
ركبتُ الحافلة… وهذا — في حد ذاته — قرار عظيم كما تعلم!!
جلستُ في مكاني المعتاد: بجوار النافذة، حيث يمكنك أن تتأمل الحياة وتدّعي العمق؛ بينما في الحقيقة أنت فقط تراقب السيارات التي تمر بجوارك وتضع يدك على ظهر الكرسي الذي أمامك كأنه مقود وأنت في سباق مع سيارات الطريق.
ثم حدثت الكارثة.
ركبتْ هي الحافلة، وبينما هي تبحث عن مقعد فارغ وقعت عيناها في عينيَّ عفوًا…
دون قصد منها على الأرجح… لكنها على كل حال نظرت.
ارتبك قلبي. دقّ كأنه طبال في فرقة حسب الله، أو كأنه تلميذ ضبطه الناظر يغش في الامتحان.
شعرت بشيء يشبه الحب… نعم، بالحب!
ذلك الشعور العظيم الذي كتب عنه شكسبير وقيل فيه أروع القصائد.
أو ربما الذي شعرت به كان اضطرابًا في كهرباء القلب نتيجة نقص الأكسجين داخل الحافلة.
لا يهم.
المهم أنني — خلال نصف ثانية — كنت قد تخيلت حياتنا معًا،
وهنا يبدأ العقل البشري في ممارسة هوايته المفضلة: التأليف.
العمر كله سأقضيه بجوارها، نجري ونلعب معا ونملأ بضحكاتنا الكون كله،
سأكتب اسمها على جدران الحمامات العامة وأنحت قلوبا كثيرة على أشجار حدائق المنتزه وأنطونيادس؛
ثم شقة صغيرة،
خلافات على نوع الجبن،
الشجار المعتاد يوم الخميس على فيلم السهرة،
طفل يشبهها (لحسن الحظ)، وآخر يشبهني (للأسف).
سألت نفسي:
“هل أخبرها الآن؟ أم أصبر ثلاث دقائق أخرى حتى تنضج مشاعرنا؟”
ثلاث دقائق… مدة كافية جدًا في عصر السرعة.
ثلاث دقائق تعادل ثلاثة قرون. سبحان من غيّر الزمن.
ثلاث دقائق تساوي — بالمعايير الحديثة — قصة حب كاملة، من النظرة الأولى حتى الطلاق العاطفي.
ثلاث دقائق! هذا هو أقصى ما يمكن أن ينتظره عاشق في القرن الحادي والعشرين قبل أن يعلن حالة الطوارئ العاطفية.
ثلاث دقائق هي الفرق بين العزوبية الأبدية وقصة حب ملحمية.
أفلاطون احتاج عمراً ليكتب عن الحب، وأنت احتجت ثلاث دقائق وتذكرة حافلة.
لكن… قبل أن أتخذ قراري المصيري، ولأن الكوميديا السوداء لا تكتمل إلا بالمشهد الختامي!
وجدتها تتحدث مع شاب بجوارها.
توقّف الزمن.
تجمّد الدم في عروقي.
تحوّلتُ من شاعر رومانسي إلى ناقد اجتماعي خلال ثانية واحدة.
قلتُ لنفسي بسرعة مذهلة:
“ربما أخوها… نعم، بالتأكيد أخوها.”
“أو أبوها… مع أن الفارق العمري لا يساعد.”
“أو جدها الراحل… لا لا فالموتى لا يعودون ثانية إلى الحياة.”
أو زوجها… لا لا، مستحيل… لا يمكن أن تكون متزوجة وقد نظرت إليّ بهذه الطريقة!”
“أو – لا قدر الله – خطيبها… وهذا أسوأ سيناريو، لأن الخطيب كائن انتقالي لا يمكنك مهاجمته أخلاقيًا ولا تجاهله قانونيًا.”
ثم… بعد لحظة تأمل عميقة لا تتجاوز ثانيتين… وصلتُ إلى الحقيقة الكبرى:
يا للخائنة.
يا لغدر النساء.
هكذا… ببساطة…
في أقل من ثلاث دقائق… انتقلتُ من “نحن” إلى “كلكنّ سواء”.
وتلك القصة التي عشتها، وتلك اللحظات التي أخلصت لك فيها — كلها ثلاث دقائق من العشق الأبدي — ضاعت هباءً منثوراً. هكذا!!
أي قصة يا بني؟! وأي لحظات؟!
هل تقصد تلك الثواني السبع التي تبادلتما فيها النظرات العفوية بينما هي تبحث عن مقعد فارغ؟
للحب قوانينه الصارمة، وأولها أنه لا يأتيك وأنت جالس في غرفتك تتصفح هاتفك.
لا، هو يحتاج إلى مشهد سينمائي مُتقَن: حافلة مزدحمة، مقعد فارغ بجوارك، ثم هي تدخل.
هذا هو الحب الحديث يا صديقي.
حب الوجبات السريعة.
تراه في إعلان، فتعجبك صورته، فتطلبه فورًا، ثم تكتشف — بعد أول قضمة — أنك كنت جائعًا فقط… لا عاشقًا.
لقد أصبحنا نعيش في زمن “حب الحافلات” و”حب المترو” و”حب الكافتيريا”.
نرى وجهاً جميلاً، أو نسمع ضحكة عابرة، أو — في الحالات المتقدمة — نتشارك في انتظار نفس الإشارة الخضراء، فنعلن فوراً حالة الحب الأبدي.
المشكلة ليست في الفتاة التي نظرت إليك.
ولا في الشاب الذي يجلس بجوارها.
المشكلة في ذلك المصنع الصغير داخل رأسك… الذي ينتج أوهامًا بكميات تجارية.
نحن لا نقع في الحب…
نحن نقع في فكرة الحب.
نحب الاحتمال… لا الشخص.
نحب السيناريو الذي كتبناه… لا الواقع الذي لم يبدأ أصلًا.
ولهذا تنهار قصص الحب بسرعة مدهشة… لأنها لم تُبنَ على شيء حقيقي من البداية.
هي أشبه ببيت من الكرتون… يبدو جميلًا في الصور، لكنه لا يحتمل أول نسمة هواء….
دعني أخبرك سرًا يا صديقي القارئ، وأنا أخوك الكبير الذي احترق بنفس النظرة العفوية سنة 2003 في أتوبيس 926 مدينة نصر:
نحن لا نقع في الحب، نحن نقع في فخ “السيناريو الجاهز”.
أنت لا تحب الفتاة التي ركبت الحافلة.
أنت تحب الفكرة.
تحب دور “العاشق الولهان” الذي ستلعبه.
تحب الأغنية الحزينة التي ستضعها ستوري بعد أن تتجاهلك.
تحب أن تكون ضحية، لأن الضحية دائمًا على حق، ودائمًا شاعري.
في الماضي — كما يخبروننا — كان الحب يحتاج وقتًا.
رسالة تُكتب في أسبوع… وتصل في شهر… ويُفهم منها نصف المعنى فقط.
زمان كان الحب مشروع قومي.
خطابات، انتظار تحت البلكونة، خناقات مع أخيها، تدخل العائلات، ثم زواج أو مأساة تستحق رواية.
أما الآن…
الحب صار “وجبة سريعة”.
تطلبه دليفري من نظرة، تستلمه ساخنًا في قلبك، تحترق، ثم تكتشف أن الصلصة زيادة وأنك لا تحب المخلل أصلًا، فترميه وترسل شكوى لخدمة العملاء.
الحب الآن يبدأ بـ”Seen” وينتهي بـ”Blocked”.
كل شيء أسرع…
حتى الانكسار.
المشكلة أنك — رغم كل هذا — ستكرر نفس الخطأ غدًا.
ستركب الحافلة…
ستجلس بجوار النافذة…
ستنظر إلى إشارات المرور…
ستضع يدك على ظهر الكرسي الذي أمامك…
ستمثل أنك تسابق السيارات…
ثم تنظر إليك فتاة — عفوًا… دون قصد — فيرتبك قلبك… ويبدأ المصنع في العمل من جديد.
وستسأل نفسك، بجدية تثير الشفقة:
“هل أخبرها الآن… أم أصبر ثلاث دقائق أخرى؟”
وأنا أنصحك…
اصبر.
ليس ثلاث دقائق…
بل ثلاث سنوات على الأقل…
حتى تتأكد أن ما تشعر به ليس مجرد ازدحام في الحافلة… أو وهمًا آخر من تلك الأوهام التي نُصرّ على تسميتها حبًا.