
هذا ليس مقالًا عن رمضان…
بل عن أشياء صغيرة لم نعرف قيمتها إلا حين كبرنا.
كان رمضان قديمًا فقيرًا في الإمكانيات…
غنيًا في المعنى.
نحن لم نكن نعرف هذا وقتها، بالطبع.
كنا نظن أن هذا هو الطبيعي، أن الحياة هكذا دائمًا، وأن الأشياء ستظل محتفظة بطعمها ورائحتها إلى الأبد.
لم نكن نعلم أن الذكريات كائنات هشة، لا تعيش إلا إذا أغمضت عينيك جيدًا.
في قريتنا، حيث انقطاع الماء ليس أزمة طارئة بل نظام حياة، كان الفجر في رمضان يبدأ قبل الصلاة بخطوة.
نحمل الجراكن معنا إلى المسجد، نمشي بها في صمت نصف نائم، نؤدي الصلاة، ثم نملأ الماء من حنفية المسجد وكأننا ننجز مهمة سرية، أعود بعدها لكي أستقبل دعوات أمي التي ما زالت تتردد في أذني.
لم يكن أحد يشتكي من هذا الطقس.
فقد كان جزءًا من طقوس الفجر، مثل الدعاء، مثل السجود الطويل، مثل الإحساس بأنك فعلت شيئًا صحيحًا قبل أن يستيقظ العالم.
كنا ننام مبكرًا.
نعم، ننام.
فكرة السهر حتى الفجر لم تكن بطولة، بل كانت علامة خلل.
لكن أذكر ليلة خرجت عن هذه القاعدة.
كان البيت كله سهرانًا لسبب لا أذكره الآن… مناسبة عائلية عابرة ربما، أو ضيف طال بقاؤه، أو حديث امتد أكثر مما ينبغي.
المهم أن الليل لم يُطفئ أنواره مبكرًا تلك المرة.
جلسنا معًا، نتبادل كلامًا بسيطًا، ضحكات خافتة، وأكواب شاي بردت أكثر من مرة.
وكان في الخلفية صوت الشيخ كامل يوسف البهتيمي يتلو عبر إذاعة القرآن الكريم من سورة الفرقان.
لا أعرف لماذا علقت تلك التلاوة تحديدًا في ذاكرتي.
وكلما سمعتها حتى الآن عادت تلك الليلة.
وذلك الإحساس العجيب الذي أحسسته ليلتها وكأنني شاركت في حدث كوني صغير.
كأن الليل سلّم الأمانة للنهار أمام عيني.
وظللتُ أيامًا… بل سنين، أتحدث عن تلك الليلة التي بقيت فيها مستيقظًا حتى شهدتُ الفجر.
كان المسحراتي، بطبلته العالية ودون أن يرفع صوته بمقامات مختلفة، يوقظنا لا لنأكل فقط، بل لنثبت لأنفسنا أن رمضان ما زال يمر من هنا.
كنا نوقظ بعضنا بعضًا، ننتظر صوت طبلته حتى تقترب، ثم نفرح عندما يقف لحظة أمام بيتنا، كأن الطبل نادانا بالاسم.
أما الطعام…
فلا تحاول أن تقارنه بما نراه اليوم.
أغلب الأيام لم يكن هناك لحم.
ولم يكن هذا مدعاة للحزن.
كانت هناك صينية بطاطس، تدخل الفرن البلدي وتخرج وقد اكتست بطبقة علوية محروقة قليلًا، احتراقًا ذكيًا، ذلك النوع الذي يقرمش تحت الأسنان ويحتفظ بالحرارة في الداخل.
حتى اليوم، ما زالت رائحتها قادرة على سحبك من أي مكان بعيد، وما زال طعمها يربك ذاكرتك ويجعلك تشك أن السعادة كانت أبسط مما نتصور.
حتى العدس…
حتى الفول.
كان لهما طعم آخر، طعم لا تجده في المطاعم، ولا في البيوت الحديثة.
ربما لأنهما كانا يُطهَيان على مهل، أو لأننا كنا جائعين بحق، أو لأن أمي كانت تضع فيهما شيئًا لا يُباع في الأسواق.
الأطباق كانت معدودة.
طبقين أو ثلاثة، بالكاد.
لكنها كانت تبدو كوليمة.
ليس لأن الطعام كثير، بل لأن القلوب كانت فارغة ومستعدة للامتلاء.
الحلوى لم تكن وفيرة.
كنا نعرف صينية الكنافة، وأكواب العرقسوس.
رمزان لا يكتمل رمضان بدونهما.
ولم يكونا موجودين كل يوم.
وهذا تحديدًا ما كان يمنحهما قيمتهما.
الندرة كانت تصنع الفرح.
زينة رمضان؟
ولا تضحك من فضلك، فهذه ذكرياتي وأنا أعتز بها؛
زينة رمضان،
قصاصات ورق، نُشكّلها بأيدينا، قراطيس وأشكال طفولية، نعلّق فرعين أو ثلاثة في الشارع، وننظر إليها كأننا أضأنا القرية كلها.
لم نكن نحتاج إلى آلاف اللمبات لنشعر أن الشهر دخل.
وصلاة التراويح…
آه، صلاة التراويح.
كان المسجد يمتلئ بأهله.
ليس بالمصلين الغرباء، بل بالوجوه التي تعرفها، بالأسماء التي تحفظها، بالأصوات التي تشبه بيتك.
الصفوف متلاصقة، والدعاء مسموع، والبكاء – إن حدث – كان صادقًا، بلا مكبرات، بلا استعراض.
ما بين العصر والمغرب، كان هناك طقس آخر لا يقل قداسة.
الكرة.
أو مشاهدة من يلعب.
الكل يلعب مع الكل.
لا فرق، لا دورات رمضانية، لا كؤوس ولا رعاة.
مجرد وقت نقتله قبل الأذان – إن صح التعبير – ويقتل فينا بعض التوتر.
كنا نعود للبيوت متعرقين، متعبين، لكن مستعدين للإفطار.
التليفزيون كان بريئًا.
قناتان أو ثلاث، لا أكثر.
بوجي وطمطم، فوازير عمو فؤاد، نيللي أو شريهان، حكايات ألف ليلة وليلة، ورعب الأشكيف الذي لم نُشفَ منه حتى اليوم.
وفي السهرة: فكر ثواني واكسب دقايق، أو كلام من دهب.
لم يكن هناك ألف مسلسل يتصارع على وقتك، ولم يكن رمضان يُختطف باسم الترفيه.
وقرآن العصر…
أو قرآن المغرب.
كان طقسًا لا يُناقَش.
صوت المقرئ يسبق الأذان، يهيئ القلب، يهدئ البيت، يضع كل شيء في مكانه الصحيح.
كأن الكون كله يستعد للحظة واحدة.
وأذكر أبي…
كان يجلس كل يوم بعد صلاة العصر على كنبة المندرة،
في تلك الغرفة التي لا تُفتح إلا للضيوف،
وكأن جلوسه فيها يمنح اللحظة وقارًا إضافيًا.
يمسك مصحفه بهدوء،
يفتحه بالطريقة نفسها كل مرة،
ويبدأ ورده اليومي.
لم يكن يرفع صوته،
ولم يكن يشرح لنا شيئًا،
كان صوته الخافت وهو يمرّ على الآيات يكفي ليضبط إيقاع البيت كله.
كنا نلعب أحيانًا…
ونخفض أصواتنا دون أن يطلب.
كان وجوده وهو يقرأ يُشعرنا أن البيت محروس… بشيء لا نراه.
لم يقل لنا يومًا: اقرأوا.
لكننا تعلّمنا أن القراءة جزء من شكل المساء،
مثل الضوء الخافت،
مثل رائحة الشاي،
مثل انتظار الأذان.
ثم يأتي الأذان.
فنصمت.
حقًا نصمت.
لا تسمع فرقعات صواريخ
ولا إزعاجات رامز جلال
ولا دائرة المسلسلات التي لا تنتهي.
ولا المقالب التي لا حصر لها.
ولا البرامج التي تعيد نفسها ألف مرة.
رمضان اليوم مختلف.
ليس لأنه سيئ بالضرورة،
بل لأنه مزدحم أكثر مما يحتمل القلب.
نحن لا نشتاق إلى الفقر، ولا إلى المشقة، ولا إلى الحرمان.
نحن نشتاق إلى البساطة.
إلى الأيام التي لم يكن فيها رمضان بحاجة إلى إثبات نفسه.
ربما لن يعود رمضان كما كان.
لكن المؤلم حقًا…
أننا لم نعد كما كنا.