهِ وَمَقَاصِدَهُ”.
وَعَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: “إِنِّي لَأَعْلَمُ حِينَ يَذْكُرُنِي رَبِّي”، فَقِيلَ لَهُ: مِنْ أَيْنَ تَعْلَمُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}، فَإِذَا ذَكَرْتُ اللَّهَ ذَكَرَنِي.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “ذَهَبَ الذَّاكِرُونَ اللَّهَ بِالْخَيْرِ كُلِّهِ” [رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ].
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “لِكُلِّ شَيْءٍ جَلَاءٌ، وَإِنَّ جَلَاءَ الْقُلُوبِ ذِكْرُ اللَّهِ”.
وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ اللَّهِ بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ”.
وَالذَّاكِرُونَ لِلَّهِ هُمُ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
التَّرْغِيبُ فِي ذِكْرِ اللَّهِ وَوَصِيَّةُ النَّبِيِّ
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ، إِنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَيْسَرِ الْعِبَادَاتِ وَأَعْظَمِهَا أَجْراً، فَهُوَ يُمَكِّنُ الْمُسْلِمَ مِنِ اكْتِسَابِ الْحَسَنَاتِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ دُونَ عَنَاءٍ أَوْ مَشَقَّةٍ.
وَلَقَدْ أَوْصَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَوْصَانَا مِنْ بَعْدِهِ فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ].
فَاحْرِصُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- عَلَى هَذَا الدُّعَاءِ الْعَظِيمِ، وَاجْعَلُوا أَلْسِنَتَكُمْ رَطْبَةً بِذِكْرِ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْمُبَارَكَةِ وَفِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ.
فَضْلُ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الذِّكْرِ
وَيَا لَهَا مِنْ نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ أَنْ يَجْتَمِعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ. رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «مَا أَجْلَسَكُمْ؟» قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ، وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ، وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا، قَالَ: «آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟» قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
خَطَرُ الْغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِيَّاكُمْ وَالْغَفْلَةَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَإِنَّهَا سَبَبُ الْخُسْرَانِ الْمُبِينِ. قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28].
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَعَدَ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ فِيهِ، كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ، وَمَنِ اضْطَجَعَ مَضْجَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ، كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ].
وَالتِّرَةُ: هِيَ الْحَسْرَةُ وَالنَّدَامَةُ.
تَحَسُّرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَلَى أَوْقَاتِ الْغَفْلَةِ
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، لَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ وَهُمْ فِي الْجَنَّةِ يَتَحَسَّرُونَ عَلَى كُلِّ لَحْظَةٍ مَرَّتْ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا غَفَلُوا فِيهَا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى. فَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ يَتَحَسَّرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَّا عَلَى سَاعَةٍ مَرَّتْ بِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهَا» [رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ الْهَيْثَمِيُّ: رِجَالُهُ ثِقَاتٌ].
قَالَ الْمُنَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: “وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمَّا عُرِضَتْ عَلَيْهِمْ أَيَّامُ الدُّنْيَا وَمَاذَا خَرَجَ لَهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ نَظَرُوا إِلَى السَّاعَةِ الْأُخْرَى الَّتِي حُرِمُوا فِيهَا الذِّكْرَ مِمَّا تَرَكُوهُ مِنْ ذِكْرِهِ فَأَخَذَتْهُمُ الْحَسَرَاتُ… وَالْغَرَضُ مِنَ السِّيَاقِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ ظَهَرَتْ مِنْكَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ فَهِيَ عَلَيْكَ لَا لَكَ، وَأَنَّ أَدْوَمَ النَّاسِ عَلَى الذِّكْرِ أَوْفَرُهُمْ حَظّاً وَأَرْفَعُهُمْ دَرَجَةً وَأَشْرَفُهُمْ مَنْزِلَةً”.
أَيَّامُ التَّشْرِيقِ مَدْرَسَةٌ إِيمَانِيَّةٌ
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ مَدْرَسَةٌ إِيمَانِيَّةٌ تُعَلِّمُنَا كَيْفَ نَجْمَعُ بَيْنَ حُظُوظِ النَّفْسِ وَالْبَدَنِ وَبَيْنَ ذِكْرِ اللَّهِ وَشُكْرِهِ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: “فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْأَكْلَ فِي أَيَّامِ الْأَعْيَادِ وَالشُّرْبَ إِنَّمَا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَطَاعَتِهِ، وَذَلِكَ مِنْ تَمَامِ شُكْرِ النِّعْمَةِ أَنْ يُسْتَعَانَ بِهَا عَلَى الطَّاعَاتِ”.
فَحَرِيٌّ بِنَا أَنْ نَسْتَغِلَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ الْمَعْدُودَاتِ الْقَلَائِلَ فِيمَا يَنْفَعُنَا فِي دُنْيَانَا وَأُخْرَانَا، وَأَنْ نُكْثِرَ فِيهَا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَتَكْبِيرِهِ وَتَهْلِيلِهِ، وَأَنْ نَعْلَمَ أَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ تَمُرُّ سَرِيعاً، وَسَنَنْدَمُ عَلَى التَّفْرِيطِ فِيهَا حِينَ لَا يَنْفَعُ النَّدَمُ.
وَقَدْ وَقَفَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ يَعِظُهُ: “تُرَى هَذَا الْمَيِّتُ لَوْ رَجَعَ إِلَى الدُّنْيَا مَاذَا يَصْنَعُ؟” قَالَ: يُكْثِرُ مِنَ الذِّكْرِ وَالطَّاعَةِ. قَالَ لَهُ الْحَسَنُ: “قَدْ فَاتَتْهُ فَلَا تَفْتِكْ أَنْتَ! أَقُولُ لَكُمْ: قَدْ فَاتَتِ الْأَمْوَاتُ قَبْلَكُمْ، وَأَنْتُمْ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ فَمَاذَا أَنْتُمْ فَاعِلُونَ؟!”
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، لَقَدْ رَبَطَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْأَيَّامَ الْمُبَارَكَةَ بِذِكْرِهِ رَبْطاً وَثِيقاً، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ}، لِيَبْقَى الذِّكْرُ رُوحَ هَذِهِ الْمَوَاسِمِ وَشِعَارَهَا الْأَعْظَمَ. فَالذَّاكِرُ لِلَّهِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَا يُحْيِي سُنَّةً فَحَسْبُ، بَلْ يُحْيِي قَلْبَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْقُلُوبَ لَا تَحْيَا إِلَّا بِالْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ، وَلَا تَسْمُو إِلَّا حِينَ تَعْمُرُ بِذِكْرِهِ.
وَقَدْ تَجَلَّتْ عِبَادَةُ الذِّكْرِ تَجَلِّياً عَجِيباً فِي فَرِيضَةِ الْحَجِّ، فَمَا شُرِعَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وَلَا السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَا رَمْيُ الْجِمَارِ وَتَقْدِيمُ الْهَدْيِ إِلَّا لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} [البقرة: 198].
وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: 27-28].
وَأَمَّا أَعْظَمُ الْأَذْكَارِ فِي الْحَجِّ فَهُوَ التَّلْبِيَةُ؛ فَهِيَ عُنْوَانُ الْحَجِّ وَشِعَارُ الْحَاجِّ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْحَجُّ: الْعَجُّ وَالثَّجُّ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ]، وَالْعَجُّ: التَّكْبِيرُ وَالتَّلْبِيَةُ، وَالثَّجُّ: ذَبْحُ الْأَضْحِيَةِ.
الْحِكْمَةُ مِنَ الْأَمْرِ بِالذِّكْرِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ
إِنَّ سَبَبَ أَمْرِ اللَّهِ الْمُسْلِمِينَ بِالذِّكْرِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا إِذَا فَرَغُوا مِنْ حَجِّهِمْ وَقَفُوا عِنْدَ الْبَيْتِ وَذَكَرُوا مَآثِرَ آبَائِهِمْ وَمَفَاخِرَهُمْ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ: إِنَّ أَبِي كَانَ يُقْرِي الضَّيْفَ، وَيُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَيَنْحَرُ الْجَزُورَ، وَيَفُكُّ الْعَانِيَ، وَيَتَفَاخَرُونَ بِذَلِكَ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِذِكْرِهِ بَدَلاً مِنْ ذِكْرِ الْآبَاءِ.
قَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة: 200].
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: “لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ أَنْ تَغْضَبَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا عُصِيَ أَشَدَّ مِنْ غَضَبِكَ لِوَالِدَيْكَ إِذَا شُتِمَا”.
أَنْوَاعُ الذِّكْرِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَفَضْلُهَا
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّ ذِكْرَ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ يَتَنَوَّعُ أَنْوَاعاً كَثِيرَةً؛ لِتَكْثُرَ بِهَا وَتَزِيدَ أَسْبَابُ الثَّوَابِ، وَلِيَعْظُمَ مِنْهَا رَصِيدُ الْمُسْلِمِ:
الْأَوَّلُ: ذِكْرُ اللَّهِ أَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ، فَإِنَّهُمَا يُشْرَعَانِ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى، فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ، وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيراً [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ الْأَيَّامَ، وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ، وَعَلَى فِرَاشِهِ، وَفِي فُسْطَاطِهِ وَمَجْلِسِهِ وَمَمْشَاهُ تِلْكَ الْأَيَّامَ جَمِيعاً [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
الثَّانِي: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ ذَبْحِ النُّسُكِ، كَمَا قَالَ عَزَّ اسْمُهُ: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} [الحج: 36]، وَقَالَ: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [الحج: 37].
الثَّالِثُ: ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِرِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا فِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، وَيَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
الرَّابِعُ: ذِكْرُ اللَّهِ الْمُطْلَقُ غَيْرُ الْمُقَيَّدِ بِزَمَنٍ أَوْ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، بَلْ هُوَ ذِكْرٌ يَعُمُّ جَمِيعَ الْأَوْقَاتِ، وَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْمُبَارَكَةِ.
وَلِذَا كَانَ سَلَفُنَا الصَّالِحُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يُعَظِّمُونَ هَذِهِ الْأَيَّامَ وَيُكْثِرُونَ فِيهَا مِنَ التَّكْبِيرِ وَالذِّكْرِ. كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُكَبِّرُ بِمِنًى فِي قُبَّتِهِ فَيَسْمَعُهُ النَّاسُ فَيُكَبِّرُونَ فَتَرْتَجُّ مِنًى تَكْبِيراً. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَخْرُجُ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَيُكَبِّرُ فَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِ.
فَأَحْيُوا هَذِهِ السُّنَّةَ الْعَظِيمَةَ، وَأَكْثِرُوا مِنَ التَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّحْمِيدِ، وَاجْعَلُوا أَلْسِنَتَكُمْ رَطْبَةً بِذِكْرِ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْقَلَائِلِ الْمَعْدُودَاتِ.
اسْتِجَابَةُ الدُّعَاءِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُطْلَبُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْمُبَارَكَةِ الدُّعَاءَ، فَإِنَّ الدُّعَاءَ مِنْ أَفْضَلِ أَنْوَاعِ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَهَذِهِ أَيَّامٌ فَاضِلَةٌ يُسْتَحَبُّ فِيهَا الدُّعَاءُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا إِجَابَةُ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ فِيهَا.
وَمِنْ أَجْمَعِ الْأَدْعِيَةِ وَأَفْضَلِهَا مَا عَلَّمَنَا اللَّهُ إِيَّاهُ: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201]. وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ مِنْ هَذَا الدُّعَاءِ. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: “الْحَسَنَةُ فِي الدُّنْيَا: الْعِلْمُ وَالْعِبَادَةُ، وَفِي الْآخِرَةِ: الْجَنَّةُ”. وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: “يَنْبَغِي لِكُلِّ مَنْ نَفَرَ أَنْ يَقُولَ حِينَ يَنْفِرُ مُتَوَجِّهاً إِلَى أَهْلِهِ: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}“.
اَلْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: التَّرَابُطُ الْأُسَرِيُّ
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيماً لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَإِخْوَانِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
أَمَّا بَعْدُ؛
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّ الْأُسْرَةَ الْمُسْلِمَةَ هِيَ اللُّبْنَةُ الْأُولَى فِي بِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ، صَلَاحُهَا يَنْبَعُ مِنْ حُسْنِ التَّعَامُلِ، وَالصَّبْرِ عَلَى الْخِلَافَاتِ، وَإِدْرَاكِ أَنَّ الِاخْتِلَافَ سُنَّةٌ بَشَرِيَّةٌ لَا مَفَرَّ مِنْهَا، وَلَكِنَّ الْعِبْرَةَ بِكَيْفِيَّةِ التَّعَامُلِ مَعَهُ.
وَلَقَدْ أَرْشَدَنَا الْقُرْآنُ إِلَى عِلَاجِ النُّشُوزِ بِمَرَاحِلَ مُحْكَمَةٍ، قَالَ تَعَالَى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} [النساء: 34]، فَبَدَأَ بِالْمَوْعِظَةِ وَالتَّوْجِيهِ، ثُمَّ بِالْهَجْرِ فِي الْمَضْجَعِ دُونَ أَنْ يَشْعُرَ بِهِ الْأَوْلَادُ، ثُمَّ بِالضَّرْبِ غَيْرِ الْمُبَرِّحِ لِلزَّجْرِ وَالتَّعْبِيرِ عَنْ عَدَمِ الرِّضَا.
وَإِذَا كَانَ الْكُرْهُ قَدْ يَطْرَأُ عَلَى النُّفُوسِ، فَقَدْ أَرَادَ اللَّهُ لَنَا الْخَيْرَ فِيمَا نَكْرَهُ، قَالَ تَعَالَى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19].
وَفِي السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ، يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً؛ إِنْ كَرِهَ مِنْها خُلُقًا رَضِيَ مِنْها آخَرَ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي الِاسْتِمْرَارِيَّةِ الزَّوْجِيَّةِ، فَلِكُلِّ إِنْسَانٍ حَسَنَاتٌ وَسَيِّئَاتٌ، وَلْيَهَبْ كُلٌّ مِنْهُمَا سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ لِحَسَنَاتِهِ.
وَمِنَ الْعِلَاجِ النَّبَوِيِّ لِلْمُشْكِلَاتِ الْأُسَرِيَّةِ، إِدْخَالُ الْمُزَاحِ وَالْمُدَاعَبَةِ وَالتَّرْوِيحِ عَنِ النَّفْسِ، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْزَحُ مَعَ نِسَائِهِ، وَيُسَابِقُهُنَّ، وَيُوقِفُهُنَّ عَلَى لَعِبِ الْحَبَشَةِ، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَضَعْتُ ذَقَنِي عَلَى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُوَ يَقُولُ: «حَسْبُكِ» وَأَقُولُ: اسْكُتْ، ثُمَّ قَالَ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَأَلْطَفُهُمْ بِأَهْلِهِ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ فِي أَهْلِهِ مِثْلَ الصَّبِيِّ، فَإِذَا الْتَمَسُوا مَا عِنْدَهُ وَجَدُوا رَجُلاً”.
وَقَدْ أَكَّدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ خَيْرِيَّةَ الرَّجُلِ تَكُونُ بِحُسْنِ مُعَامَلَتِهِ لِأَهْلِهِ، فَقَالَ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ]. وَأَضَافَ فِي رِوَايَةٍ: «مَا أَكْرَمَ النِّسَاءَ إِلَّا كَرِيمٌ، وَلَا أَهَانَهُنَّ إِلَّا لَئِيمٌ» [رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ].
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّ خِدْمَةَ الْأَهْلِ وَالْقِيَامَ بِحَقِّهِمْ دَرَجَةٌ عَظِيمَةٌ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْضَلُ الدَّنَانِيرِ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى عِيَالِهِ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: “لَا يَقَعُ مَوْقِعَ الْكَسْبِ عَلَى الْعِيَالِ شَيْءٌ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ”.
وَمِنْ أَسْبَابِ التَّفَكُّكِ الْأُسَرِيِّ، أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ يَبْحَثُ عَنْ حَقِّهِ فَقَطْ دُونَ النَّظَرِ إِلَى وَاجِبِهِ، فَالزَّوْجَةُ تَبْحَثُ عَنْ حَقِّهَا، وَالزَّوْجُ يَبْحَثُ عَنْ حَقِّهِ، وَالْأَوْلَادُ يَبْحَثُونَ عَنْ حُقُوقِهِمْ، وَالْقَاعِدَةُ الذَّهَبِيَّةُ: لَا تَطْلُبْ حَقَّكَ قَبْلَ أَنْ تُؤَدِّيَ وَاجِبَكَ.
وَاحْذَرُوا مِنْ مَكَائِدِ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَيَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَرَّقْتُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ الْمُبَارَكَةَ فُرْصَةٌ عَظِيمَةٌ لِلتَّرَابُطِ الْأُسَرِيِّ وَصِلَةِ الرَّحِمِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
وَقَدْ يَتَعَذَّرُ الْبَعْضُ بِأَنَّ أَقَارِبَهُ يَقْطَعُونَ وَلَا يَصِلُونَ، فَأَجَابَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ، اجْعَلُوا هَذِهِ الْأَيَّامَ فَتْحاً جَدِيداً فِي عَلَاقَاتِكُمُ الْأُسَرِيَّةِ، وَتَجَاوَزُوا الْخِلَافَاتِ، وَأَكْثِرُوا مِنَ الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ، وَتَذَكَّرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199].
الدُّعَاءُ
اَللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، اَللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ، اَللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا بِحَلَاوَةِ ذِكْرِكَ، وَأَطْلِقْ أَلْسِنَتَنَا بِشُكْرِكَ، وَوَفِّقْنَا لِطَاعَتِكَ وَعِبَادَتِكَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُرْضِيكَ عَنَّا.
اَللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ حُجَّاجِ بَيْتِكَ الْحَرَامِ حَجَّهُمْ، وَاجْعَلْهُمْ مِنَ الْوَفْدِ الصَّالِحِينَ الْمَقْبُولِينَ، وَرُدَّهُمْ إِلَى أَرْضِهِمْ سَالِمِينَ غَانِمِينَ.
اَللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَحْوَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَانْصُرْهُمْ عَلَى أَعْدَائِكَ وَأَعْدَائِهِمْ، وَاجْمَعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَالْهُدَى، وَوَحِّدْ صُفُوفَهُمْ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الْغِلَّ وَالْحِقْدَ وَالضَّغَائِنَ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.