أسرار الحياة الزوجية التي لا يراها أحد.

هناك لحظة غريبة تأتي في حياة كل إنسان…
لحظة لا علاقة لها بالموت، لكنها تشبهه كثيرًا.
لحظة تكتشف فيها أنك لم تكن تعرف الشخص الذي تعيش معه، رغم أنك تشاركه السرير، والطعام، والفواتير، والذكريات.
لم تأتِ هذه اللحظة عند «سامي» بعد الزواج مباشرة، ولا بعد عام، بل بعد سبع سنوات كاملة.
سبع سنوات كافية ليحفظ الإنسان صوت خطوات الآخر، وطريقة تنفسه أثناء النوم، وعدد حبات السكر التي يضعها في كوب الشاي.
ومع هذا… كان يجهله تمامًا.
كانت «ليلى» تجلس في الصالة، تشاهد التلفاز بلا اهتمام.
هذا النوع من المشاهدة الذي لا ترى فيه شيئًا، لكنه يملأ الفراغ بالصوت.
أما سامي فكان يفتش في درج المكتب عن أوراق قديمة، لا يعرف لماذا يحتفظ بها أصلًا.
ثم وجد الدفتر.
دفتر صغير، غلافه أسود، بلا عنوان.
فتحه بدافع الملل، لا الفضول.
وهذا أسوأ دافع للاكتشاف.
لم تكن مذكرات رومانسية.
لم تكن شكاوى زوجية معتادة.
كانت أفكارًا… أفكارًا صافية، عارية، لا تحاول أن تبدو لطيفة.
«أحيانًا أشعر أنني أعيش حياة شخص آخر.»
«البيت هادئ، لكن رأسي صاخب.»
«أبتسم كثيرًا لأن الصمت يفضحني.»
رفع سامي رأسه ونظر إلى ليلى.
كانت تضحك الآن.
ضحكة عادية، مألوفة، آمنة…
ضحكة لم يرَ خلفها شيئًا قط.
قلب الصفحة.
«لا أكره أحدًا، لكني لا أحب أحدًا كما ينبغي.»
«أخاف أن أموت دون أن يعرف أحد حقيقتي.»
«أمثل جيدًا… وهذا متعب.»
هنا شعر سامي بذلك الإحساس البارد الذي يزحف على العمود الفقري.
الإحساس الذي يخبرك أنك وصلت متأخرًا إلى الحقيقة… متأخرًا جدًا.
جلس على الأريكة جوارها.
سألها بنبرة عادية، مدرَّبة:
— «بتكتبي؟»
أجابت دون أن تنظر إليه:
— «أحيانًا.»
لم يقل شيئًا.
بعض الأسئلة لا تُسأل لأن الإجابة ستغيّر شكل الغرفة، وملامح البيت، وربما العمر كله.
في تلك الليلة، راقبها وهي تنام.
لاحظ أن عينيها لا تنغلقان تمامًا.
لاحظ أن أنفاسها متقطعة، كأن النوم لا يثق بها.
لاحظ أشياء لم يلاحظها في سبع سنوات، لأنه كان مشغولًا بفكرة واحدة: أنها كما يراها.
والحقيقة — كما تعلمنا متأخرين دائمًا —
أن البشر لا يُرون، بل يُكتشفون…
وغالبًا بعد فوات الأوان.
في الصباح، أعدّت الإفطار كالمعتاد.
ابتسمت.
سألته عن القهوة.
كان كل شيء طبيعيًا إلى درجة مخيفة.
فهم سامي الآن.
الزواج ليس أن تعيش مع شخص…
بل أن تعيش مع نسخته التي قرر أن يمنحك إياها.
والأقنعة لا تسقط فجأة.
إنها تتآكل ببطء، حتى يأتي يوم تلتقط فيه دفترًا قديمًا، أو تسمع جملة عابرة، أو ترى نظرة شاردة…
فتدرك أن الغريب لم يدخل حياتك اليوم.
كان معك منذ البداية.
بعض الحقائق لا تُقال لأنها مؤلمة،
وبعضها لا يُقال لأنها عديمة الجدوى.
لكن أخطرها تلك التي نعيش بجوارها أعوامًا…
ثم نكتشفها،
ونقرر أن نتظاهر بالجهل،
لأن المعرفة — أحيانًا — ليست شجاعة،
بل عبء لا يحتمله أحد.