سنن استقبال المولود: التحنيك والأذان في أذنه

ليست لحظة الميلاد بداية حياةٍ فقط
بل بداية علاقة بين هذا القلب الصغير وربه.

في زحام الفرحة بالمولود، ينشغل كثير من الناس بالصور والهدايا والتهاني…
ويغفلون عن سنن عظيمة، لو تأملوها لعلموا أنها ليست طقوسًا،
بل بدايات مقصودة لصياغة الإيمان في أول لحظة.

ومن أعظم هذه السنن:
التحنيك… والأذان في أذن المولود.


أولًا: التحنيك… بركةٌ تُوضع في فم المولود

ما هو التحنيك؟

هو أن يُمضغ التمر (أو يُليَّن)، ثم يُوضع جزءٌ يسيرٌ منه في فم المولود،
ليصل إلى جوفه، مع الدعاء له بالبركة.

وقد ثبت ذلك في أحاديث صحيحة، منها:

عن أبي موسى رضي الله عنه قال:

وُلد لي غلام، فأتيت به النبي ﷺ فسمّاه إبراهيم، فحنّكه بتمر، ودعا له بالبركة…”

وعن أنس رضي الله عنه:

أنه جاء بعبد الله بن أبي طلحة إلى النبي ﷺ،
فطلب تمرًا، فمضغه، ثم جعله في فم الصبي، فجعل يتلمظه،
فقال ﷺ:  حب الأنصار التمر، وسماه عبد الله.


لماذا التحنيك؟ (معانٍ أعمق مما نظن)

قد يبدو الأمر بسيطًا…
لكن في الحقيقة هو يحمل معاني عظيمة:

1. طلب البركة من أهل الصلاح

كان الصحابة يأتون بأبنائهم إلى النبي ﷺ ليحنّكهم ويدعو لهم،
وهذا يدل على أثر الدعاء والبركة في بداية الحياة.


2. ربط أول غذاء بمعنى طيب

أول ما يدخل جوف الطفل ليس مجرد طعام…
بل شيء ارتبط بسنة، وذكر، وبركة.

وكأن الإسلام يقول:
ابدأ حياته على الطيب… ليألف الطيب.


3. تربية خفية للأب قبل الابن

فالأب حين يحرص على هذه السنة،
فهو يعلن منذ البداية:
هذا الابن لن يُربّى على العادة… بل على الاتباع.”


ثانيًا: الأذان في أذن المولود… أول ما يسمعه هو التوحيد

من السنن التي تحمل معنى بالغ العمق:
أن يُؤذَّن في أذن المولود عند ولادته.

فقد روى أبو رافع رضي الله عنه:

رأيت رسول الله ﷺ أذَّن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة.”


ما الحكمة من الأذان في أذنه؟

تأمل هذه المعاني التي ذكرها أهل العلم، وعلى رأسهم ابن القيم رحمه الله:

1. أن يكون أول ما يقرع سمعه هو التوحيد

  • الله أكبر…
  • أشهد أن لا إله إلا الله…

أول صوتٍ يسمعه… ليس ضجيج الدنيا،
بل نداء السماء.


2. تلقين غير مباشر للإيمان

كما يُلقَّن الإنسان عند موته كلمة التوحيد،
فهو يُستقبل بها عند ولادته.

بداية… ونهاية…
وما بينهما رحلة تثبيت.


3. حماية من الشيطان

ذكر ابن القيم أن من حكم الأذان:
أن الشيطان يفرّ من كلمات الأذان،
فيكون في ذلك تحصينٌ للمولود في أول لحظات حياته.


4. أثر يصل… حتى لو لم يُدركه الطفل

قد لا يفهم المولود شيئًا…
لكن القلب يسمع… والروح تتأثر.

ليست كل التأثيرات تُدرك…
وبعضها يُكتب في أعماق النفس منذ البداية.


ثالثًا: لماذا هذه السنن مهمة اليوم؟

لأننا – ببساطة – استبدلناها بأشياء لا معنى لها:

  • صور… دون ذكر
  • احتفالات… بلا روح
  • عادات… بلا هدي

بينما هذه السنن:

  • تربط الطفل بالله من أول لحظة
  • وتربط الأب بالسنة من أول مسؤولية
  • وتحوّل الفرح إلى عبادة

رابعًا: كيف تطبق هذه السنن عمليًا؟

التحنيك:

  • تُليِّن تمرة (أو تمضغها)
  • تضع قليلًا منها في فم المولود
  • تدعو له بالبركة

الأذان:

  • تؤذّن في أذن المولود اليمنى بصوتٍ خافت
  • بدون تكلف أو مبالغة
  • بنية إحياء السنة

أول ما يسمعه… يحدد كثيرًا مما سيصير إليه

طفلك لن يتذكر:
من حمله أولًا…
ولا ماذا لبس…
ولا من زاره…

لكنه – دون أن يدري –
قد يحمل أثر أول صوتٍ سمعه…
وأول بركةٍ وُضعت في فمه.

فاجعل بدايته:
ذكرًا… وبركة… وتوحيدًا.

لأن بعض البدايات
لا تُرى،
لكنها تصنع إنسانًا كاملًا.

Scroll to Top