“كأنه هو”

 

بقلم المستشار د. مصباح عيد

استمعتُ مستمتعاً صباح اليوم إلى تلاوة نادرة لمولانا الشيخ مصطفى إسماعيل رحمه الله ، وهو يتألق في سورة النمل، ليحكي لنا قصة سليمان عليه السلام وعرش بلقيس ملكة سبأ، عندما طرح سليمان عليه السلام على جنوده مسابقة العرش تحت عنوان: “أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا”!!!

وإذا بشيخنا يقف وقفات عجيبة تتدفق بالمعاني القرآنية البديعة التي تقول لكل ذي أذنين منا؛ إن أسرار القرآن ليست محصورة في كلماته وحروفه ،بل تتعداها أيضاً إلى ما تحمله طريقة القراءة والأداء بل وطريقة الاستماع ، من أسرار لا تقل عجباً عن تلك التي تُحدثنا عنها-كل حين- كلماتُه وحروفُه.

يمضي شيخنا الجليل في عرض وقائع تلك المسابقة، ثم يقف متأملاً عند قول الله تعالى: “قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ” وهذا من المواضع التي لا وقف عندها إلا لمتأمل، وكأنه أراد أن يحدثنا عن الثقة المحشوة بالغرور الذي انتاب عفريتَ الجن، والذي ظن أن لا يقدر على هذا التحدي سواه، وهو ما أظهره الشيخ بوضوح عندما قرأ قول الله تعالى: “أَنَا آتِيكَ بِهِ” بأكثر من طريقة ليصور لنا حالة الاستثئار والأنانية التي كانت عند هذا العفريت.

ثم تمضي وقائع القصة عندما يفوز الذي عنده علم من الكتاب في هذه المسابقة على عفريت الجن، ويأتي بعرش بلقيس مستقراً عند سليمان قبل أن يرتد إليه طرفه!!! فينتقل شيخنا بقراءته العذبة إلى تصوير لحظة ومشهد مجيئ بلقيس لترى عرشها وقد جيئ به من حيث لاتدري!!!

ووالله لكأن قراءة شيخنا هذه قد جعلتني أحد الحضور الذين شاهدوا هذه اللقطة العجيبة رأي العين ، عندما تدخل بلقيس وتجد عرشها قد انتقل في أقل من ثانية من مملكتها إلى مملكة سليمان عليه السلام، وتُسأل أهكذا عرشك؟ فيجيب شيخنا بلسانه وتأمله؛ نقلاً عنها وهي في حالة الذهول “كَأَنَّهْ هُو” !!! مُسكًِناً -في إحدى قراءته- حرف الهاء في (كَأَنَّهْ) ليزيد احتكاكه بالهاء التي بعده في (هُو)، فيخرج من بلقيس كل ما في صدرها ورئتيها من هواء ونَفَس فلا تستطيع التقاط أنفاسها بسبب طريقة نُطق وقراءة هاتين الهاءين المتلاطمتين، وذلك تصوير إبداعي لهول تلك اللحظات الفجائية الصادمة التي عاشتها ملكة سبأ.

وفي “كَأَنَّهْ هُو” تصوير آخر أشد عجباً أوصله لنا الشيخ بقراءته المتأملة!!! فلقد علمنا من لغتنا العربية الحبيبة أن (كَأَنَّ) هي أقوى أدوات التشبيه البلاغي، ولذلك كثيراً ما يستدل البلاغيون بهذه الآية – والله أعلم- على قوة (كَأَنَّ) في التشبيه البلاغي، ومع ذلك تلحظ من قراءة شيخنا عندما سكن (هاء) (كَأَنَّهْ هُو) أن بلقيس قد تراجعت حتى عن هذا التشبيه رغم قوته، وعادت لتقول لنا إن العرش ( هو) عرشها بعينه !!! دونما تشبيه.!!!!

ذلك ما استخلصتُه من بعض قراءات ووقفات شيخنا الكريم الذي أعطاني درساً في أن المعاني والأسرار تتدفق من القراءات والوقفات القرآنية تدفقَها من آي وكلمات وحروف القرآن الكريم.

Scroll to Top