بقلم المستشار د. مصباح عيد

عجيبة سورة النور، وهي تتخذ منهجاً تربوياً متكاملاً، تعالج من خلاله عدداً من القضايا المجتمعية الهامة بأسلوب قرآني متلطف بحال من يخاطبهم، حتى ولو كانوا على غير الصواب.
————-
وكأني بهذه السورة العظيمة وهي تؤثر أسلوب اللين في معالجة هذه القضايا، حتى لا تجرح شعور ومشاعر المعنيين بها أو تخدش حياءهم .
————
فالدعوة إلى الله لابد أن ترتدي ثياباً من الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، لأن ذلك أحرى بالقبول، وأجدر بأن يلامس قلوب المدعوين، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين.
————-
فانظر مثلاً إلى سورة النور وهي تستعرض حادثة الإفك المعروفة ، ثم يتوعد الله تعالى من تولى كبره منهم بالعذاب العظيم، ومع ذلك تختتم هذه الآيات بإرساء مبدأ الحرص على توثيق عرى الروابط الاجتماعية وعدم تفككها ،إذ يقول الله تعالى “وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” سورة النور (22).
———-
ثم انظر كذلك إلى ذلك النهي القرآني عن دخول بيوت الغير إلا باستئناس، وبعد أن يتأكد الزائر من أنه مرغوب فيه، ورغم هذا النهي المشدد ، لم يختتم الله تعالى تلك الآية بالوعيد كما هو عادة معظم آيات النهي في القرآن، بل اختتمها بموعظة حسنة وبأسلوب متلطف (ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون)، قمة الأدب القرآني في هذه الخاتمة التي تحرص على حفظ ماء الوجه للزائر كما حرصت على مراعاة الاستعداد النفسي للمزور.
————
وانظر كذلك أيضاً إلى آيات الأمر بغض البصر في سورة النور، لتلحظ أن الأمر فيها لم يأت مباشراً من الله تعالى لعباده المؤمنين، ولم تحدث مواجهة مباشرة بينه سبحانه وبينهم ، بل أرسله إليهم في رسالة قرآنية هادئة مهذبة محببة مع حبيبهم صلى الله عليه وسلم “قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ (31)”، ولم تختتم هاتان الآيتان الآمرتان، بالوعيد القرآني، بل اختتمتا بأسلوب قرآني متلطف (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)،(وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .
——————-
وانطلاقاً من ذات الفكرة كان من المناسب أن تختتم السورة كلها بقاعدة نحوية لها غرابتها وجمالها في الوقت ذاته، وهو مالفت نظري في هذا المقام .
فقد تعلمنا في لغتنا الحبيبة أن حرف (قد) يفيد التحقق والثبوت واليقين إذا دخل على الفعل الماضي، كقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) وقوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ)، سورة المجادلة (1).
أما إذا دخلت على الفعل المضارع فإنها تفيد الشك والاحتمال والندرة كقولنا ( قد يأتي محمد) إذ من الوارد ألا يأتي أيضاً.
لكن هذه القاعدة لا تنطبق على السياق القرآني إذا ورد منسوباً إلى الله تعالى، بما يعني أن حرف (قد) إذا ورد في القرآن منسوباً إلى الله تعالى، فإنه يفيد التحقق والثبوت واليقين، حتى ولو دخل على الفعل المضارع.
————
لكن اختيار الموقع القرآني لورود (قد )داخلة على الفعل المضارع ومنسوبة إلى الله تعالى لابد أن يكون اختياراً مقصوداً محملاً بالمعاني القرآنية العظيمة ، ليقتبس كل منا من نور هذا الاختيار بقدر ما يفتح الله به عليه.
———
ففي آيتي سورة النور الأخيرتين ، وما اشتملتا عليه من تكرار هذا السياق فيهما معاً (لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ) الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ (قَدْ يَعْلَمُ) مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(64)،
أستشعر أن الله تعالى لم يُرد أن يخدش حياءً أو يجرح مشاعر من اضطرتهم الظروف إلى الخروج من مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم دونما استئذان، حيث منعهم الحياء أن يستأذنوا منه للخروج فآثروا أن يتسللوا خلسة، ظناً منهم أنه لن يشعر بهم.
لكن القرآن لم يُرد أن يتركها لهم أو أن يتغافل عنها، بل ركز عليها ونبه إليها ونهاهم عن ذلك، ولكن بأسلوب لين غير مسلط عليهم في مواجهتهم.
فعلى الرغم أن التسلل قد حدث بالفعل إلا أن القرآن آثر ألا يحكي عنه كواقعة حدثت ،بل تحدث عنه كسلوك ينبغي ألا يحدث ، ومن ثم اختار الفعل المضارع ليكون فيه نسبة من الستر عليهم وحفظ ماء وجوههم ،
وحرصاً منه على عدم خدش حيائهم، وكل ذلك يظهر من الفعل المضارع، إذ لو تخيلنا أن الله تعالى قال: (قد علم الله الذين تسللوا منكم لواذاً) لكان في ذلك فضح مباشر لهم، وكشف فوري وعلني لفعلتهم.
كما أن في اختيار الفعل المضارع هنا معنى التجدد والاستمرارية التي لا تتوقف عند مجلس واحد للنبي صلى الله عليه وسلم ، بل يتسع ذلك ليشمل كل لقاء يعقده النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، بل وكل عالم ومعلم وواعظ ومحاضر في كل زمان ومكان، وهو مالا يكون إذا ورد السياق بالفعل الماضي.
وفي الآية الأخيرة أيضا تجد معنى الاستمرارية لعلم الله بأحوال عباده منذ أن خلقهم وإلى أن تقوم الساعة (قد يعلم ما أنتم عليه) ولا تستشعر هذا المعني فيما لو كان السياق بالفعل الماضي (قد علم ما أنتم عليه).
————
تلك هي سورة النور وما بها من معان أخلاقية وآداب تربوية سامية فرضت نفسها على كل مجريات الأحداث التي ناقشتها السورة الكريمة، حتى مع المتسللين من مجلس رسول الله، فجاء الفعل المضارع متلطفاً بهم، ومستمراً معنا ، ليتعلم كل من تسول له نفسه الخروج من مجلس العلم أن يستأذن المعلم أولاً، فضلاً عن تلك الاستمرارية العظيمة لعلم الله تعالى بكل أحوال عباده، كما صورها الفعل المضارع “قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.”