
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَعَ لَنَا الْأَعْيَادَ لِنَفْرَحَ بِطَاعَتِهِ، لَا بِمَعْصِيَتِهِ، وَلِنَقْتَرِبَ مِنْهُ، لَا لِنَبْتَعِدَ عَنْهُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أَيَّامِنَا مَوَاسِمَ لِلرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وَمُنَاسَبَاتٍ لِتَطْهِيرِ الْقُلُوبِ مِنْ أَدْرَانِهَا.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ الطَّاعَةَ سَبَبًا لِلْفَلَاحِ، وَالْمَعْصِيَةَ سَبَبًا لِلْخُسْرَانِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، دَلَّنَا عَلَى كُلِّ خَيْرٍ، وَحَذَّرَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ:
أَوَّلًا: الْعِيدَانِ الْجَدِيدَانِ بَعْدَ الْجَاهِلِيَّةِ
لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ الْمُنَوَّرَةَ، مُهَاجِرًا مِنْ مَكَّةَ، وَجَدَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يَحْتَفِلُونَ بِيَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانُوا يَلْعَبُونَ فِيهِمَا وَيَمْرَحُونَ وَيُظْهِرُونَ الْفَرَحَ. فَتَوَقَّفَ ﷺ أَمَامَ هَذَا الْمَشْهَدِ، لَيْسَ لِأَنَّهُ يَرْفُضُ الْفَرَحَ، بَلْ لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُبَدِّلَهُمْ بِخَيْرٍ مِنْهُمَا، وَأَنْ يَرْفَعَهُمْ مِنْ فَرَحٍ جَاهِلِيٍّ إِلَى فَرَحٍ إِيمَانِيٍّ، وَمِنْ لَهْوٍ دُنْيَوِيٍّ إِلَى بَهْجَةٍ رُوحَانِيَّةٍ.
فَقَالَ ﷺ: (قَدْ أَبْدَلَكُمُ اللهُ خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ).
تَأَمَّلُوا هَذِهِ الْكَلِمَةَ النَّبَوِيَّةَ الْعَظِيمَةَ: “أَبْدَلَكُمْ”، أَيْ: أَعْطَاكُمْ بَدَلًا، وَلَمْ يَقُلْ: “مَنَعَكُمْ”. فَلَمْ يَكُنِ الْهَدَفُ حِرْمَانَهُمْ مِنَ الْفَرَحِ، بَلْ تَنْقِيَةُ هَذَا الْفَرَحِ وَتَصْفِيَتُهُ مِنْ شَوَائِبِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَجَعْلُهُ قُرْبَةً إِلَى اللَّهِ وَطَاعَةً وَذِكْرًا وَشُكْرًا. فَدِينُنَا لَا يُحَارِبُ الْفِطْرَةَ، بَلْ يُهَذِّبُهَا، وَلَا يَمْنَعُ السُّرُورَ، بَلْ يَرْبِطُهُ بِاللَّهِ، حَتَّى يَكُونَ الْفَرَحُ طَاعَةً لَا مَعْصِيَةً، وَذِكْرًا لَا غَفْلَةً.
وَهَذَانِ الْعِيدَانِ الْعَظِيمَانِ يَأْتِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ شَعِيرَةٍ عَظِيمَةٍ مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ، وَكَأَنَّ الْعِيدَ جَائِزَةٌ مِنَ اللَّهِ لِمَنْ أَتَمَّ هَذِهِ الشَّعَائِرَ بِنَجَاحٍ.
عِيدُ الْفِطْرِ يَأْتِي بَعْدَ أَدَاءِ فَرِيضَةِ الصِّيَامِ، وَرَمَضَانَ فِيهِ مَا فِيهِ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ مِنْ قِيَامِ لَيْلٍ، وَتِلَاوَةِ قُرْآنٍ، وَصَدَقَاتٍ، وَاعْتِكَافٍ، وَقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. فَجَاءَ عِيدُ الْفِطْرِ بِمَثَابَةِ شَهَادَةِ نَجَاحٍ لِلصَّائِمِينَ، وَيَوْمِ جَوَائِزَ لِلْمُتَّقِينَ.
وَعِيدُ الْأَضْحَى يَأْتِي بَعْدَ أَدَاءِ فَرِيضَةِ الْحَجِّ، وَالْحَجُّ فِيهِ مَا فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ: وُقُوفٌ بِعَرَفَةَ، وَطَوَافٌ بِالْبَيْتِ، وَسَعْيٌ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرَمْيُ جَمَرَاتٍ، وَمَبِيتٌ بِمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى. فَجَاءَ عِيدُ الْأَضْحَى تَتْوِيجًا لِهَذِهِ الرِّحْلَةِ الْمُبَارَكَةِ، وَإِعْلَانًا بِقَبُولِ اللَّهِ لِجُهُودِ الْحُجَّاجِ.
ثَانِيًا: مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِالْأُمَّةِ: الْبَدَائِلُ وَالْأَبْوَابُ الْمَفْتُوحَةُ
وَمِنْ عَظَمَةِ هَذَا الدِّينِ وَرَحْمَةِ اللَّهِ بِعِبَادِهِ أَنَّهُ إِذَا شَرَعَ عَمَلًا صَالِحًا، دَعَا الْأُمَّةَ كُلَّهَا إِلَى فِعْلِهِ، وَلَكِنِ الْمَانِعُ الْوَحِيدُ هُوَ الْقُدْرَةُ وَالِاسْتِطَاعَةُ. وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْإِتْيَانَ بِهَذَا الْعَمَلِ الْأَصْلِيِّ، شَرَعَ اللَّهُ لَهُ عَمَلًا آخَرَ بَدِيلًا، يَنَالُ بِهِ الْأَجْرَ وَالثَّوَابَ وَالرِّفْعَةَ، حَتَّى لَا يُحْرَمَ أَحَدٌ مِنَ الْخَيْرِ أَبَدًا.
تَأَمَّلُوا هَذِهِ الرَّحْمَةَ الْإِلَهِيَّةَ الْعَجِيبَةَ:
مَنْ لَمْ يُكْتَبْ لَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ -وَهُوَ أَعْظَمُ أَرْكَانِ الْحَجِّ- شَرَعَ اللَّهُ لَهُ صِيَامَ هَذَا الْيَوْمِ، فَجَعَلَ صِيَامَ يَوْمِ عَرَفَةَ مِنْ غَيْرِ حَجٍّ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ: سَنَةً مَاضِيَةً وَسَنَةً قَابِلَةً. كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ).
كَمَا شَرَعَ اللَّهُ لَهُ صَلَاةَ الْعِيدِ وَالذِّكْرَ، وَالْأُضْحِيَّةَ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا، وَالدُّعَاءَ وَالِاسْتِغْفَارَ. فَدِينُ الْإِسْلَامِ -حَقًّا- لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا فِيهِ نَفْعٌ لِلْعِبَادِ إِلَّا وَأَمَرَهُمْ بِهِ، وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْعِبَادِ إِلَّا وَنَهَاهُمْ عَنْهُ. وَهَذَا دِينٌ كَامِلٌ، قَالَ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}.
يَا لَهَا مِنْ رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ!
مَنْ لَمْ يَحُجَّ… لَمْ يُحْرَمِ الْأَجْرَ، وَمَنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ… لَمْ يُغْلَقِ الْبَابُ دُونَهُ؛ بَلْ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابٌ أُخْرَى… لِيَدْخُلَ مِنْهَا إِلَى اللَّهِ.
فَلَا حُجَّةَ لِمُقَصِّرٍ بَعْدَ الْيَوْمِ… وَلَا عُذْرَ لِغَافِلٍ…
فَطُرُقُ الْخَيْرِ كَثِيرَةٌ… لَكِنْ أَيْنَ السَّائِرُونَ؟
ثَالِثًا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ وَأَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا
وَعِيدُكُمْ هَذَا -أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ- سَمَّاهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: “يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ”. لِأَنَّ أَكْثَرَ أَعْمَالِ الْحَجِّ تَجْتَمِعُ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْمُبَارَكِ: فَفِيهِ رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ النَّحْرُ، ثُمَّ الْحَلْقُ، ثُمَّ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ. فَاجْتِمَاعُ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ الْعَظِيمَةِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ هُوَ مَا أَعْطَاهُ هَذِهِ الْمَكَانَةَ.
وَهُوَ أَيْضًا أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا عَلَى الْإِطْلَاقِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (أَعْظَمُ الأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. أَيْ يَوْمُ الْعِيدِ.
وَلِأَهَمِّيَّةِ هَذَا الْيَوْمِ الْعَظِيمِ، أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ}.
وَقَدْ فَسَّرَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ: الْوَتْرُ: يَوْمُ عَرَفَةَ (الْيَوْمُ التَّاسِعُ). وَالشَّفْعُ: يَوْمُ النَّحْرِ (الْيَوْمُ الْعَاشِرُ). أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِمَا لِعَظِيمِ شَأْنِهِمَا وَعَظِيمِ الْأَجْرِ فِيهِمَا.
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ: نَحْنُ فِي يَوْمٍ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ…
وَاللَّهُ لَا يُقْسِمُ إِلَّا بِعَظِيمٍ…
فَكَيْفَ يَمُرُّ عَلَيْنَا هَذَا الْيَوْمُ دُونَ أَنْ نَغْتَنِمَهُ؟
كَيْفَ يَمُرُّ دُونَ تَوْبَةٍ؟ دُونَ رُجُوعٍ؟ دُونَ دَمْعَةٍ صَادِقَةٍ؟
فَهَنِيئًا لِمَنْ أَدْرَكَ هَذَا الْيَوْمَ وَعَرَفَ قَدْرَهُ، فَاغْتَنَمَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ. وَوَيْلٌ لِمَنْ أَدْرَكَهُ فَجَعَلَهُ كَسَائِرِ الْأَيَّامِ، يَلْهُو وَيَلْعَبُ وَيَنْسَى اللَّهَ.
رَابِعًا: آدَابُ الْعِيدِ وَسُنَنُهُ
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: الْيَوْمُ يَوْمُ عِيدٍ، وَالْعِيدُ لَهُ آدَابٌ وَسُنَنٌ، وَمِنْ هَذِهِ الْآدَابِ وَالسُّنَنِ:
1 – التَّكْبِيرُ:
وَالتَّكْبِيرُ هُوَ مِنْ شَعَائِرِ الْعِيدِ الْعَظِيمَةِ، وَهُوَ مَا يُمَيِّزُ عِيدَنَا عَنْ أَعْيَادِ غَيْرِنَا. فَبَيْنَمَا يَحْتَفِلُ الْآخَرُونَ بِالْأَبْوَاقِ وَالْمُوسِيقَى، نَحْنُ نَحْتَفِلُ بِـ”اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ”.
قَالَ تَعَالَى: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ). أَيْ: أَكْمِلُوا عِدَّةَ الصِّيَامِ (أَوْ عِدَّةَ أَيَّامِ الْحَجِّ) وَكَبِّرُوا اللَّهَ شُكْرًا عَلَى هِدَايَتِهِ لَكُمْ.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: (وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ). وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ هِيَ هَذِهِ الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ.
فَكَبِّرُوا -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ- فِي الشَّوَارِعِ وَالطُّرُقَاتِ وَالْبُيُوتِ وَأَمَاكِنِ الْعَمَلِ وَالْأَسْوَاقِ. ارْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالتَّكْبِيرِ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَدُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، حَتَّى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَهُوَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ مِنْ أَيَّامِ الْعِيدِ.
وَلِلْعِلْمِ، التَّكْبِيرُ نَوْعَانِ:
• تَكْبِيرٌ مُقَيَّدٌ: عُقْبَ الصَّلَوَاتِ.
• تَكْبِيرٌ مُطْلَقٌ: فِي كُلِّ وَقْتٍ، فِي الْأَسْوَاقِ، فِي الْبُيُوتِ، فِي الطُّرُقَاتِ، لَيْلًا وَنَهَارًا.
2 – الْمَشْيُ إِلَى الْمُصَلَّى وَمُخَالَفَةُ الطَّرِيقِ
مِنْ هَدْيِ نَبِيِّكُمْ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْعِيدِ مَاشِيًا، وَلَمْ يَكُنْ يَرْكَبُ إِلَّا لِحَاجَةٍ، لِيَكُونَ فِي خَطَوَاتِهِ أَجْرٌ، وَلِيَرَى النَّاسُ تَوَاضُعَهُ، وَلِتَكْثُرَ خَطَوَاتُهُ إِلَى اللَّهِ.
وَكَانَ يُخَالِفُ الطَّرِيقَ: يَذْهَبُ مِنْ طَرِيقٍ وَيَرْجِعُ مِنْ آخَرَ. وَالْحِكْمَةُ مِنْ ذَلِكَ مُتَعَدِّدَةٌ:
• لِيُكْثِرَ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَشْهَدُ لَهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
• لِيَلْقَى فِي الطَّرِيقَيْنِ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَيَدْعُو لَهُ.
• لِيُظْهِرَ شَعِيرَةَ الْعِيدِ فِي أَوْسَعِ نِطَاقٍ.
• لِيَكُونَ ذَلِكَ رَمْزًا أَنَّ الْعِيدَ لَيْسَ يَوْمًا وَاحِدًا، وَأَنَّ الذَّهَابَ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ لَهُ طَرِيقٌ، وَالرُّجُوعَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لَهُ طَرِيقٌ آخَرُ، فَلِكُلِّ حَالٍ شُكْرٌ.
3 – اللَّهْوُ الْمُبَاحُ وَإِدْخَالُ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ عَلَى الْأَهْلِ
اعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- أَنَّ الْفَرَحَ فِي الْعِيدِ لَيْسَ حَرَامًا، بَلْ هُوَ عِبَادَةٌ وَسُنَّةٌ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فِي حُدُودِ اللَّهِ، وَأَلَّا يَشْتَمِلَ عَلَى مُحَرَّمٍ مِنِ اخْتِلَاطٍ مُحَرَّمٍ، أَوْ تَضْيِيعِ صَلَاةٍ.
فَالْيَوْمُ يَوْمُ عِيدٍ، الْيَوْمُ يَوْمُ فَرَحٍ قَالَ تَعَالَى: (قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ).
وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ يُدْخِلُ السُّرُورَ عَلَى أَهْلِهِ فِي الْعِيدِ بِكُلِّ مَا هُوَ مُبَاحٌ. فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ (وَهُوَ غِنَاءٌ عَنْ مَعْرَكَةٍ تَارِيخِيَّةٍ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَكَانَ غِنَاءً بِلَا مُوسِيقَى مُحَرَّمَةٍ وَلَا كَلَامٍ فَاحِشٍ) فَاضْطَجَعَ عَلَى الفِرَاشِ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ؟! فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: «دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا».
وَتَقُولُ عَائِشَةُ أَيْضًا: وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ (أَيْ: بِالرِّمَاحِ وَالدُّرُوعِ كَرِيَاضَةٍ قِتَالِيَّةٍ وَاسْتِعْرَاضِ مَهَارَةٍ) فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَإِمَّا قَالَ: «تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟» فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ، خَدِّي عَلَى خَدِّهِ، وَهُوَ يَقُولُ: «دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ» حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ، قَالَ: «حَسْبُكِ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاذْهَبِي».
انْظُرُوا إِلَى هَذَا الرِّفْقِ، وَهَذِهِ الرَّحْمَةِ، وَهَذَا إِقْرَارُ النَّبِيِّ ﷺ لِلَّهْوِ الْمُبَاحِ فِي الْعِيدِ. فَلْيَفْرَحِ النَّاسُ، وَلَكِنْ فَرَحًا فِي طَاعَةٍ، لَا فَرَحًا فِي مَعْصِيَةٍ.
4 – الصَّدَقَاتُ وَإِظْهَارُ الرَّحْمَةِ:
فَالْعِيدُ مَظْهَرٌ مِنْ مَظَاهِرِ التَّكَافُلِ وَأَعْيَادُنَا الْإِسْلَامِيَّةُ تَتَجَلَّى فِيهَا الرَّحْمَةُ وَالتَّكَافُلُ الِاجْتِمَاعِيُّ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ. فَالْعِيدُ لَيْسَ فَقَطْ فَرَحًا فَرْدِيًّا، بَلْ هُوَ فَرَحٌ جَمَاعِيٌّ. وَلَنْ يَكْتَمِلَ فَرَحُ الْغَنِيِّ حَتَّى يَشْعُرَ الْفَقِيرُ بِالْفَرَحِ.
وَلِهَذَا، يَنْبَغِي فِي الْعِيدِ أَنْ نُكْثِرَ مِنَ الصَّدَقَاتِ؛ لِنُدْخِلَ السُّرُورَ عَلَى قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْأَرَامِلِ وَالْيَتَامَى.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى المُصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَوَعَظَ النَّاسَ، وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، تَصَدَّقُوا» ، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ» فَقُلْنَ: وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ (أَيْ: الزَّوْجَ)، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ، أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ، مِنْ إِحْدَاكُنَّ، يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ».
وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ لِتَثْبِيطِ النِّسَاءِ عَنِ الصَّدَقَةِ، بَلْ لِحَثِّهِنَّ عَلَيْهَا أَكْثَرَ، لِأَنَّهُنَّ أَكْثَرُ عُرْضَةً لِلْوُقُوعِ فِي هَذِهِ الْآفَاتِ. وَكَثْرَةُ الصَّدَقَةِ تُطَهِّرُ النَّفْسَ وَتُكَفِّرُ الذُّنُوبَ.
فَأَكْثِرُوا مِنَ الصَّدَقَةِ أَيُّهَا النَّاسُ، فِي هَذَا الْيَوْمِ الْمُبَارَكِ. تَصَدَّقُوا وَلَوْ بِقَلِيلٍ، فَالْيَسِيرُ مَعَ الْبَرَكَةِ خَيْرٌ مِنَ الْكَثِيرِ مَعَ الرِّيَاءِ.
5 – الْأُضْحِيَّةُ: شَعِيرَةٌ إِبْرَاهِيمِيَّةٌ عَظِيمَةٌ
وَمِنْ أَعْظَمِ الشَّعَائِرِ وَالْعِبَادَاتِ فِي هَذَا الْيَوْمِ: الْأُضْحِيَّةُ. إِنَّهَا سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَسُنَّةُ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. إِنَّهَا شَعِيرَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ، قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ).
حَثَّ رَبُّنَا عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ). أَيْ: أَخْلِصِ الصَّلَاةَ لِرَبِّكَ، وَانْحَرِ الْهَدْيَ تَقَرُّبًا إِلَيْهِ.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبِّ الْعَـالَمِينَ). وَالنُّسُكُ هُنَا: الذَّبْحُ وَالْأُضْحِيَّةُ.
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: (ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا).
فَيَا مَنْ تُرِيدُ أَنْ تُضَحِّيَ: اخْتَرْ أُضْحِيَّةً سَمِينَةً كَبِيرَةً، وَاذْبَحْهَا بِنَفْسِكَ إِنِ اسْتَطَعْتَ، وَاسْتَشْعِرْ وَأَنْتَ تَذْبَحُ أَنَّكَ تَذْبَحُ شَهَوَاتِ نَفْسِكَ وَتَذَلَّلُ نَفْسَكَ لِلَّهِ. وَوَزِّعْ لَحْمَ الْأُضْحِيَّةِ: جُزْءًا لِأَهْلِكَ، وَجُزْءًا لِأَصْدِقَائِكَ، وَجُزْءًا لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ. وَلَا تَنْسِ جِيرَانَكَ الْفُقَرَاءَ.
وَهَنَا قِفْ وَتَأَمَّلْ:
لَيْسَتِ الْأُضْحِيَّةُ مُجَرَّدَ ذَبْحٍ… بَلْ هِيَ قِصَّةُ إِيمَانٍ…
قِصَّةُ رَجُلٍ أُمِرَ أَنْ يَذْبَحَ ابْنَهُ… فَاسْتَجَابَ، وَقِصَّةُ ابْنٍ قِيلَ لَهُ تُذْبَحُ… فَقَالَ: افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ
وَالسُّؤَالُ الْآنَ:
مَا الَّذِي أَنْتَ مُسْتَعِدٌ أَنْ تَذْبَحَهُ لِلَّهِ؟
شَهْوَةً؟ .. عَادَةً سَيِّئَةً؟ .. مَعْصِيَةً مُزْمِنَةً؟
فَإِنْ لَمْ تَذْبَحْ مِنْ نَفْسِكَ شَيْئًا… فَمَاذَا فَهِمْتَ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ؟
قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ).
فَالتَّعْظِيمُ لَيْسَ فِي الذَّبْحِ فَقَطْ… بَلْ فِي حُضُورِ الْقَلْبِ… وَفِي صِدْقِ النِّيَّةِ… وَفِي الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
هَنِّئُوا أَنْفُسَكُمْ بِالْعِيدِ، هَنِّئُوا أَهْلِيكُمْ وَأَوْلَادَكُمْ، هَنِّئُوا جِيرَانَكُمْ وَأَصْدِقَاءَكُمْ. تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ صَالِحَ الْأَعْمَالِ، وَجَعَلَنَا جَمِيعًا مِنْ عُتَقَائِهِ مِنَ النَّارِ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْعَظِيمِ.
وَكُلُّ عَامٍ أَنْتُمْ بِخَيْرٍ، تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ، وَجَعَلَنَا مِمَّنْ يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ الْيَوْمَ نَظْرَةَ رَحْمَةٍ فَيَغْفِرُ لَهُمْ وَيَرْحَمُهُمْ وَيُعْتِقُ رِقَابَهُمْ مِنَ النَّارِ.
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.