المهزلة السنوية التي نسميها ترفيهًا

كل عام، ومع بداية رمضان، لا ينتظر الناس الهلال بقدر ما ينتظرون لحظة سقوط الضيف في الفخ.
وكل يوم، ومع انطلاق مدفع الإفطار، نفطر على موعد هزلي محدد مسبقًا: البرنامج ذاته، الضيف ذاته، المواقف نفسها… وكأن العالم كله ينتظر أن يرى كيف سيصرخ أحدهم أمام الكاميرا.

نحن أمة صارت تعرف جدول المقلب قبل أن يُصوَّر، وتحفظ السيناريو قبل أن يُكتب، ومع ذلك تجلس في الموعد نفسه… بنفس الشغف الذي ينتظر به طفل صغير لعبة قديمة يعرف أنها مكسورة.


يأتي الضيف محترمًا،
يدخل بابتسامة مصقولة.
يُستقبل استقبالًا حافلًا.
ديكور فخم.
مذيع رسمي.
كاميرات محترمة.

ثم، فجأة، يتحول كل شيء إلى سيرك.

سخرية لاذعة من ملامحه.
تعليقات على وزنه.
نكات عن شكله.
من هيئته، من طريقة جلوسه، من كل شيء يبدو أنه يخصه شخصيًا.
غمز ولمز وتنمر مغلف بورق “المرح”.

ثم المقلب: سقوطه في فخ محفوظ منذ سنوات،
الصراخ نفسه،
الصدمة المصطنعة،
الشتائم نفسها،
الحركات نفسها.

الموسيقى نفسها التي تخبرك متى تخاف ومتى تضحك، لأن البرنامج لا يثق في قدرتك على الإحساس وحدك.

ثم يظهر مقدم البرنامج في اللحظة الدرامية المنتظرة، فينهمر سيل الشتائم المحفوظة، يعقبها أحضان، قبلات، ضحكات، جملة “إنت اللي عملت كده؟!” التي تُقال كل عام بنفس الدهشة التي فقدت معناها منذ عام 2014 تقريبًا؛ وكأن القواعد الاقتصادية للبرنامج لم تتفق على أنه سيتقاضى أجره بالدولار مقابل هذا الاستعراض.

والمشاهد؟
يشهق.
يندهش.
ينشر المقطع.
ويكتب: “أقوى حلقة السنة دي!”

مع أنه كان يعرف النهاية قبل البداية.


لن أتكلم عن ترويع إنسان، لأن الترويع المتفق عليه يشبه اللكمة المتفق عليها في المصارعة الحرة: مؤلم شكليًا، مربح فعليًا.
لن أتكلم عن السخرية، لأن الضيف قبض ثمن كرامته بالدولار، وغادر سعيدًا إلى حسابه البنكي.
لن أتكلم عن التكرار، لأننا نحفظ المشهد أكثر مما نحفظ جدول الضرب.

سأتكلم عنك.
نعم، أنت.

فالمشكلة ليست في البرنامج، ولا في الضيف، ولا حتى في مقدم البرنامج نفسه.
المشكلة تكمن في: نحن الذين نجلس وننتظر، ونشاهد، ونعيد نشر، ونعجب، ونقلد.

المشكلة في ذلك الانتظار السنوي الذي يشبه طقسًا لا بد من وجوده.
في لهفة غريبة لمشاهدة شخص يُسخر منه أمام ملايين.
في ضحكة تعرف أنها مصطنعة، لكنك تضحك معها احترامًا للتقاليد.


شاهدت أطفالًا يقلدون قصة الشعر، طريقة الكلام، طريقة الضحك، حتى نظارات المقدم.
رأيت برنامجًا على السوشيال ميديا، يعدّه طفل صغير مع أسرته وأصدقائه، يسخر، يصرخ، يضحك، يحاكي كل شيء.

الفارق الوحيد أن الضيف لن يقبض بالدولار على الحلقة.
سيقبض إعجابًا من الجيران.

وهكذا تتكاثر النسخ الرديئة من الرداءة الأصلية، مثل فيروس وجد بيئة مثالية في عقول مهيأة للتصفيق.

وهنا فقط تدرك أن البرنامج لم يعد فقرة ترفيهية…
بل أصبح منهجًا.


المشكلة ليست في البرنامج.
البرنامج ذكي جدًا.
يعرف أنك ستشاهده مهما كرر نفسه.
يعرف أنك ستهاجمه نهارًا وتنتظره ليلًا.
يعرف أنك ستقول “سخافة” ثم تضغط “مشاركة”.

المشكلة فينا.

في رغبة طفولية للتصفيق لكل ما يلمع ويصرخ.
في استعداد عجيب لأن نضحك على الإهانة إذا صُورت بإضاءة جيدة.
في جيل يظن أن الجرأة تعني الصراخ، وأن الكاريزما تعني التنمر الخفيف، وأن النجاح هو أن تجعل أحدهم يشتمك أمام الكاميرا ثم يعانقك بعدها.

لقد أصبحنا جميعًا في مهزلة متكررة:

نحن من يجعل الضحك المصطنع حقيقة.
نحن من نصنع الوحش، ثم نستغرب حجمه.
نحن من نمنحه نسب المشاهدة، ثم نلعن الذوق العام.
نحن من يعطي للبرنامج صك النجاح السنوي.
نحن من يقلّد، وينقل، ويشترك في المسرحية.
نحن من نربي أطفالنا على أن المقلب أهم من الفكرة، وأن الضحك أعلى من القيمة، وأن الشهرة أهم من الاحترام.

ثم نعود لنلوم المجتمع، وننسى أننا جزء من هذا المجتمع، وأننا من يزرع البذرة، ويعتاش على مهزلة العام الماضي، ويستعد لتكرارها كل عام.


الحقيقة القاسية:
البرنامج ليس مهزلة.

المهزلة هي أننا نعرف كل ذلك…
ومع ذلك نضبط المنبه قبل الحلقة بدقائق.

ثم نسأل، ببراءة مؤثرة:
“هو المجتمع رايح على فين؟”

المجتمع يا سيدي لا يذهب إلى أي مكان.
إنه يجلس أمام الشاشة…
ينتظر المقلب القادم.

 

Scroll to Top