أول يوم صيام

كان أول يوم صيام في حياتي حدثًا جللًا أشبه بإعلان انتقالي الرسمي من عالم الصغار إلى صفوف الرجال.

استيقظت يومها وأنا أشعر أن الجوع القادم وسامٌ معلّق ينتظر صدري، وأن العطش اختبار رجولة لا ينجح فيه إلا الأشداء وأصحاب البطون الفارغة.

كنت أراقب بطني وهي تقرقر كأنها تعترض على القرار، فأربِّت عليها في صمت وأقول: اصبري نحن نصنع التاريخ.

الجوع جاء مبكرًا. والعطش جاء متبخترًا كضيف ثقيل يعرف أنه غير مرغوب فيه لكنه باقٍ للنهاية. ومع ذلك كنت فخورًا

كنا نحن الصبية نخرج ألسنتنا لبعضنا، كاختبار صيام رسمي غير معتمد من أي جهة شرعية؛ فإن كان لون اللسان أبيض فأنت صائم حقًا، ودلائل الصيام واضحة ظاهرة؛ وإن كان أحمر فأنت موضع شبهة ومحل اتهام، وقد تُستقبل بأغنية جماعية: يا فاطر رمضان يا خاسر دينك!  وهي أغنية لها من الرهبة ما يجعل أقسى الرجال يعيد حساباته.

في هذا اليوم سألت أبي عن موعد الأذان ثلاثين مرة على الأقل حتى ملَّني أبي والجيران وسكان الكواكب الأخرى.

كان الوقت يمشي ببطء السلحفاة، بينما معدتي تجري بسرعة أرنب مذعور.

لكن الامتحان الحقيقي لم يكن في اللسان ولا في الوقت بل في مرطمان الزيتون.

كان الزيتون في بيتنا وبيوت غالب القرية ضيفًا نادرًا، لا يظهر إلا كما تظهر الكواكب في نشرات الأخبار. نسمع عنه أكثر مما نراه. ولا يزين إلا موائد الأغنياء الذين نتصور أنهم يأكلونه يوميًا كما نأكل نحن الخبز.

اشترى لنا والدي مرطمانا صغيرًا، شفافًا، تتراص داخله حبات زيتون سوداء لامعة كأنها خرز ثمين محفوظ في خزانة عائلية. وهذه مناسبة – كما تعلم – قلما تتكرر.

قبل المغرب بدقائق تسللت نحو المرطمان، فتحت الغطاء بحذر اللصوص المحترفين، وأخذت زيتونة واحدة. واحدة فقط لأن الطمع بداية السقوط، ولأنني أردت أن أكون سارقًا شريفًا.

وضعتها في فمي.

وهنا بدأت الأزمة الوجودية.

أأبتلعها وأعلن إفطاري في أول يوم صيام؟ أم أبصقها فأخسر فرصة تاريخية لا أعرف بالضبط متى تتكرر؟

ظللت ممسكًا بها بين لساني وضميري. لا أبلعها، ولا أخرجها، ولا حتى أبتلع ريقي. كنت واقفًا هناك كتمثال أخلاقي مرتبك.

دقائق مرت كأنها خطبة دهر طويل. ثم صدح الأذان فالتهمتها التهام الفاتحين، وأنا أشعر أنني انتصرت على الشيطان أو ربما تحايلت عليه بطريقة لا يعاقب عليها الفقهاء.

وفي المدرسة كان لي مشروع انحراف مبكر. اتفقت مع رفاق السوء وكانوا كُثرًا، سامحهم الله وبارك فيهم فقد تعلمت منهم مهارات لا تُدرَّس أن نهرب في أول يوم رمضان.

استطاع صديقي التملص إلى خارج المدرسة وألقيت له حقيبتي من الشباك، وبعد قليل استأذنت الأستاذ وكان أستاذ الفقه بالمناسبة لأخرج من أجل أن أشرب ماء.

ضحك الفصل كله وأنا أنظر إليهم في بلاهة بريء لم يفهم بعد سبب إعدامه، ونظر إليّ الأستاذ نظرة رجل اكتشف لتوه أنه يدرّس الفقهَ كائنًا لا ينتمي إلى هذا الكوكب.

–        أنت فاطر يا هِلْف؟

أقسمت له بأغلظ الأيمان أني صائم لكني نسيت.

ثم أردفت: طيب بلاش أشرب .. أخرج إلى الحمَّام؟

ابتسم ابتسامة من يفهم اللعبة، وقال: اخرج بنبرة معناها “أفهمك أيها الوغد الصغير”.

أما ساعة الإفطار فكانت ملحمة أخرى.

انهمكت في أول طبق صادفته كأن المائدة ستُسحب من تحتي. أكلت حتى امتلأت، ثم رفعت رأسي لأكتشف أطباقًا أخرى لم أرها من قبل، كأنها نزلت بعد الشبع بدقائق لا من أول الإفطار. حاولت أن أمد يدي لكن لم يكن في بطني موضع شاغر لاستقبال لاجئ جديد.

لا أنسى صديقي – ولن أذكر اسمه حفاظا على الستر فاسمه فريد، وهو بالمناسبة ابن شيخي، وصديق على صفحتي – والكل يعرفه الآن على أي حال

في أول يوم صيام له كما حكى لنا والده حفظه الله – ولن أذكر اسمه طبعا حتى لا تعرفوا من فريد ولأن الشيخ أبو الأفراح (والده) غني عن التعريف وربما أفرد له مقالا أتكلم فيه عنه فهو من أحب الناس إلى قلبي – عند الساعة العاشرة صباحا تقريبا طلب من أبيه أن يأكل “بكونة” (خبزة بالسمن واللبن يسميها الناس قُرصة) ويتمضمض ويظل صائما!! .. فوافقه والده حفظه الله على فكرته بكل حنان شرط المضمضة حتى لا يفسد صيامه.

وبعد الظهر طلب بكونة أخرى شريطة أن يتمضمض ويظل صائما. بنفس الحنان وافقه والده.

وعند العصر تكرر نفس الشيء بنفس الشرط المحدد المضمضة بعد البكونة وشيخنا يوافقه.

قبيل المغرب أحس المسكين بألم الجوع يمزق معدته هرول إلى أبيه يذكره بالبكونة والشرط؛ فقال له الشيخ ناصحا أمينا: يا فريد إنت تفطر يا ابني أحسن.

وهذا في رأيي أعدل ولا شك أوفر كثيرا من صيامه. حفظ الله فريدا وأباه وإخوته ورحم والدته

تلك كانت بداياتنا مع الصيام.

جوعٌ نظنه رجولة، وعطشٌ نحسبه كمالًا، وزيتونة واحدة كادت تسقط تاريخًا كاملًا من الشرف الطفولي، وبكونة بريئة لا تجرح صيامك.

كبرنا بعد ذلك وصار الجوع عاديًا، والعطش مفهومًا، لكن لذة تلك الزيتونة والله ما زالت حتى اليوم أصدق من كثير من الولائم، لأنها لم تكن زيتونة فحسب كانت أول مفاوضة رسمية بين معدتي وضميري.

Scroll to Top