
بقلم المستشار د. مصباح عيد
منذ أيام قلائل كنت أستمع- بالصدفة- إلى سورة الطلاق، وفي نهاية الآية السابعة منها حيث قال الله تعالى: “سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا”؛ وسألني من كان يستمع معي لذات الآية- وهو من متذوقي اللغة العربية ومحترفيها- قائلاً ومتعجباً : لماذا لم يقل الله تعالى” سيجعل الله يسراً بعد عسر”، ليكون مفعول جعل “يسراً” في وضعه وموقعه وترتيبه البُنياني الصحيح، دونما تأخير على هذا النحو؟
ثم توقفت ملياً مع براعة السؤال وروعة المسؤول عنه، وقلت للسائل:
لعل الله تعالى أراد أن يؤكد لنا أن ساعة العُسرة وإن طالت فهي قصيرة المدى، وأن حلاوة اليسر لاتُستساغ إلا بعد مرارة العسر، وأنه تعالى جعل للعسر نهاية محددة حتى في البُنيان اللفظي لهذه الآية ؛ حيث جعل نهاية العسر مع بداية كلمة”يسراً” ليظل العسر محصوراً ومحاصراً في نطاق محدد لا يتجاوزه بعد أن ضيق اليسر عليه الخناق.
فكأن القرآن العظيم تعمد هذا الحصار اللفظي للعسر في هذه الآية، ليبث الطمأنينة في قلوبنا ، ويهون على المعسرين مشقة العسر، ويؤكد على أن ظلمة العسر مهما اشتدت وطأتها فإنها ستنقشع-لا محالة وعما قريب- مع بزوغ فجر اليسر.
بل انظر أيضاً إلى الموقع الإعرابي للعسر في هذا الموضع من تلك الآية ؛ “سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا “، حيث جاءت الكلمة مجرورة بالإضافة مكسورة الحركة، حتى لا تستطيع النهوض أو التمدد أو الانتشار!!
أما كلمة “يسراً” فقد جاءت منصوبة على المفعولية مفتوحة الحركة، وكأن الله تعالى قد فتح لها كل مغلق ومهد أمامها كل طريق!!
بل إن كلمة” يسراً” قد انتهت بـ”ألف الإطلاق” لتُوسع من خيال القارئ والمستمع إليها، وتسبح معهما في جو السماء لتبث في النفس روح الأمل، مؤكدة على أن العسر محنة مؤقتة واليسر منحة مطلقة لا حدود لها.
وهذا ما أكده الله تعالى – في سورة الشرح – وبصورة أكثر طمأنينة لقلوب المعسرين من عباده، حيث جعل اليسر قريناً للعسر وملازماً له، ويدور معه حيث يدور!! يحتضنه في ظرف زمان واحد ويركب معه في ذات المركب، وكأن العسر سبب لازم ومباشر لليسر!! حيث قال الله تعالى: “فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا”، فحيثما كان العسر؛ كان اليسر توأماً له.
حتى إن الموقع الإعرابي والحركي للعسر واليسر في سورة الشرح هو ذات الموقع في سورة الطلاق، إذ ورد العسر منكسراً مقيداً، وجاء اليسر منفتحاً مطلقاً لا تحده حدود!!
تلك هي إجابتي لمن سألني عن تقديم العسر على اليسر في سورتي الطلاق والشرح، وأسأل الله تعالى أن أكون قد أصبتُ فيما اجتهدت.
كما أسأل الله تعالى أن يجعل لنا من أمرنا يسراً، وأن يكشف عن مصرنا الحبية الغالية عسرتها، وأن يرد عنها -بحوله وقوته- مكر الماكرين وكيد الكائدين ، وأن يجنبها كل مكروه وسوء، وأن يوفق ولاة أمرها لما فيه ميسرة البلاد والعباد.
وأن يُطمئن قلوب عباده المصريين على بلدهم الحبيب بما سجله في كتابه الكريم في ختام الآية التاسعة والتسعين من سورة يوسف.