
ليلةُ النِّصف من شعبان ليست ليلةً عابرة في رزنامة الزمن، بل هي محطةٌ روحية يقف عندها القلب المؤمن كما يقف المسافر عند عين ماء في صحراء طويلة؛ يراجع خطاه، ويغسل غباره، ويتفقد زاده قبل أن يدخل شهر الصيام.
هي ليلة يختلط فيها الصمت بالرجاء، وتصفو فيها السماء كما لو أنها تتهيأ لاستقبال دعواتٍ حبسها الانكسار، ولم ينطق بها اللسان.
حين يُقبل شعبان، كان رسول الله ﷺ يلتفت إليه التفاتةً خاصة، حتى قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «ما رأيت رسولَ الله ﷺ استكمل صيام شهرٍ إلا رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان».
فشعبان شهر الإعداد الخفي، شهر الأعمال التي تُرفع، كما أخبر ﷺ: «وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم».
ومن بين لياليه تبرز ليلة النصف، لا باعتبارها موسمًا للطقوس المخترعة، بل باعتبارها لحظة رحمة كبرى، ونفحة من نفحات الله التي لا يحسن بالمؤمن أن يُعرض عنها.
ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: «يطلع الله إلى خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن». وهذا المعنى، وإن اختلف العلماء في قوة أسانيده، إلا أن مجموع طرقه حسّنه جمع من أهل العلم، منهم ابن حبان والبيهقي وغيرهما، وتلقّته طائفة من السلف بالقبول، لا على معنى تخصيصها بعبادة لم ترد، ولكن على معنى تعظيمها بالقلب، وإصلاح السريرة، وترك الشحناء، وانتظار المغفرة.
وما أبلغ أن تُربط المغفرة في هذه الليلة بسلامة الصدر، كأن الله تعالى يقول لعباده: طهّروا قلوبكم، أُطهّر صحائفكم.
فالمشاحن ليس مجرد غاضب عابر، بل حامل للحقد، مقيم على القطيعة، كأن قلبه مستودع للأذى. ولهذا كان السلف يخافون من هذه الخصومة أكثر من خوفهم من كثير من الذنوب الظاهرة. وقد قال بعضهم: “ما زال التغافر بين الناس أفضل من كثير من الصلاة والصيام”، وقال آخرون: “أفضل الأعمال سلامة الصدور”.
وليلة النصف من شعبان، بهذا الفهم، ليست ليلة ضجيج ولا استعراض، بل ليلة خلوة؛
خلوة مع النفس قبل أن تكون خلوة مع الدعاء،
خلوة يسأل فيها العبد نفسه: من خاصمته؟ من آذيته؟ من ظلمته بلسان أو قلب؟
لأن العبد قد يقوم الليل ويصوم النهار، ثم يُحرم من خيرٍ كثير بسبب قلبٍ لم يُنقَّ.
وكان من فقه السلف أنهم لم يثبتوا عن النبي ﷺ صلاةً مخصوصةً لهذه الليلة، ولا دعاءً بعينه، لكنهم كانوا يعظمونها تعظيم استعداد، لا تعظيم ابتداع.
ولهذا، فإن أجمل ما تُحيَا به هذه الليلة هو ما كان أصلاً في الشرع: توبة صادقة، واستغفار خاشع، وذكر هادئ، وصلاة لا يُقصد بها الليلة لذاتها، بل يُقصد بها وجه الله. قيامٌ معتاد لا مُلفت، ودعاء يخرج من القلب بلا صيغة محفوظة، ولا نبرة مصطنعة.
وكان بعض السلف يقول: “شعبان شهر القلوب، ورمضان شهر الجوارح”. ففي شعبان تُصفّى النيات، وتُجبر الكسور، وتُرد المظالم، حتى إذا دخل رمضان دخل القلب نظيفًا، صالحًا للأنوار. ومن هنا نفهم سرّ هذه الليلة؛ فهي ليست غاية، بل بوابة.
إنها ليلة تذكير، لا تقرير أحكام.
ليلة يقول لك فيها الزمن: قبل أن تُفتح لك أبواب السماء في رمضان، انظر: هل قلبك مفتوح؟
وقبل أن تُغفر الذنوب بالجملة، اسأل نفسك: هل أغلقتُ باب المغفرة على نفسي بحقدٍ أو قطيعة؟
ليلة النصف من شعبان، إذن، ليست ليلة تبحث فيها عن عمل جديد، بل ليلة تراجع فيها عملك القديم.
ليست ليلة تبحث فيها عن دعاء خاص، بل عن قلبٍ خالص.
هي ليلة إن غفلتَ عنها لم تُحاسَب، وإن وعيتَها رَبِحت.
وربَّ نفحةٍ صادقة في الظلام، تغيّر مسار عامٍ كامل؛ لأن الله إذا نظر إلى قلبٍ صادق، غفر له ما بينه وبين السماء، وترك له أن يُصلح ما بينه وبين الأرض.