
لا شك عندي أن ما يحدث لي في حياتي من تعثرات، ومن انكسارات صغيرة، ومن مصائب تأتي في توقيت درامي محسوب… هو نتيجة مباشرة لذنب قديم اسمه أيمن.
نعم… أيمن.
هل تعرفونه؟
بالطبع لا.
ولا أظنك قابلته، أو قابلت نسخة منه.
لأن الكون لا يسمح بوجود نسختين من أيمن في الوقت نفسه.
هذا سيكون خطرًا على التوازن البيئي… وعلى ضمائرنا الهشة.
فالكون – كما أظن – لا يعاقبنا على الكبائر وحدها،
بل يحتفظ في دفتره الصغير بتلك التفاصيل التافهة التي نظنها مرت بلا أثر…
ككبدة بطة، أو ليلة نوم مسروقة.
أيمن شاب قروي طيب القلب إلى حدٍّ مرضي.
ساذج… لكن ليست السذاجة التي تضحكك، بل تلك التي تجعلك تنظر للسماء وتقول:
“يا رب… لماذا لا تحمي الطيبين من أنفسهم؟”
أيمن شاب من قرية تابعة لحوش عيسى – محافظة البحيرة.
وكان من حظه العاثر أنه سكن معي ومع ابن خالي في أول عام جامعي.
ومن سوء حظه الأكبر… أنه وثق بنا.
أما ابن خالي… فدعونا لا نتوسع في الحديث عنه.
لأنني لو تكلمت عنه سيقطع علاقته بي إلى الأبد، وهذه – لا شك – خسارة أفضل من أي مكسب.
يكفي أن بيني وبينه اتفاقًا شرفيًا راقيًا:
أستر على ماضيه… ويؤويني ليلة كل عام أو عامين إذا ما احتجت المبيت في القاهرة لظرف قهري.
قد يرى البعض أن هذا ابتزاز عاطفي.
لكنني أراه نوعًا من التكافل الأسري.
نعم، هي ليلة يمنّ فيها بالإحسان عليّ وعلى جدودي الأقدمين،
ولا حرج أن نتشارك في غسل الأطباق ومسح الأرضيات،
لكن في النهاية… للقرابة حقوق واجبة،
وللملفات القديمة قيمة تفاوضية.
أما عن السكن في عامي الجامعي الأول – قبل أن تلحقنا رحمة المدينة الجامعية –
فكان غرفة في عزبة النخل.
منتصف المسافة بين محطة المرج وعزبة النخل.
أي أننا لم نكن قريبين من أي شيء…
لكننا كنا بعيدين عن كل شيء.
الغرفة منفصلة عن شقة في الدور الثالث.
بلا حمام.
إن أردت قضاء حاجتك… تصعد إلى الدور الخامس.
حيث يوجد حمام بلا أبواب.
بلا جدران مكتملة.
بلا إحساس بالأمان.
حمام يصلح لتصوير أفلام وثائقية بعنوان:
“انقراض الخصوصية في البيئات الحضرية الفقيرة”.
لو خرج جار من شرفته في اللحظة الخطأ…
ستصبح قصة تتناقلها الأجيال،
وقد يُطلق على الحي اسمك تخليدًا للفضيحة.
وتبدأ اللعنة ببطة…
نعم، كما قرأت بالضبط: بطة.
عاد أيمن يومًا من قريته.
وكنا – أنا وابن خالي – لم نذق الطعام منذ الصباح.
ليس لأننا فقراء أو مساكين – فهذا أمر فرغ منه –
بل لأننا نعرف التوقيت.
ويدخل أيمن…
رأينا حقيبة السفر.
في تلك اللحظة سقطت كل القيم الأخلاقية التي درسناها في الثانوية وتعلمناها من الشيوخ في المساجد.
وسقط معها درس “الأمانة من الإيمان”.
خطف ابن خالي الحقيبة.
أغلقت أنا الباب في وجهه.
كان المشهد أشبه بانفلات أمني… لكن على بطة.
فتحنا الحقيبة.
ووجدناها.
بطة.
ليست بطة عادية…
بل بطة تحمل وعودًا بالحياة،
وتعويضًا نفسيًا عن قسوة عزبة النخل.
أمسك أحدنا بالكبدة.
والآخر بالقونصة.
كان أيمن خارج الباب يطرق ويتوسل.
فتحنا له…
وكان يتمنى لو أننا لم نفعل.
قال بصوت مرتجف إن البطة أمانة لزميله.
نظرتُ لابن خالي نظرة فهمها فورًا.
هناك لحظات يتفاهم فيها الأشرار دون كلام.
قلت:
“طالما ليست بطته… نتركها.”
اطمأن المسكين.
وصعد إلى حمام الدور الخامس.
حينها أدركت شيئًا مهمًا:
لا تسلّم ظهرك لمن يأكل الكبدة أمامك.
عاد من الحمام.
وجد نصف البطة قد تبخر.
ولطيبة قلبينا – التي يعرفها الجميع – تركنا النصف الآخر نتقاسمه بين ثلاثتنا بالسوية… وليذهب زميله إلى الجحيم.
جلس معنا…
وقال في هدوء قاتل:
“هي بطتي… بس كنت خايف أقول قبل ما أخلص حمام.”
يا للوغد!
لو أخبرنا من البداية لتغير كل شيء.
لكنا أكلنا براحة نفس…
ومن باب العقوبة حرمناه من الأكل منها على سوء ظنه بنا.
وبعد استجداء ومحايلات…
أعطيناه جزءًا من الربع،
واقتسمنا الباقي.
أكل نصيبه وهو يعتذر لنا.
نعم…
هو الذي اعتذر.
ثم كانت مؤامرة السرير
كان في الغرفة سرير واحد.
وحصيرة.
والنظام عادل جدًا:
اثنان على السرير…
والثالث على الأرض… بالتناوب.
وكنت أنا وابن خالي وغدين حقيقيين.
في الليلة الأولى نمنا نحن على السرير،
ونام هو على الأرض.
وفي الليلة الثانية ذهب يجهز السرير.
قلت له:
– ماذا تصنع؟
قال:
– أريد النوم.
قلت:
– مالك وللسرير؟
قال:
– الليلة دوري.
قلت في هدوء العالم الواثق:
– كيف وقد نمتما أنتما أمس على السرير ونمت أنا على الأرض؟ الليلة دورك أن تنام على الأرض.
حك رأسه.
وقال:
– آه… معذرة، نسيت.
ثم افترش الأرض ونام.
في الليلة الثالثة أقنعه ابن خالي بشيء مختلف
أنه ليلة أمس نام منفردًا على السرير وحده ونحن لطيبة قلبينا تركناه حتى ينعم بالراحة كاملة.
واختنق ابن خالي البكاء فسارعت وربَّتُّ على كتفه حتى لا ينفجر باكيا.
صدقنا أيمن… ونام على الأرض.
في الليلة الرابعة بدأ يشك.
لكن شكَّه لم يصمد طويلًا.
تبخّر سريعًا حين بدأنا نذكّره بتفاصيل دقيقة… لأحداث لم تقع أصلًا،
وحوار دار – كما زعمنا – ليلة أمس… لم نتكلم بحرف منه.
ومع فيض الثقة الذي كنا نتحدث به،
استسلم للحقيقة الرسمية.
واقتنع المسكين أنه هو المخطئ.
فعقلان – كما هو معروف – أفضل من عقل،
وأربع عيون ترى ما لا تراه عينان،
ولا بد أنه أخطأ التقدير.
وهكذا دائما التاريخ يكتبه المنتصرون.
فافترش الأرض مطمئنًّا… إلى عدالةٍ لم تكن موجودة.
في الليلة الخامسة لما عزم على النوم على السرير اتهمته مباشرة بالجنون.
وأقنعته أن يعرض نفسه على طبيب بسبب تدهور ذاكرته في “السنوات الأخيرة” – علمًا بأنني لا أعرفه إلا منذ أيام – .
واقتنع المسكين.
في الليلة السادسة كتب ورقة بينه وبين نفسه دون أن نشعر يثبت فيها أنه نام على الأرض،
وخبأها بين ملابسه.
حركة أحزنتنا كثيرًا، وعاتبنا أنفسنا لفرط ثقتنا فيه وعدم وضعه تحت الرقاب المشددة.
وأشعرتنا – نحن الحملين الوديعين – أننا نعيش في عالم مليء بالذئاب التي اسمها أيمن.
ثم جاءت الليلة السابعة…
وقبل أن نتكلم في أي شيء،
أقسم بأغلظ الأيمان أنه نام أمس على الأرض.
وأخرج الورقة.
نظرنا إليه في صمت عميق.
ثم قلنا له إن التشكيك في كلامنا أو نوايانا سلوك لا يليق.
وحكمنا عليه بالنوم على الأرض.
لأن النظام يجب أن يُحترم. والعدالة لابد وأن تأخذ مجراها.
ثم جاءت العدالة السماوية
بعد أيام…
اكتشفت أن جسدي مليء بحبيبات حمراء.
عرفنا لاحقًا أن المرتبة كانت محشوة بالبق.
وأننا – بافترائنا عليه –
كنا نبعده عن موضع الخطر،
بينما ننعم نحن بلسعاته.
وكانت هذه أول لعنة من لعنات أيمن.
الكون لا ينسى.
ولا يسامح.
ولا يحب من يأكل كبدة ليست له.
والبقّ… كان شاهدًا لا يُجامل.
منذ ذلك اليوم…
كلما تعثرت في حياتي…
كلما ضاعت مني فرصة…
كلما جاءني سوء حظ بلا سبب…
أتذكر وجه أيمن وهو يحك رأسه.
وأتساءل أحيانًا إن كانت الأشياء الصغيرة التي نظنها مزاحًا،
تتحول في مكانٍ ما إلى ديونٍ مؤجلة…
ينتظرها الكون بصبرٍ لا يمل.
وأقول:
ربما…
كان يجب أن أترك له الكبدة.