قصر من ورق

لم يكن القصر مجرد مبنى، بل متاهة كبيرة من الرخام الأبيض،

كان البهو فخما بشكل مبالغ فيه.

الجدران المرصعة بقطع فنية غريبة،

الثريات الضخمة تتدلى من السقف بألوان كأنها شموس صغيرة معلقة لتضيء الكون كله، تتلألأ على الأرضيات المرآوية المصقولة حتى ترى انعكاس أسفل نعل “سامي”. 

زوجة، رقيقة، ذات صوت موسيقي عذب، تمر به بخفة،

تلمس كتفه بابتسامة ساحرة،

ضحكتها كأنها نوتة موسيقية في سيمفونية لا تنتهي عبر الزمن.  

الخدم يهرعون خلفه، حاملين أطباقًا ذهبية تتوهج تحت الضوء، مليئة بالكافيار.

فواكه غريبة لم تر مثلها في حياتك أيها القارئ البائس المسكين،

وحلويات لامعة بألوان لم تُخترع بعد.

كل لقمة في كل طبق تبدو وكأنها سحر يُغذي الروح قبل المعدة.

صوت خطواته يتردد في الفضاء الفارغ، كأنه قائد أوركسترا خفي،

وكل من حوله، من ممثلين، مغنين، مشاهير، وحتى لاعبي كرة قدم، يبتسمون ابتسامات مفتعلة تكاد تطير من وجوههم،

يلوّحون له، يضحكون ضحكات عالية ومرسومة، كأن الضحك وحده يمكن أن يحفظ الكون من الانهيار.

يقترب منه أحد لاعبي الكرة المشاهير بخجل يصحبه خوف من المجهول ليطلب توقيعًا على أوتوجراف صغير يحمله.

وما كان لـ “سامي” ذلك الجنتل مان أن يحرجه برغم أنه يضيق ذرعا بمثل هذه التفاهات خاصة مع عامة الناس أمثال هؤلاء المشاهير،

وقَّع له في أوتوجرافه بابتسامة عريضة، وكأنه يكتب تاريخ العالم نفسه، أو يعيد رسم خريطة العالم من جديد.

كل العيون تتجه إليه، كل شيء في المكان ملكه ورهن إشارته.

جلس على أريكة مخملية،

كأس عصير أرجواني غريب اللون في يده،

يراقب كل التفاصيل حوله: ضحكات المشاهير، حركات الخدم المتناغمة، صوت نافورة ضخمة ترقص وفق إيقاع موسيقى غير مسموعة، حتى الهواء يبدو وكأنه يتحرك وفق أوامره.

العالم كله يختصر في مكان واحد، في لحظة واحدة، في ابتسامة واحدة.

كان يحيا كل لحظة كما لو أنها قمة العالم.

وفي زاوية البهو، تم إعداد الفطور وكأنك في فندق عالمي 15 نجمة إن كان هناك فندق عالمي 15 نجمة،

عصائر شفافة تتلألأ بألوان قوس قزح،

خبز يبدو كأنه مصنوع من ذهب مهروس،

فواكه ترقص في أطباقها على أوتار موسيقية غير مرئية،

مائدته يتجاوز طولها العشرة أمتار

يجلس في جانب وعلى الجانب الآخر تجلس زوجته الشقراء الرقيقة التي كانت مرت به منذ قليل بسحرها الفتان،

ومن حولهما يصطف عشرات الخدم والخادمات.

ينتهي من فطوره كأي إنسان طبيعي يمتلك قصرا وعشرات من الخدم.

ثم ينتقل إلى بهو كبير آخر، حيث نافورة ضخمة أخرى تتراقص،

الماء يتلألأ كما لو أنه يحوي مجرات كاملة.

انحنى ليغمس يده في الماء،

كل قطرة تمنحه شعورًا بالقوة،

بينما الأصوات من حوله تتلاحم لتخبره: كل شيء ملكك، أنت من يقرر، أنت من يحكم، كل شيء تحت قدميك، حتى الهواء يستمع إليك.

ثم فجأة، ينكسر السحر… صوت ذلك البائع الذي يمر كل يوم أمام قصره ويصرخ بصوته المزعج في ذلك الميكروفون القديم المشوش:

  • السفندي البلدي … بـ 15 جنيه .. يا أحلى من التفاح يا ماندلين

وكأنه مطرب في دار الأوبرا أو على خشبة مسرح في زقاق شعبي لحفل زفاف البت “نوجة” على الولا “سعيد كروانة”.

يصرخ سامي بغضب:

  • قلت لكم أكثر من مرة أبعدوا هذا البائع المزعج من أمام قصري!

وفجأة يصرخ المنبه فيقفز من مكانه مجفلا ليجد نفسه على سريره الصغير،

الغرفة ضيقة، الجدران باهتة، نافذة واحدة تطل على أسطح المنازل المكسرة وأكوام القمامة.

إفطار شعبي؛ طبق فول على الطاولة، قليل الزيت والملح، أقراص الطعمية ملقاة بجانب الطبق دون أي زخرفة. أرغفة خبز مبعثرة، الهاتف يرن عدة رنات، والمنبه يصرخ للمرة الثانية برنينه الرتيب المزعج.

وصوت زوجته يناديه من المطبخ، كأنها بائع متجول، تناديه وهي تركل طفلًا أثناء مساعدته في ارتداء ملابس المدرسة، وتصفع آخر وهي تضع له سندوتشات الفول في كيس بلاستيك قبل أن تدسه في حقيبته، ثم تقول بصوتها الأجش.

  • لا تنس تاخذ كيس الزبالة معك!

وفي نفس اللحظة يرن جرس الهاتف للمرة الألف هذا الصباح، ليظهر رقما بلا اسم فيقول في نفسه:

  • لا شك أنه صاحب البيت .. ذلك الوغد الذي يطالبني بأجرة شهرين متأخرين ويتصل بي من رقم غريب لكي لا أعرفه؛ لكني أذكى ألف مرة من ذلك العجوز الخنزير وأدرى بألاعيبه.

جلس على طرف السرير، ينظر إلى الواقع القاسي.

ابتسامة سوداء تعلو وجهه، سخرية بائسة ترتسم على وجهه.

القصر أصبح شقة صغيرة،

العصير الأرجواني تحول إلى كوب شاي أسود رخيص،

الزوجة الموسيقية أصبحت صوتًا أجش يذكره ببائعي الشوارع والأزقة والأسواق،

المشاهير صاروا مجرد جيران صاخبين في الطابق العلوي،

والأطباق الذهبية صارت طبق فول ببضع جنيهات،

وفنجان القهوة المرة يُذكره بالنافورة الغريبة.

خرج إلى الشارع، ركب المواصلات، الأبواق، الزحام، الأطفال الذين يصرخون بلا سبب، الباعة الذين يصرخون على المارة…

كل شيء يذكّره بالحلم، لكنه الآن مضحك، سخيف، بائس، صغير جدًا، لكنه لا يزال يبتسم بطريقة سوداوية.

جلس في المكتب، فتح الكمبيوتر،

الملفات المملة تراقبه بملل أكثر،

الزملاء يشتكون،

المدير يصرخ بسبب وبلا سبب…

كل شيء يذكّره بالقصر، لكنه معكوس، عادي، سخيف، بائس، ومضحك بطريقة قاتمة.

تناول فنجان قهوة مرّة، بعد أن التهم أربع شطائر من سندوتشات الفول البارد والخبز المعجن الذي جهزته له زوجته من بقايا ما تبقى من إفطارهما،

وابتسم ابتسامة صغيرة، ضحك على نفسه، على أحلامه الكبيرة، التي اصطدمت بكوب الماء الصغير على الطاولة، بالديون، بالمنبه، بالزوجة، بالأطفال، بالمواصلات، بالمدير الغاضب، على صمت العالم، وعلى الفرق بين ما يحب أن يكونه وما هو عليه حقًا.

ثم أغلق عينيه للحظة، وسمح للحلم أن يزور رأسه مرة أخرى، وأدرك شيئًا واحدًا:
الأحلام الكبيرة موجودة دائمًا، لكنها تختفي فجأة عندما يرن المنبه، حيث يظهر فجأة طبق الفول، المنبه، الدين، قسوة الحياة، سخافة الأشياء اليومية، وكل شيء صغير يجعلنا نضحك على أنفسنا رغم كل شيء… وربما شيء أكثر غموضًا، لا يمكن تفسيره، يختبئ خلف كل نافذة باهتة، وراء كل صراخ في الشارع، وكأن الحياة تمزح معنا بخفة سوداء. لتبقى ابتسامته السوداء هي الطريقة الوحيدة ليظل صامدًا في عالم لا يرحم، مليء بالكوميديا السوداء التي لا يفهمها إلا من عاشها.

 

Scroll to Top