
كم من البيوت تُبنى اليوم على معاييرَ زائفةٍ تلمعُ للعين لكنها لا تضيءُ للأرواح؟!
تنجذبُ بعضُ الفتيات إلى الصورة، ويتهالكُ بعضُ الآباء خلفَ المال والمكانة، ثم تُنسَى القلوبُ التي تحتاجُ إلى ما هو أبقى: دينٌ يُطمئِن، وخُلُقٌ يُؤمَن، ورجلٌ إذا أحبَّ أكرم، وإذا غضبَ لم يُهِن.
ومن روائعِ تراثِنا الزاخرِ ما يُعيدُ الميزانَ إلى موضعِه الصحيح؛ قصةٌ خالدةٌ لا تتحدثُ عن زواجٍ وحسب، بل عن بركةِ الاختيارِ حينَ يقودهُ الإيمانُ ويزكِّيه الانصياعُ لأمرِ الشرع، قصةُ الرجلِ الذي لم يكن له نصيبٌ من مُلك الدنيا، لكن كان له نصيبٌ من قلبِ النبيِّ ﷺ، ثم كان له نصيبُ البركةِ في امرأةٍ رضيتْ وحياةٍ أزهرتْ.
روى أبو يعلى الموصلي في مسنده عن ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ:
كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَالَ لَهُ: جُلَيْبِيبُ، فِي وَجْهِهِ دَمَامَةٌ فَعَرَضَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّزْوِيجَ فَقَالَ لَه: يَا جُلَيْبِيبُ، أَلَا تَتَزَوَّجُ؟
فَقَالَ: يا رسولَ الله، ومَن يزوِّجني؟!
فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَا أُزَوِّجُكَ يَا جُلَيْبِيبُ.
فَقَالَ: يا رسولَ الله، إِذًا تَجِدُنِي كَاسِدًا،
فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «غَيْرَ أَنَّكَ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ».
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ، قَالَ:
كَانَتِ الْأَنْصَارُ إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ أَيِّمٌ لَمْ يُزَوِّجْهَا حَتَّى يَعْلَمَ هَلْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا حَاجَةٌ أَمْ لَا؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: «زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ» .
فَقَالَ: نِعِمَّ وَكَرَامَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَنُعْمَ عَيْنِي.
قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ أُرِيدُهَا لِنَفْسِي».
قَالَ: فَلِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
قَالَ: «لِجُلَيْبِيبٍ».
قَالَ: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُشَاوِرُ أُمَّهَا
فَأَتَى أُمَّهَا فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ ابْنَتَكِ.
فَقَالَتْ: نِعِمَّ. وَنُعْمَةُ عَيْنِي.
فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ يَخْطُبُهَا لِنَفْسِهِ إِنَّمَا يَخْطُبُهَا لِجُلَيْبِيبٍ.
فَقَالَتْ: أَجُلَيْبِيبٌ؟! لَا هَا اللَّهِ إِذًا، وَقَدْ مَنَعْنَاهَا فُلَانًا وَفُلَانًا، لَا. لَعَمْرُ اللَّهِ لَا نُزَوَّجُهُ.
قَالَ: وَالْجَارِيَةُ فِي سِتْرِهَا تَسْمَعُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ لِيَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيُخْبِرَهُ بِمَا قَالَتْ أُمُّهَا، قَالَتِ الْجَارِيَةُ: مَنْ خَطَبَنِي إِلَيْكُمْ؟
فَأَخْبَرَتْهَا أُمُّهَا
فَقَالَتْ: أَتَرُدُّونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَهُ؟ ادْفَعُونِي؛ فَإِنَّهُ لَنْ يُضَيِّعَنِي، إِنْ كَانَ قَدْ رَضِيَهُ لَكُمْ فَأَنْكِحُوهُ،
قَالَ: فَكَأَنَّهَا حَلَّتْ عَنْ أَبَوَيْهَا،
فَقَالَا: صَدَقْتِ،
فَانْطَلَقَ أَبُوهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنْ رَضِيتَهُ لَنَا رَضِينَاهُ،
فَقَالَ: “إِنِّي أَرْضَاهُ”
فَقَالَ: شَأْنَكَ بِهَا؛ فَزَوَّجَهَا جُلَيْبِيبًا
ودعا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهما قائلا: «اللَّهُمَّ صُبَّ عَلَيْهِمَا الْخَيْرَ صَبًّا وَلَا تَجْعَلْ عَيْشَهُما كَدًّا كَدًّا»
وَلَمْ تَمْضِ إِلَّا أَيَّامٌ قَلِيلَةٌ عَلَى زَوَاجِهِمَا، وَنَادَى مُنَادِي الْجِهَادِ: يَا خَيْلَ اللهِ ارْكَبِي.
قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ لَهُ.
فَلَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: «هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟»
قَالُوا: نَفْقِدُ فُلَانًا وَنَفْقِدُ فُلَانًا.
قَالَ: «انْظُرُوا هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟»
قَالُوا: لَا.
نسِيه الصحابة ولم يدروا أنه معهم، بيدَ أن النبي قد أحبه حبًّا جمًّا؛ مما جعله يسأل عنه،
قَالَ: «لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا» .
قَالَ: «فَاطْلُبُوهُ فِي الْقَتْلَى» .
فَطَلَبُوهُ فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ.
فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَا هُوَ ذَا إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ،
فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ عَلَيْهِ فَقَالَ: «قَتَلَ سَبْعَةً وَقَتَلُوهُ هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ. هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ» مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا،
ثُمَّ وَضَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَاعِدَيْهِ وَحُفِرَ لَهُ مَا لَهُ سَرِيرٌ إِلَّا سَاعِدَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ وَضَعَهُ فِي قَبْرِهِ، وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُ غَسَّلَهُ.
قَالَ أَنَسٌ: «فَلَقَدْ رَأَيْتُهَا وَإِنَّهَا لَمِنْ أَنْفَقِ بَيْتٍ فِي بِالْمَدِينَةِ»
وقَالَ ثَابِتٌ: فَمَا كَانَ فِي الْأَنْصَارِ أَيِّمٌ أَنْفَقَ مِنْهَا.
هذه القصةُ ليست روايةً للتسلية، بل مرآةٌ نابضةٌ تُريك كيف تصنعُ طاعةُ الشرع مستقبلاً لا تصنعُه الحساباتُ البشرية.
تأملوا المشاهد:
-
- فتاةٌ امتلكتْ حقَّ الرفض، فلما عرفت أن الخاطبَ هو رسولُ الله ﷺ، سلّمتْ لأمرِ الشرع عن رضاٍ واختيارٍ لا عن قهرٍ ولا ضغطٍ، فأنصفها اللهُ وعدَلَ لها الطريقَ بما لم يكن يتوقعُه الناسُ ولا الأهل!
-
- اختارتْ الانقيادَ للإيمان، فلم يضعْها اللهُ بل رفعها:
اللَّهُمَّ صُبَّ عَلَيْهَا الْخَيْرَ صَبًّا، وَلَا تَجْعَلْ عَيْشَهَا كَدًّا كَدًّا.
فكانت الثمرةُ عجيبةً مبهرةً:
-
- زوجٌ صالحٌ، وإن لم يملأْ العين في بدايةِ القصة
-
- لكنّهُ ملأَ التاريخَ بطولةً وشرفًا في نهايتها
-
- وامرأةٌ صارت أَكْثَرَ النساءِ نَفَقَةً وبركةً ورزقًا في الأنصار
-
- لم تُضَيَّعْ لأنها وثِقتْ بالشرع،
- ولم تنجذبْ لمعاييرَ ترتفعُ ثم تسقطُ مع الزمن.
لو كان جُلَيْبِيبٌ مجردَ رجلٍ في عرف الناس، فهي في عرف السماء: امرأةٌ حرَسَ اللهُ اختيارَها حين اصطفَّتْ لجانب الشرع، فكان بعدها كلُّ شيءٍ رزقًا مُبصرًا!
وخلاصةٌ الأمر
-
- لا يجوزُ إكراهُها على زوجٍ لا تريده
-
- إذا قدمتْ موافقتها بدافع الإيمان والطاعةِ لا بدافع المظاهر، فقد بدأتْ الرحلةُ على طريقٍ تُحرسُ بالعنايةِ الإلهية
-
- وحين تُسلِّم لأمر الشرع، لا تُهزمُ القلوبُ لكنها تُهذَّبُ فتثمرُ مودةً ووفاقًا واستقرارًا وبركةً