الرجل الذي طاردته الدماء… فهرب إلى رحمة الله!

قاتل المائة نفس… حين تفتح السماء أبوابها لمن طرقها بصدق

هناك قصصٌ لا تُقرأ فقط… بل تُسمَع دقاتها.
قصصٌ لو بلغتك في ليلةٍ هادئة لأضاءت داخلك شيئًا لا ينطفئ.
ومن أعجبها… قصة رجلٍ خرج من أحلك ظلام ليدخل أوسع رحمة، قصة تُهزّ القلوب وتعيد ترتيب المفاهيم، وتهدم جدران اليأس التي يُقيمها الشيطان حول العاصين.

إنه قاتل المائة نفس… الرجل الذي ظنّ الناس أنه انتهى، بينما كانت السماء تنتظره ليبدأ.

 عَنْ أبِي سَعِيْدٍ الخُدْرِىِّ، رَضْىَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(كَاْنَ فِيْمَنْ كَاْنَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِيْنَ نَفْسَاً، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأتَاهُ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِيْنَ نَفْساً، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟! فَقَال: لَا، فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ بِهِ مَائةً، ثُمَّ سَألَ عَنْ أَعلَمِ أهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَال إِنَّهُ قَتَلَ مَائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَال: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُوْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟! انْطَلِقْ إِلَى أرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسَاً يَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعَالَى، فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ، وَلَا ترْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أرْضُ سُوْءٍ. فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطرَّيْقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيْهِ مَلَائِكةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ العَذَابِ. فَقَالتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاْءَ تَائِبَاً مُقْبِلَاً بقَلْبهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالتْ مَلَائِكَةُ العَذَابِ: إنَّهُ لَمْ يَعْمَل خَيْرَاً قَطُّ. فَأتاهُمْ مَلَكٌ في صُوْرَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوْهُ بَيْنَهُمْ -أيْ حَكَمَاً-، فَقَال: قِيْسُوا مَا بَيْنَ الأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَاْنَ أَدْنَى، فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوا فَوَجَدُوْهُ أدْنَى إِلَى الأرْضِ الَّتِى أرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ) متفق عليه

حين تتحول الخطايا إلى أسوار خانقة

تخيل إنسانًا غرق حتى أذنيه في الدماء…
خاض في الظلم حتى جاوز كل حد،

قتل نفسًا بعد نفس، حتى بلغ تسعةً وتسعين نفسًا!

ولكن الأعجب من القتل…
أنه لم يمت داخله الأمل.

ظلّ يبحث… يسأل… يطرق كل باب، كمن يغرق ويبحث عن خشبة نجاة، عن قبس نور يعيده إلى الله.
كان يريد أن يعود… يريد أن يلتقطه الله من قاع الظلمة.

ذهب إلى راهبٍ يظنه عالمًا…
وفي قلبه سؤال يلهث بين الذنب والرجاء:

هل لي من توبة؟

فقال الراهب بكلمة واحدة قتلت قلبه:
لا.

كلمة واحدة أغلقت في وجهه باب السماء… فأظلم قلبه، وانفجرت فيه نار اليأس، فقتله.
وأكمل العدد… مائة كاملة.

ومع ذلك… لم يتوقف بحثه!
أي قلب هذا؟ أي عزم هذا؟!
ذنب فوق ذنب… وجرأة فوق جرأة… ومع ذلك لم تُطفئ الذنوبُ بداخله نورَ البحث عن الله.

وهنا تتجلى أول حقيقة:
الجهل قد يهلك صاحبه ويهلك من يستفتيه.
فالراهب الجاهل أغلق باب التوبة في وجه رجل كان يبحث عن النجاة، فكان سببًا في قتله؛ بل إن هذا الراهب الجاهل سيتحمل وزر فتواه التي أفتى بها من غير علم.


اللحظة الفاصلة: قلبٌ يبحث عن الحياة

سأل عن أعلم أهل الأرض…
فقيل له: هناك عالم رباني… رجل يعرف الله.

ذهب إليه، وفي اللقاء الذي يغير المصير…
سأله بصوت يرتجف:

“هل لي من توبة وقد قتلت مائة نفس؟”

فقال له العالم الكلمة التي لم يسمعها من قبل:
نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة؟

يا الله!
هكذا يتحدث من يعرف الله…
هنا تتجلى حقيقة الدين: أن باب التوبة لا يغلق في وجه أحد مهما بلغت ذنوبه، وأن رحمة الله أوسع من ذنوب العباد.

كلمة واحدة أخرجته من مقابر اليأس، وأعادته إنسانًا قادرًا على الوقوف من جديد.

لكن لاحظ…
العالم لم يقل له: “تب وابكِ واحزن” فقط… بل أعطاه مفتاحًا جوهريًا يجهله كثير من التائبين.
بدأ من الجذور، من أصل المشكلة، من عمق الأمر.


أصل التوبة: غيّر البيئة… تتغيّر أنت

قال له العالم:

اترك أرضك… فإنها أرض سوء.
وانطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها قومًا يعبدون الله، فاعبد الله معهم.
ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء.”

هذه ليست مجرد نصيحة…
هذه قاعدة إلهية في إصلاح القلب:

لا يستقيم قلبٌ يريد الطاعة في بيئة تصنع منه عاصيًا.
ولا يمكن لقلب أن ينظف وهو يغتسل في ماءٍ ملوث.

فالبيئة الفاسدة مصنعُ الذنوب،
والأصحاب السيئون يأخذونك حيث كانوا يأخذونك.

والصحبة الصالحة هي الجدار الذي يحمي التوبة من السقوط.


التوبة حركة لا كلمة

وهنا لم يقل الرجل: “سأتوب غدًا”.
بل قام، ومشى، وهاجر، وترك، وقاوم…

فالعمل يُصدِّقُ القول.
والاتجاه إلى الله أهم من الوصول.

خرج الرجل… ليس ببدنه فقط، بل بقلبه وعقله وروحه.
خرج وهو يعلم أن ذنوبه تمشي خلفه… وأن الماضي يطارده… لكنه يمشي رغم الخوف.


المشهد الأخير… خطوة واحدة تقلب المصير

وفي منتصف الطريق… جاءه الموت.

وهنا وقع المشهد الذي يقشعر له البدن:

– ملائكة الرحمة: جاء تائبًا، مقبلًا بقلبه.
– ملائكة العذاب: لم يعمل خيرًا قط.

كفتان تتصارعان… مصيرٌ يتأرجح…
فيرسل الله ملكًا في صورة رجل ليحكم.

قال لهم:
قيسوا الطريق… أي الأرضين أقرب إليه؟

فقاسوا المسافة…
فوجدوه أقرب — ولو بأشبار قليلة — إلى أرض الصالحين.

فقالت السماء:
هو له.

وأخذته ملائكة الرحمة بين أجنحتها…
رغم أنه لم يصل، ولم يصلّ، ولم يعمل بعد.

ميلٌ واحد… خطوة واحدة… قرار صادق واحد… كان الفارق بين الجنة والنار.

لم يعمل شيئًا…
إلا أنه اتجه بقلبه إلى الله.

وهنا يظهر أحد أعظم أسرار التوبة:

الله يقبل من العبد مجرد الاتجاه قبل أن يقبل الوصول.


فوائد من هذا الحديث العظيم

1. لا ذنب أكبر من رحمة الله

مهما عظم الظلم، ومهما زادت الخطايا…
توبة واحدة صادقة تهدم مئات السنين من الظلم.

الرجل قتل مائة نفس—أعظم الذنوب بعد الشرك—ومع ذلك قيل له:
ومن يحول بينه وبين التوبة؟!”
فلا ييأس من رحمة الله إلا من جهلها.

2.الجهل قد يورد صاحبه الهلاك ويهلك غيره معه

فتوى الراهب جعلته يقتل نفسه ويقتل الرجل معه.
علم بلا بصيرة… أشد خطرًا من السلاح.

وفتوى بلا معرفة… قد تكون جريمة لا تقل خطرًا عن القتل نفسه.

3. من شروط التوبة ترك بيئة المعصية والصحبة الفاسدة

هذا من أعظم الدروس وأوضحها:
العالم لم يأمره فقط بالتوبة…
بل أمره بالهجرة من بيئة الفساد.

– اترك أرضك
– غيّر أصحابك
– اذهب إلى قوم يعبدون الله

لأن البيئة الفاسدة هي مصنع المعاصي، والرجوع إليها غالبًا يعيد الإنسان إلى ماضيه.

والصحبة الصالحة هي الجدار الذي يحمي التوبة من السقوط.

لا تستقيم توبةٌ يقف حولها مَن يجرّها للهاوية.

4. التوبة الصادقة عمل لا كلمة

الرجل لم يقل: “تبت” وبقى مكانه…
بل تحرك، وخرج، وغيّر، وسعى…
وهكذا يُترجم الصدق الحقيقي.

فصدق النية لا يكتمل إلا بسعيٍ يثبتها.

5. الله ينظر إلى الاتجاه… قبل العمل

الرجل مات في الطريق قبل أن يصل… لم يصل، ولم يعمل عملًا صالحًا كاملًا…
 لكنه وصل بقلبه.
والله لا يضيع قلبًا قصده. فسبقت الرحمةُ العمل.

6. خطوة واحدة قد تغيّر المصير

ميل واحد…
خطوة واحدة…
قرار صادق…
كان الفرق بين الجنة والنار.

قيس الطريق فوجد أقرب إلى الأرض الصالحة…
فكتب من أهل الرحمة.
وهذه رسالة لكل من بدأ التوبة:
أول خطوة إليك هي أهم خطوة في حياتك.

7. رحمة الله تتدخل لتجبر كسر التائب

حين اختلفت الملائكة…
أرسل الله ملكًا من عنده ليحكم بينهم.
ما تركه للصدفة… ولا لاجتهاد الملائكة… ولا تائها يتخبط … بل تولى شأنه بنفسه.

8. الطريق إلى الله هجرة قلبية قبل أن تكون هجرة بدنية

الرجل لم يصل إلى القرية…
لكن قلبه وصل قبل أن يصل جسده.

والله ينظر إلى القلوب قبل الأعمال… فلابد من تحسين النية.

9. لا يجوز تعجيز التائبين أو تقنيطهم من رحمة الله

من أعظم الذنوب أن تُقنّط الناس من رحمة الله، أو أن تحكم عليهم بالهلاك دون علم…

وإغلاق باب الأمل في وجه العاصي أعظم جريمة.
وقلوب العباد مكسورة بما يكفي… وقلب العاصي يكفيه ما فيه من ألم، فلا تزيده جراحًا.

10. الصحبة الصالحة ليست رفاهية… بل ضرورة لحفظ الدين

العالم قالها بوضوح:
لا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء.”
كأنما يقول:
بقاءك بينهم يعني بقاءك كما كنت.

فالإنسان ابن بيئته وأصدقائه، وأقرب الناس إليه .


فياأيها التائب: لا تبقَ في أرض السوء… لا تبقَ حيث يسقط قلبك

قصة قاتل المائة نفس ليست مجرد قصة للتسلية…
إنها رسالة لكل قلبٍ أثقله الماضي، ولكل إنسان يُحارب نفسه ليعود إلى الله.

هي قصة كل واحد منا يحارب ماضيه، ويبحث عن بداية جديدة.

تستطيع أن تبدأ اليوم… الآن… هذه اللحظة.

خطوة واحدة… قرار واحد… خروج واحد…
إذا كنت تريد توبةً يعيشها قلبك…
فغيّر بيئتك، وبدّل رفاقك، واهرب بنفسك من أماكن السوء قبل أن تهرب من ذنبك.

وابدأ بخطوة واحدة…
فلعلّ تلك الخطوة هي التي تُقاس لك يوم القيامة،
فتكون الفاصل بين النار… و رحمةٍ واسعة لا تنتهي.

اهرب إلى الله… قبل أن يطوى الطريق، ويقف الحكم فوق رأسك… وتنتهي القصة.

Scroll to Top