
أحيانًا تشعر أن الناس لا يعيشون حياتهم، بل يؤدّونها.
كأن هناك مخرجًا خفيًا يقف في زاوية الكون، يصرخ:
— «أنت… ادخل من هنا، ابتسم هنا، اكذب هنا، وانهزم هنا لو سمحت».
ولا أحد يعترض.
لأن القصة دائمًا هكذا.
هناك مسارات جاهزة، معبّدة، مزوّدة بإضاءة خافتة وموسيقى خلفية، والناس تحب السير فيها حتى لو كانت تقود إلى الحائط.
مثلًا… خبير التنمية البشرية.
لا يحتاج لبطاقة تعريف.
يكفي أن تراه:
قميص ضيق يكشف عن عضلات لم تُستعمل في رفع شيء أثقل من الهاتف،
ساعة ضخمة تلمع كأنها بوصلة فضائية،
ابتسامة ثابتة لا تتغير سواء تحدث عن النجاح أو الفشل الوجودي أو حتى الانتحار.
لا بد أن يقول لك:
— «أنا كنت صفرا… والآن أنا هنا».
لا تعرف أين «هنا» تحديدًا، لكنك تهز رأسك بإعجاب.
لا بد أن يصوّر نفسه في السيارة،
ولا بد أن تكون السيارة سوداء،
ولا بد أن يمسك المقود بيد واحدة،
ولا بد أن يقول جملة ملهمة من نوع:
«الطريق صعب… لكن الأصعب أنك تقعد مكانك».
تعرف يقينًا أنه بعد أشهر سيختفي فجأة،
أو يُقبض عليه في قضية نصب،
أو يظهر باعتذار طويل يلوم فيه الحساد والطاقة السلبية.
هذا جزء من السيناريو… لا أحد يخرج عنه.
وهناك مسار آخر: وهو الكاتب الثوري على فيسبوك.
تعرفه من أول سطر.
صورة شخصية بالأبيض والأسود،
نظرة حادة،
وجملة تعريفية من نوع:
«لا أنتمي… ولا أُشبه أحدًا».
يكتب بوستات نارية عن الحرية،
ثم يحذفها بعد ساعتين،
ثم يعيد نشرها مع تعديل بسيط «حفاظًا على السلامة».
لا بد أن يكره الجميع:
الحكومة،
المجتمع،
الجمهور،
وكل كاتب أنجح منه.
لو سألته:
— «ما الحل؟»
سيصمت قليلًا ثم يقول:
— «الحل معقّد».
طبعًا… لأن دوره ليس الحل، بل الاعتراض الأبدي.
ذات مرة ركبت ميكروباصًا،
فصعد الرجل الحكيم.
لم أره من قبل،
لكنني عرفته فورًا.
يجلس في المنتصف،
يتنهد،
وينظر من النافذة كأنه رأى كل شيء في الحياة ولم يعجبه شيء.
لا بد أن يقول:
— «الدنيا اتغيّرت».
ولا بد أن يقارن بين «زمان» و «دلوقتي».
ولا بد أن يختم بجملة:
— «ربنا يستر».
لو لم يقلها، يختلّ التوازن الكوني.
أحيانًا أحضر جلسة عائلية،
فأرى الفتاة القوية المستقلة.
صوت مرتفع،
ضحكة واثقة،
كلام عن عدم الحاجة لأحد.
تعرف أن بعد دقائق ستقول:
— «أنا مش ضعيفة… بس تعبت».
ثم تبكي،
ثم تعود قوية مرة أخرى،
لأن النص لا يسمح لها بالراحة طويلًا.
ولا يكتمل العرض من غير الموظف الرسمي.
ذاك الذي يغيّر نبرة صوته فور دخوله المبنى الحكومي،
يصبح أبطأ في الكلام،
أقل في الفهم،
وأكثر ولعًا بجملة:
— «السيستم واقع».
لا تعرف أي سيستم هذا، ولا متى قام، ولا لماذا يقع دائمًا في وجهك تحديدًا،
لكنك تتقبّل الأمر،
لأن هذا جزء من المشهد،
ولو انتهت مصلحتك في خمس دقائق،
سيشعر هو أن دوره في الحياة قد أُهين.
ولا تكتمل الخشبة من غير المتديّن الاستعراضي.
لا يحتاج أن يخبرك أنه متديّن،
أنت تعرف من أول ثانية.
صوته منخفض على غير العادة،
كلماته محسوبة،
ويده لا تفارق سبحته كأنها زر الطوارئ.
لا بد أن يقاطع الحديث ليقول:
— «على فكرة… الكلام ده حرام».
لا يهم إن كان الموضوع عن الطقس أو أسعار الطماطم،
الحرام حاضر وجاهز دائمًا.
يحفظ من الدين ما يكفي لإرباكك،
لا ما يكفي لإصلاح نفسه.
لو اختلفتَ معه،
سيبتسم ابتسامة شفقة،
كأنك طفل لا يعرف أن النار تحرق.
الغريب أنك حين تراه وحده،
بلا جمهور،
بلا قعدة،
بلا نظرات،
تكتشف أن صوته عادي جدًا،
وملامحه عادية جدًا،
وكأنه نسي الدور لأنه لا أحد يشاهده.
وهناك المثقّف الصامت في القعدة.
لا يتكلم.
أبدًا.
يجلس في ركن بعيد،
يحتسي قهوته ببطء،
ويهز رأسه بين الحين والآخر،
كأنه يوافق على شيء أعقد من الكلام الدائر.
لو تجرأتَ وسألته رأيه،
سيقول جملة قصيرة غامضة من نوع:
— «الموضوع أعمق من كده».
ثم يصمت.
لا يشرح،
لا يعترض،
لا يضيف شيئًا،
لكنه ينجح بطريقة ما أن يجعلك تشعر أنك قلتَ كلامًا ساذجًا.
تعرف يقينًا أنه لو عاد إلى البيت،
سيكتب بوستًا طويلًا عن ضحالة النقاشات السائدة،
وعن وحدة المثقف في مجتمع لا يفهمه.
هذا أيضًا… جزء من الدور.
الأغرب أنني أحيانًا أكتشف نفسي وسط المسرح.
أراقب تصرفاتي:
نبرة صوتي في موقف رسمي،
ضحكتي المصطنعة،
صمتي حين يجب أن أتكلم.
أسأل نفسي:
— «هل أفعل هذا لأنني أريده؟
أم لأن الدور كده؟»
ولا أجد إجابة تليق بالسؤال.
ربما المشكلة ليست في المسارات نفسها،
بل في أننا ننسى أنها اختيار.
يمكنك أن تكون ناجحًا بلا استعراض،
وقويًا بلا صراخ،
وحكيمًا بلا تنهدات مسرحية.
لكن هذا يتطلب شجاعة غريبة:
أن تخرج عن النص،
أن تفسد المشهد،
أن تقف تحت الضوء وتقول:
— «أنا لا أعرف… ولا أؤدي دورًا».
وهذا…
للأسف،
ليس مسارًا شائعًا.