
أول مرة شعرتُ أنني مواطن غير صالح كانت عندما فتحت هاتفي صباحًا ولم أجد إشعارًا واحدًا.
لا إعجابات، لا تعليقات، لا أحد قال لي: “صباح الخير يا أسطورة”.
كنت وحدي… وحيدًا كما كان الإنسان الأول قبل اختراع زر الإعجاب.
حدّقت في الهاتف كما ينظر المتهم إلى القاضي، وكأن الهاتف سيهمس:
“آسف، لم يهتم بك أحد الليلة الماضية.”
في تلك اللحظة أدركت أنني فشلت كمواطن رقمي، رسبت كإنسان فيسبوكي.
فالمواطن الصالح – كما تعلمنا حديثًا – لا يُقاس بعمله، ولا بأخلاقه، ولا حتى بمدى احترامه لإشارة المرور،
بل بعدد القلوب الحمراء التي تنهال عليه كالمطر…
والمطر هذا العام شحيح.
في أحد الأيام دخلتُ على فيسبوك فوجدت صديقة قديمة – حفظها الله من كل زر – تشارك منشورًا مكتوبًا بخط عريض:
“لا تنسوا ذكر الله 🌹🌹🌹”
المنشور مرفق بصورة قطة نائمة، وتحتها 300 إعجاب.
تأملت الأمر طويلًا.
صديقتي لا تعرف كيف تُغلق الهاتف دون أن تضغط كل الأزرار.
تعتقد أن “الواي فاي” نوع من الأعشاب.
ومع ذلك…
صديقتي ناجحة رقميًا.
أما أنا، الذي كتبتُ منشورًا طويلًا عن العبث الوجودي، عن معنى الفراغ الإنساني في عصر الاستهلاك…
حصلت على إعجاب واحد…
كان من حساب اسمه: Free Followers Now.
لقد علمت في تلك اللحظة أن العالم لا يكافئ الفكر، بل الإعلانات الجانبية، والفلترات، والضحكات الممسوحة على وجهك قبل أن تعرف من أنت.
ثم جاء اليوم الذي شاهدت فيه بثًا مباشرًا لجنازة.
نعم… جنازة كاملة بالصوت والصورة، مع تعليق:
“ادعوا له بالرحمة ❤️”
شعرتُ برغبة قوية في أن أطلب من الميت – إن استطاع – أن يضغط إعجابًا هو الآخر، دعمًا للمحتوى.
لم يعد الموت نهاية.
إنه مجرد محتوى قابل للمشاركة.
البكاء؟ جيد.
الانهيار؟ أفضل.
لكن لا تنسَ الزاوية المناسبة، والإضاءة، وأن تقول في النهاية:
“لايك وشير عشان الأجر يوصل.”
حتى الأطفال لم يعودوا أطفالًا
رأيت طفلًا عمره خمس سنوات يقول لأمه:
“استني يا ماما .. أصور.”
أدركت أن الطفولة انتهت رسميًا.
البراءة لم تعد طبيعية…
أصبحت ماركة مسجلة، وجهازًا يُباع على التيك توك
بل يجب أن تُنشر.
نحن نربّي أطفالًا لا يسألون:
“لماذا؟” فهذا سؤال لم يعد يطرح!!
بل أصبح السؤال:
“هينزل فين؟”
الحقيقة
نحن لا نعيش في مجتمع.
نحن نعيش في سيرفر كبير.
لم نعد نسأل:
- هل هذا صحيح؟
بل: هل سيُشارك؟ - هل هذا حقيقي؟
بل: هل سيجلب تفاعلًا؟
تحوّل الإنسان من كائن يشعر…
إلى كائن يُقاس.
أنت تساوي عدد متابعينك.
وإن كنت لا تعلم، فهذه ليست إهانة…
بل تحديث جديد.
في هذا العصر، كل شيء أصبح قابلًا للقياس، للترتيب، وللإحصاءات.
كل ابتسامة، كل بكاء، كل دمعة، كل سقوط على الأرض، أصبح قيمة رقمية.
يمكنك أن تضحك، أن تبكي، أن تنهار داخليًا، لكن إذا لم تُسجل، لم يحدث شيء.
المحتوى هو الذي يثبت وجودك، واللايك هو شهادة المواطنة.
ثم ظهر نوع جديد من الفلاسفة: الفيلسوف المؤثر، زاهد المشاهدات.
وهم فلاسفة الستوري.
يقول لك:
“كن قويًا… ولا تهتم بآراء الآخرين.”
ثم يغلق الكاميرا، ويفتح الإحصائيات، وينهار إذا قلّ عدد المشاهدات.
إنه زاهد… نعم… زهد في الواقع، لكن عدد المتابعين هو ما يحرك قلبه.
المواطن النموذجي في عصرنا (الإصدار 2026)
- يبتسم دائمًا حتى لو كان ينهار داخليًا.
- يصور قهوته قبل أن يشربها.
- يصور طعامه قبل أن يأكله.
- يصور نفسه قبل أن يعرف من هو.
إن لم تُصوّر، فأنت لم تعش.
وإن عشت دون توثيق، فأنت شخص مريب.
ولذلك هناك دائما حوار داخلي مع نفسي (وبالمناسبة هو شخص مزعج)
– لماذا تكتب هذا المقال؟
= لأني أريد أن أقول شيئًا حقيقيًا.
– أم لأنك تريد إعجابات؟
= سؤال غير أخلاقي.
– لكنه صادق.
نحن نكره السوشيال ميديا…
لكننا نفتحها كل خمس دقائق.
نلعنها…
ثم نغضب إذا تجاهلتنا.
الخلاصة التي لا يحبها أحد
لسنا أشرارًا.
نحن فقط تائهون.
نبحث عن الاعتراف…
في مكان لا يعترف بأحد.
نريد أن نشعر أننا مرئيون،
فاخترعنا عالمًا يرى كل شيء…
إلا الإنسان.
ربما المشكلة ليست في الهاتف.
ولا في التطبيقات.
ولا في الأزرار.
المشكلة أننا صدقنا أن القيمة تُقاس.
وأن الإنسان إذا لم يُصفَّق له…
فهو لا يستحق الوقوف.
ملحوظة أخيرة:
إن وجدت نفسك غاضبًا من هذا المقال،
فاعلم أنك فهمته.
وإن ضغطت إعجابًا،
فاعلم أننا متواطئون معًا.