عمرك ليس ملكك

المصيبة أنه على مدى اليومين الماضيين فقط وبعد حادثة فتاة سموحة رصدنا حالات أخرى .. ودعوة إلى تكرار التجربة ولو على المستوى الشخصي!!

فما هذا الخبال؟!!

وما ذاك الجنون؟!!

دعنا نتفق على شيء مزعج منذ البداية:
أنت لا تملك حياتك.

أعرف… هذه ليست الجملة التي تود قراءتها مع قهوتك.
كنا نفضل أن نظل نردد تلك الأكذوبة المريحة: أنا حر حياتي وأنا حر فيها.”
جملة تصلح لفيلم أمريكي رديء، لكنها لا تصمد خمس دقائق أمام الحقيقة.

الحقيقة أبسط… وأقسى:
حياتك ليست ملكًا لك.
هي عهدة.

أنت مجرد حارس ليلي، يتجول بين الساعات، يحمل مفاتيح لا تخصه، ويعلم في قرارة نفسه أن صاحب المكان سيعود يومًا ليسأله:
“ماذا فعلت؟”

منذ اللحظة التي صرخت فيها أول مرة — صرخة احتجاج مبكرة على الدخول — وأنت وقّعت عقدًا لم تقرأ بنوده.
عقد يقول باختصار:
ستعيش… وستُسأل.

لهذا كان الحكم واضحًا، لا يحتمل فلسفة ولا جدلًا وجوديًا متفلسفًا:
لا تقتل نفسك.

ليس لأنك شجاع إن عشت، ولا لأنك جبان إن مت…
بل لأنك ببساطة لا تملك حق القرار أصلًا.

الأمر يشبه أن تستأجر شقة، ثم تقرر فجأة أن تهدمها فوق رأسك لأن الطلاء لا يعجبك.
المالك لن يصفق لك على ذوقك الفني.

الآن ستقول — وأنت محق جزئيًا —:
“لكنني أتألم، أنا لست بخير.”

حسنًا…
مرحبًا بك في النادي.

الألم هنا ليس ضيفًا عابرًا… بل مقيم دائم، له مفتاح خاص، ويبدو أنه لا يدفع إيجارًا.

الزمن؟
الزمن لا يغدر… هذه عبارة رومانسية أكثر مما ينبغي.
الزمن ببساطة يدوس.
مثل حافلة مزدحمة لا تتوقف لتسأل إن كنت مستعدًا للنزول.

والأقارب؟
آه… الأقارب.
أولئك الذين يفترض أنهم شبكة الأمان… ثم تكتشف أنهم شبكة ديكور.
جميلة الشكل… عديمة الفائدة لحظة السقوط.

والناس؟
بعضهم لا يطعنك…
بل يراقب الطعنة باهتمام.

والوجع؟
الوجع لص محترف.
لا يسرق أموالك… بل يسرق قدرتك على الاستمتاع بما تبقى.

كل هذا مفهوم.
بل متوقع.

لكن — وهنا النقطة غير اللطيفة —
فهمي لوجعك لا يعني أن أبارك لك فكرة الهروب.

لأنك حين تفعلها… لا تنهي القصة.
أنت فقط تغيّر بطلها.

الألم الذي كان يسكنك وحدك…
سيتحول إلى مشروع عائلي.

أمك ستتعلم كيف تموت ببطء.
أبوك سيكتشف أن ظهره يمكن أن ينحني أكثر مما كان يظن.
وأصدقاؤك — إن وُجدوا — سيقضون سنوات يتساءلون:
“لماذا لم يقل شيئًا؟”

أنت لا تُغلق جرحك…
أنت توزّعه.

ثم هناك المفاجأة الكبرى — التي لا يذكرها أحد في لحظات اليأس:
الموت ليس نهاية الفيلم.
إنه بداية نوع آخر من الأفلام… بدون زر إيقاف.

أنت لا تخرج من الامتحان…
أنت تنتقل إلى لجنة أخرى، بأسئلة لم تذاكر لها، ومراقب لا يقبل الأعذار.

دعنا نكن صرحاء قليلًا:
معظم من يفكر في الانتحار لا يكفر بالله…
هو فقط يكفر بفكرة الفرج.
كفر بفكرة أن “بعد العسر يسرًا”.
كفر بأن السحابة السوداء ستمُر.
صدق الشيطان عندما همس في أذنه: “خلاص… هذه نهايتك. لا أحد قادم”.
وكذب الله الذي قال: “فإن مع العسر يسرا. إن مع العسر يسرا”.
لاحظ: “مع”، وليس “بعد”. يعني اليسر موجود الآن، داخل العسر،
لكنك لا تراه من شدة الظلام.

فالحقيقة أن اليسر ليس
دائمًا في نهاية النفق

أحيانًا يكون واقفًا بجانبك… وأنت لا تراه لأنك أطفأت النور بنفسك.

لا أملك نهاية ملهمة هنا، ولن أبيع لك وهمًا رخيصًا.
لن أقول لك إن كل شيء سيكون بخير… لأن الحياة لا تحب الوعود الكبيرة.

لكن يمكنني أن أقول لك شيئًا أكثر تواضعًا… وأكثر صدقًا:

اصمد اليوم فقط.

لا تفكر في العمر كله…
فقط هذا اليوم.

لأن الغد — على سوء سمعته —
قد يفاجئك.

والحياة… رغم كل شيء…
ما زالت لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.

Scroll to Top