النجاة من القاهرة

حينما أستعد للسفر إلى القاهرة… لا أجهّز حقيبتي فقط، بل أبدأ في تعبئة رأسي بالقلق.

قبلها بأيام، تتكاثر الهواجس في صمت، ثم تتجرأ ليلًا… فتتحول إلى كوابيس كاملة الأركان.

ويأتي اليوم المنتظر… ثقيلاً كفيلٍ يطأ نملةً دون أن يشعر، بينما أشعر أنا بكل خطوة.

حتى إذا عدت… لا أفرح بالوصول بقدر ما أتنفس، كأنني كنت أحبس أنفاسي طوال الرحلة، وعدت أخيرًا لأرضٍ تعرفني… وأعرفها.

الغريب أنني أكرر هذه الطقوس كل مرة، وكأن القاهرة لم تكتفِ بعد بما فعلته بي… أو كأنني لم أتعلم.

في القاهرة، كل شيء يحدث بسرعة لا تناسبني…
الناس تمشي وكأنها تهرب من شيء لا أراه،
والسيارات تتزاحم كأن الطريق سيختفي إن لم يمروا الآن،
والأصوات… لا أحد يعرف من أين تبدأ ولا متى تنتهي.

أحاول أن أكون هادئًا، أن أتصرف كواحد منهم… لكنني أفشل سريعًا.
أكتشف أنني غريب، ليس لأنني لا أعرف الطرق، بل لأنني لا أفهم هذا الإيقاع المجنون للحياة.

هناك، الوقت لا يُقاس بالساعات… بل بعدد المرات التي تنظر فيها إلى ساعتك في ضيق.

أراقب الوجوه… فأجدها متشابهة في شيء واحد: العجلة. كلهم مستعجلون، لكن لا أحد يخبرك إلى أين.

وربما لهذا أشعر بذلك الثقل… ليس خوفًا من السفر، بل من أن أُسحب دون أن أشعر إلى هذا التيار، فأفقد هدوئي البسيط، وأصبح نسخة أخرى تركض بلا سبب واضح.

في تلك المرة، ذهبت إلى جامعة الأزهر بمدينة نصر، أحمل أوراقًا لأُنهي بها أوراقًا أخرى، وكأنني أدور في حلقة رسمية لا بداية لها ولا نهاية. ثم كان عليّ أن أذهب إلى جامعة القاهرة بالجيزة… ثم أعود من جديدإلى جامعة الأزهر.

اخترت الطريق “الأذكى” كما يقال… سيارة إلى رمسيس، ثم المترو توفيرًا للوقت. كنت أظن أنني أتحكم في الرحلة… ولم أكن أعلم أن الرحلة هي التي ستتحكم فيَّ.

أنهيت ما أردت سريعًا، وكان الوقت لا يزال في صالحي… فخطرت لي فكرة بدت بريئة: لماذا لا أركب ميني باص يدور بي قليلًا؟ أرى القاهرة كما كانت… أو لأعيد ذكرياتي معها.

ركبت… وجلست أراقب.

لم يمض وقت طويل حتى ظهر بطل المشهد… صبي لم يتجاوز الحادية عشرة، يتولى جمع الأجرة، وكأنه وُلد وفي يده فكة. شعره مصفف بطريقة تستفز العين قبل أن يفعل هو، وفمه يميل وهو يتكلم كأن الكلمات تخرج مكرهة، ولسانه يضغط على الحروف ضغطًا يجعلها تفقد كرامتها.

كان يدخن.

لا يخفي السيجارة… بل يدخنها بثقة من يملك المكان، وكأن الركاب ضيوف عنده لا العكس.

بدأ التململ… هذا يشكو من الدخان، وذاك يذكره بأن هناك مريضًا في صدره، وأخرى تشير إلى بطنها في صمت بليغ… لكنه كان يستمع كما يستمع الحائط: بلا اعتراض… وبلا استجابة.

أنهى سيجارته في هدوء، ألقاها، ثم عاد يكمل عمله… وكأن شيئًا لم يحدث، وكأن كل تلك الأصوات كانت تدور في عالم موازٍ لا يراه.

لحظتها… أدركت أن الضجيج في القاهرة ليس في الشوارع فقط، بل في الإحساس نفسه.

أن تتكلم ولا يُسمع لك… أن تتضايق ولا يراك أحد… أن يحدث كل شيء، دون أن يعني ذلك أحدًا.

نظرت حولي، فوجدت الركاب قد صمتوا… ليس اقتناعًا، بل استسلامًا.

وهنا فهمت شيئًا مهمًا: في القاهرة، لا تنتصر لأنك على حق… بل لأنك اعتدت.

لذلك، حين أعود… لا أحتفل بوصولي، بل أحتفل بأن شيئًا داخلي لم يتغير بعد.

أعود فأجلس في مكاني المعتاد، أتنفس ببطء، أستعيد صوتي الداخلي الذي كاد أن يضيع وسط الضجيج… وأدرك أن بعض الأماكن لا تُتعبك بأحداثها، بل بطريقتها في ابتلاعك.

ومع ذلك… سأذهب مرة أخرى، وأقلق مرة أخرى، وأشتكي مرة أخرى، وأكتب عن الأمر كأنني أكتشفه لأول مرة…

لأننا – ببساطة – لا نتعلم…
نحن فقط نعتاد، ثم ندافع عما اعتدنا عليه.

Scroll to Top