الزهد… حين تملك الدنيا ولا تملكك

رجل يمشي في الصحراء بين رمال الصحراء والسماء

الزهد الحقيقي أن تملك الدنيا دون أن تملكك، وأن تكون في يدك لا في قلبك، وأن تُسخَّر لك لا أن تُستَعبد بها.
لكنهم خدعوك فقالوا: إن الزهد في الدنيا أن تدعها لأهلها، وتلقيها وراء ظهرك، فلا تلتمس فيها رزقًا، ولا ترجُ منها خيرًا، ولا تُقيم لها وزنًا.
وهذا – وربي – عين الظلم، لا زهدًا ولا ورعًا.

كيف يكون زهدًا أن نترك الدنيا لأهل الضلال والمعصية، فيفسدون فيها ولا يصلحون؟
وكيف يكون تقوى أن نهجر ميادين العمل والعمران، ثم نشكو من تسلط الفاسدين وهيمنتهم؟
بل هو – في حقيقته – سوء أدب مع الله جل جلاله؛ الذي أحل زينته التي أخرج لعباده، والطيبات من الرزق، فقال:
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾.

وفي الوقت الذي يقرر فيه ربنا عز وجل أن ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، جاء النبي ﷺ فترجم هذا المعنى قرآنًا يمشي على الأرض، زهدًا عمليًا لا رهبانية فيه، وورعًا لا تحريم فيه.

فكان ﷺ أزهد الناس، ومع ذلك لم يُحرِّم على نفسه شيئًا أحلَّه الله له، ولم يأمر أصحابه بهجر الدنيا ولا باعتزال أسبابها، بل ربّاهم على تطويع الدنيا للآخرة، وتسخير المال في الحق، لا الهروب منه.

ولذلك قال لعمرو بن العاص رضي الله عنه:

«يا عمرو، إني أريد أن أبعثك على جيش فيغنمك الله، وأرغب لك رغبة من المال صالحة»
فلما قال عمرو: إنما أسلمت رغبة في الإسلام لا في المال،
قال له النبي ﷺ الكلمة الفاصلة التي تُسقط أوهام الزهاد المزيَّفين:
«نِعْمَ المالُ الصالحُ للرجلِ الصالح».

فلم يقل له: اترك الدنيا، ولا ازهد في المال، ولا اهرب من الغنيمة،
بل قرر قاعدة ميزانها القلب لا الجيب، والنية لا الرصيد.

غير أن بعض الناس – جهلًا أو عمدًا – أبى إلا أن يفهم الزهد فهمًا معوجًا، فجعله ذريعة للكسل، ومبررًا للتقاعس، وستارًا للهرب من المسؤولية، بحجة الانقطاع للطاعة والعبادة.
وهذا – والله – زعم باطل، لا يهلك صاحبه فحسب، بل يجرّ المجتمع كله إلى الضعف والتخلف والانهيار.

فما المانع أن نتمتع بما أحل الله لنا دون أن نغتر به؟
وما الخطر في أن نملك المال، إذا لم يملكنا؟
وما العيب أن نكون أقوياء في الدنيا، أعزاء فيها، ما دامت قلوبنا معلقة بالآخرة؟

انظر إلى نبي الله سليمان عليه السلام، الذي آتاه الله من الملك ما لم يؤت أحدًا من العالمين؛
سُخرت له الإنس والجن والطير، والريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، والشياطين كل بناء وغواص،
ثم قال له ربه:
﴿هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

ومع ذلك لم يركن سليمان إلى الملك، ولم يغتر بالنعمة، بل ارتعد قلبه خوفًا من أن تكون استدراجًا، فقال:
﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾.
فهذا هو الزهد… خوف مع النعمة، وشكر مع القدرة، وانكسار مع التمكين.

ولهذا لما سُئل الإمام الزهري رحمه الله: ما الزهد؟ قال كلمة لو وعاها الناس لاستراحوا:

«ليس تشعيث اللمة، ولا قشف الهيئة، ولكنه صرف النفس عن الشهوة».

وسُئل الإمام أحمد رحمه الله:
هل يكون الرجل زاهدًا ومعه ألف دينار؟
قال: نعم.
قيل: وما آية ذلك؟
قال: «إذا زادت لا يفرح، وإذا نقصت لا يحزن».

فالزهد ليس في الفقر، بل في السلامة من التعلق.
وليس في ترك الدنيا، بل في عدم الارتهان لها.

أما من إذا ذُكِّر بكل هذا قابلك بقوله تعالى:
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾
فهو – مسكين – لم يُؤتَ من قلة النصوص، بل من سوء الفهم، وضحالة النظر.

إذ يقول سعيد بن جبير رحمه الله:

«متاع الغرور ما يلهيك عن طلب الآخرة، وما لم يلهك فليس بمتاع غرور، ولكنه متاع بلاغ إلى ما هو خير منه».

ويقول الحسن البصري:

«ليس من حبك للدنيا طلبك ما يصلحك فيها».

وهكذا يتبين أن الزهد ليس انسحابًا من الحياة، ولا عداءً للمال، ولا بغضًا للنعم،
بل هو تحرير القلب من الأسر، وتوجيه الدنيا لتكون جسرًا لا مقرًّا، ووسيلة لا غاية.

ذلك هو الزهد الحقيقي…
أن تملك الدنيا بين يديك،
دون أن تملك منك الدنيا شيئًا.

Scroll to Top