
قبل عيد الفطر بيومين أو ثلاثة، أذهب عادةً إلى الحلاق. ليس لأنني شديد الاهتمام بمظهري، بل لأنني أحب أن أبدو – في هذا اليوم تحديدًا – كإنسانٍ “مقبول” بصريًا، لا يثير الشفقة ولا الذعر. كما أنني أُفضّل تجنب الزحام الأسطوري ليلة العيد، ذلك الزحام الذي يجعلك تشك أن نصف الشعب قرر فجأة أن الشعر الزائد خطر قومي يجب التخلص منه فورًا.
لكن هذا العام… قررت أن أكون أكثر “تنظيمًا”.
حجزت موعدًا هاتفيًا مع الحلاق قبلها بيوم، فحدد لي موعدا فجر يوم وقفة العيد فقلت لنفسي: “نعم، فجر يوم الوقفة، بعد الصلاة مباشرة، هكذا أكون قد سبقت الجميع بخطوة”.
خطة عبقرية… على الورق.
صليت الفجر، وذهبت.
فوجدت – بكل بساطة – أن أكثر من نصف الشعب قد سبقني إلى نفس الفكرة العبقرية.
المكان مكتظ، الهواء ثقيل، والكراسي ممتلئة بأشكالٍ من قصّات شعر لا يمكن تصنيفها إلا تحت بند “تجارب علمية فاشلة”. هناك من اختار أن يحلق نصف رأسه ويترك النصف الآخر، كأنه في حالة حداد جزئي. وآخر قرر أن يرسم خطوطًا متعرجة تجعلك تتساءل إن كان الحلاق مستيقظا أثناء تنفيذ جريمته. وثالث يبدو كأنه مهرج ينتظر عرضه في السيرك القومي.
وقفت أراقب هذا المشهد، بين الدهشة والضحك الخافت، إلى أن وقعت عيني على شيءٍ أكثر غرابة.
بعض هؤلاء… أعرفهم.
نعم، نفس الوجوه التي كنت أراها نهار رمضان، واقفين في الظل، يدخنون في هدوء، وكأنهم يمارسون طقسًا سريًا لا يراه أحد.
نفس الضحكات، نفس الاستهتار، نفس اللامبالاة التي تقول لك بوضوح: “رمضان لا يعنيني”.
والآن… يقفون في طابور العيد.
المشهد كله كان يشبه مفارقة سيئة الكتابة.
شهر كامل من التجاهل…
ثم ليلة واحدة من الاستعداد المكثف.
كأنك تجاهلت فيلمًا كاملًا، ثم دخلت في آخر خمس دقائق لتصفق بحرارة وتقول: “نهاية رائعة!”.
أي منطق هذا؟
لا أفهم – بصراحة – كيف يمكن لإنسان أن يتعامل مع رمضان كأنه عطلة عادية، لا يغير فيها شيئًا، لا يحاول حتى أن يتظاهر بالمحاولة… ثم يتعامل مع العيد كأنه حق مكتسب.
العيد، في جوهره، ليس حفلة عامة مفتوحة الدعوة.
ليس “مولدًا” يدخل إليه من شاء ويخرج منه من شاء.
العيد نتيجة… لا مناسبة.
نتيجة لثلاثين يومًا من الصراع الصغير مع النفس، من المحاولات، من السقوط ثم الوقوف.
نتيجة لشعور داخلي بأنك – ولو بنسبة 10% – أصبحت أفضل.
لكن ماذا عن أولئك الذين لم يدخلوا هذا الصراع أصلًا؟
وأنا جالس أنتظر دوري، بدأت أستمع إلى الأحاديث الجانبية.
أحدهم يتحدث بحماس عن سهرته ليلة أمس، وآخر يخطط لسهرة الليلة، وثالث يسأل: “هتلبس إيه بكرة؟”.
لا أحد – تقريبًا – ذكر رمضان.
كأن الشهر لم يكن هنا.
كأنه مرّ عليهم كما تمر نشرة إعلانية مزعجة، نبحث عن زر “تخطي” ونضغطه بلا تردد.
ثم تذكرت مشهدًا آخر… خارج محل الحلاقة.
صالونات التجميل المكتظة ليلة العيد.
فتيات ونساء لم يبدُ على حياتهن طوال الشهر أي أثر لرمضان: لا صلاة، لا هدوء، لا محاولة حتى لتغيير الإيقاع.
ثم، فجأة، في ليلة واحدة، يتحول الأمر إلى سباق محموم نحو “الظهور المثالي”.
مرة أخرى… نفس الفكرة.
تجاهل كامل…
ثم استعداد مكثف للاحتفال.
قد يقول قائل: “وما المشكلة؟ العيد فرحة للجميع”.
نعم… العيد فرحة.
لكن ليس كل فرحٍ حقيقي.
هناك فرق بين من يفرح لأنه وصل…
ومن يفرح لأنه اشترى ملابس جديدة.
الأول يشعر بخفة داخلية، كأنه تخلص من شيءٍ ثقيل.
الثاني يشعر بثقلٍ لا يفهمه، فيحاول تغطيته بالمظاهر.
المشكلة ليست في الحلاقة، ولا في الملابس، ولا حتى في السهر والضحك.
المشكلة في هذا الانفصال الغريب بين السبب والنتيجة.
أن تريد النتيجة… دون أن تمر بالسبب.
أن تحتفل بالنجاح… دون أن تذاكر.
أن ترفع كأس الفوز… دون أن تلعب المباراة.
تخيل معي طالبًا لم يحضر المحاضرات، لم يفتح كتابًا، لم يحل تمرينًا… ثم ذهب يوم إعلان النتيجة ليقف بين الناجحين ويصفق معهم.
قد يبدو المشهد مضحكًا… لكنه، لسببٍ ما، يتكرر كل عام في صورة أخرى.
وأنا أغادر محل الحلاقة أخيرًا، بعد رحلة طويلة مع الانتظار والضجيج، فكرت في جملة واحدة فقط:
“هذا العيد… ليس للجميع”.
ليس بمعنى الإقصاء، ولا التعالي، بل بمعنى الحقيقة البسيطة التي نحاول تجاهلها:
العيد الحقيقي يسكن القلب… لا الرأس.
قد ترتدي أجمل الملابس، وتحصل على أفضل قصة شعر، وتلتقط عشرات الصور…
لكن إذا لم يكن هناك شيء تغيّر في داخلك خلال هذا الشهر… فكل هذا مجرد ديكور.
جميل… لكنه فارغ.
ليلة العيد ليست لحظة سحرية تمحو ما قبلها.
ليست زر “إعادة ضبط” يضغط عليه الإنسان فيتحول فجأة إلى نسخة أفضل.
هي، في أفضل حالاتها، انعكاس لما كنت عليه طوال الشهر.
فإن كان الشهر مليئًا بالمحاولة… جاء العيد مليئًا بالراحة.
وإن كان الشهر فارغًا… جاء العيد ضجيجًا بلا معنى.
ربما لا يزال هناك وقت لتفهم الفكرة، حتى لو جاء متأخرًا.
ليس لإصلاح رمضان… فقد انتهى.
لكن لإصلاح هذا المنطق الغريب الذي يجعلنا نريد الثمرة دون أن نزرع.
في النهاية…
وأنت تقف أمام المرآة ليلة العيد، تتأمل شكلك الجديد، اسأل نفسك سؤالًا بسيطًا:
هل تغيّر شيء… غير شعري؟
إذا كانت الإجابة “لا”…
فربما عليك أن تعيد التفكير في معنى العيد نفسه.
لأن الحقيقة، بكل بساطتها القاسية:
ليس كل من وقف في زحام الحلاقين… كان له عيد.
بعضهم فقط… كان له موعد مع المرآة، لا مع نفسه.