نظرية إيقاف العالم (تجارب شخصية)

هناك من يولد وفي فمه ملعقة من ذهب…
وهناك من يولد وفي يده زر “إيقاف مؤقت” للعالم كله.

أنا… من الفئة الثانية.        
وللأسف، الزر يعمل بكفاءة مذهلة.

لا أبالغ… أو ربما أبالغ قليلًا، لكن الواقع دائمًا يبالغ أكثر مني.

كلما قررت أن أبدأ شيئًا جديدًا، يحدث شيء ما… شيء كبير بما يكفي ليجعلني أبدو كأنني السبب.
الكون لا يعارضني صراحة… هو فقط ينتظر حتى أتحرك، ثم يضغط زر الإيقاف بابتسامة هادئة، وكأنه يجلس متحفزًا، يراقبني في صمت، ثم يقول: “الآن… أوقفوا كل شيء”… أو كموظف حكومي يؤدي واجبه دون كراهية شخصية.

دعنا نحكي… لأن الحكاية وحدها تجعل هذا العبث قابلًا للاحتمال.


البداية: حين كنت ساذجًا بما يكفي لأحلم .. حيث لم أكن أعلم بعد أنني أمتلك هذه “الموهبة”.

في عام 2013، قررت أن أفعل شيئًا جريئًا…
أخذت إجازة بدون مرتب من عملي في الأوقاف لمدة عام كامل لإنشاء مشروع خاص بي في مدينة الغردقة.

قرار يبدو بسيطًا على الورق… لكنه في الحقيقة يشبه القفز من طائرة وأنت تأمل أن تتذكر لاحقًا أين وضعت المظلة.

أنت تترك مصدر أمانك الوحيد، وتراهن على فكرة… فكرة تبدو لامعة بما يكفي لتجعلك تتجاهل صوت العقل، أو على الأقل تخفضه إلى وضع الصامت.

لكنني كنت متحمسًا.
الحماس… هذا المرض الذي يصيب الإنسان قبل الكارثة مباشرة.

سافرت إلى الغردقة.
بدأت مشروعي الخاص… حلمًا صغيرًا صنعته بيدي، وكنت أتعامل معه كما يتعامل الأب مع طفله الأول: بحب زائد… وثقة غير مبررة.

كنت أستيقظ مبكرًا—وهذا في حد ذاته إنجاز—وأتحرك بحماس شخص يعتقد أن الحياة بدأت أخيرًا تأخذ شكلاً مفهومًا.

الشهر الأول:
الأمور ليست رائعة… لكنها تتحرك.
وهذا يكفي لمن لا يفهم الإشارات.

الشهر الثاني:
بدأت أشعر أنني على حق.
وهذا أخطر شعور يمكن أن يمر به الإنسان.

الشهر الثالث…
وهنا، كالعادة، تذكّر الكون أن له كلمة في الموضوع.

صدر قرار وزاري بإلغاء كل الإجازات، وعودة الجميع فورًا.

فورًا.

تلك الكلمة التي لا تمنحك وقتًا حتى لتوديع الحلم بشكل لائق.
عدت…
وتركت المشروع خلفي، لا مغلقًا… بل مهجورًا، كعلاقة انتهت دون نقاش.

ومن يومها… بدأ الشك وبدأت ألاحظ النمط.


وفي عام 2017 انقطعت عن العمل إمامًا وخطيبًا في المساجد عامين ونصف. لأسباب كثيرة… بعضها قهري، ثم عدت. عودة المنتصر من حرب طويلة، أو هكذا خُيّل لي.
شهر واحد فقط… شهر واحد يا سادة…

ثم أُغلقت المساجد بسبب وباء كورونا الذي اجتاح العالم كله.

جلست في بيتي أحدّق في الجدران،
وأفكر:
هل كان الفيروس ينتظر عودتي تحديدًا؟
هل هناك شخص ما قال: “دعوه يعود… ثم أغلقوا كل شيء”؟
أم أن هناك اجتماعًا عُقد وقالوا فيه:
“استنوا لما يرجع… وبعدين نضرب.”

لم أجد إجابة.
قلت لنفسي: ربما هي صدفة.


قبلها بقليل، قررت أن أدرّس اللغة العربية في أحد السناتر.
فكرة محترمة… نظيفة… لا تزعج أحدًا… ولا تستحق عقابًا كونيًا.

بدأت أتحرك…

صدر قرار إغلاق السناتر التعليمية. وتمت ملاحقة جميع السناتر التي تعمل وتشميعها.

لم أندهش هذه المرة.
ابتسمت ابتسامة شخص بدأ يفهم اللعبة.


أنا رجل لا أرتاد المقاهي.
لا أعرفها إلا كما يعرف السائح المتحف: زيارة عابرة كل بضع سنوات.
لكن أصدقاء السوء—وهؤلاء دائمًا لديهم أفكار تبدو جيدة في البداية—أقنعوني أن نجرب.

أن نلتقي كل أسبوع مرة، سهرة خفيفة، نكسر بها رتابة الحياة.

“سهرة كل جمعة… تغيير جو… مش هتموت.”

وافقت.

في أول ليلة…
فقط أول ليلة…

صدر قرار إغلاق المقاهي توفيرا للكهرباء.

لم يكن الأمر مجرد قرار…
بل حملة مفاجئة، كأنها قوة خاصة تبحث عن مجرم خطير… وكان المجرم هو “مزاجي الذي قرر التغيير”.

خرجنا مطرودين… كأننا شاركنا في مؤامرة كونية.
وأنا في داخلي أقول:
“واضح جدا أنهم قد عرفوا بقدومي”.


في تلك المرحلة، لم يعد الأمر مزحة.

بدأت أؤمن أن هناك ملفًا باسمي في مكان ما.
ملف حقيقي… عليه ختم رسمي…  وربما بضمان اثنين موظفين… مكتوب عليه:

” راقبوا هذا الشخص… إذا قرر أن يبدأ شيئًا، أوقفوا النشاط فورًا.
لا تنتظروا النتائج”.


ثم جاءت الضربة الكبرى.

عرض عليّ صديق عملًا محترمًا في دولة الإمارات.

راتب… لا يُذكر أمام الناس حتى لا تُتّهم بالكذب.
عمل أحبه.
مستقبل يبدو… واعدًا بشكل يثير الشك.

وهنا تحديدًا بدأت أشك.

جلست أفكر…
فقط أفكر.

لم أوقّع.
لم أتحرك.
لم أفعل شيئًا.

وفجأة…

توتر إقليمي.
حرب.
تصعيد.
اشتعلت المنطقة.

حرب بين إيران والكيان… أمريكا تدخل… التوتر يصل إلى درجة تجعل العالم يتحول إلى مكان لا يصلح لبداية جديدة.

أغلقت الموضوع.

ليس خوفًا…
بل مسؤولية… و احترامًا للنمط.

أنا الآن أفهم تأثيري.


في تلك اللحظة، بدأت أقتنع أن الأمر ليس سوء حظ… بل نوع خاص جدًا من الحظ.

أنا لا أتعثر… أنا أُوقف الأشياء.

أنا لا أفشل.
أنا أُعيد ضبط الواقع.

بدأت أتعامل مع حياتي بحذر…
لا أتحمس كثيرًا…
لا أعلن خططي…
أفكر ألف مرة قبل أن أقرر …

ليس خوفًا على نفسي…
بل شفقةً على العالم ومراعاةً للآخرين.

أتعامل مع الحياة كما يتعامل شخص مع قنبلة: بحذر… وبأقل قدر من الحركات.

تخيل أن تبدأ مشروعًا… فيُغلق العالم بسببه!

هذه ليست نحسًا…
هذه قوة خارقة غير مرغوب فيها.
مسؤولية ثقيلة لا يتحملها أي إنسان.


لكن… دعني أعترف بشيء خطير.

رغم كل هذا…
ما زلت أفكر.

ما زلت أريد أن أبدأ شيئًا جديدًا.
ما زال هناك صوت صغير بداخلي يقول:

“جرّب مرة أخرى… هذه المرة مختلفة.”

وفي هذا الصوت تحديدًا يكمن الخطر.

ليس في كورونا.
ولا في القرارات.
ولا في الحروب.

بل في تلك الفكرة الصغيرة التي تهمس لك:
“جرّب مرة أخرى… ربما ينجح الأمر هذه المرة.”
وأنا… للأسف… رجل لا يجيد تجاهل هذه الهمسات.


فإن قرأت يومًا خبرًا عن إغلاق العالم لمدة أسبوعين بلا سبب واضح… أو خبرًا غريبًا عن تعطل الحياة بلا سبب مفهوم…

لا تبحث كثيرًا عن التفسير.

فقط…
اعلم أنني قررت أن “أبدأ من جديد”.
وأعتذر مقدمًا!!

Scroll to Top