
هل تخيّلت يومًا أن فنجان قهوتك الصباحي، أو ساعات عملك أمام الشاشة، أو حتى لحظة راحتك على الوسادة بعد يوم طويل… يمكن أن تُكتب لك عند الله في ميزان حسنات كالجبال؟
قد نستغرب الفكرة، لكن العجب الحقيقي ليس فيها… بل في كمّ الفرص التي نضيّعها دون أن نشعر.
يقول بعض أهل الحكمة:
«عبادات أهل الغفلة عادات، وعادات أهل اليقظة عبادات».
مقولة تلخّص أسرار القلب قبل الجوارح، والقبول قبل العمل، والنيّة قبل الحركة.
أولًا: عبادة بلا يقظة… عادة بلا روح
نقوم للصلاة، نقرأ الفاتحة ونُطيل السجود، نردّد الأذكار بألسنتنا…
لكن القلب ساهٍ، الفكر مشتّت، والروح بعيدة؛ فلا حضور، ولا خشوع، ولا فهم.
هنا فقط يحدث التحوّل الصامت…
العبادة التي كان يفترض أن تُرفع إلى السماء، تهبط إلى مستوى العادة اليومية؛ مجرّد حركات محفوظة بلا أثر.
ولذلك جاء التحذير واضحًا:
واللهُ لا يستجيب لقلبٍ غافلٍ لاهٍ.
فكم صلاةٍ لم تغيّر صاحبها؟ وكم ذكرٍ لم يلامس الروح؟ وكم سجدةٍ لم ترفع صاحبها درجة؟
يذكّرنا هذا المعنى بقول النبي ﷺ حين تحدّث عن حقيقة الأعمال وقبولها، وهو ما بيّنته كتب الحديث مثل صحيح مسلم التي نقلت أصل قاعدة الأجر بالنيّة في المباحات.
ثانيًا: عادة بيقظة… عبادة تتجاوز المحراب
أما أهل اليقظة، فهؤلاء اكتشفوا الباب الذي لا يُرى… باب النيّة.
لم يحصروا العبادة في المسجد، ولا في الركوع، ولا في التسبيح فقط.
بل حملوا قلوبهم الحاضرة معهم إلى:
- العمل… فصار أمانة وعبادة.
- الدراسة… فصارت نيّة إصلاح لا شهادة فقط.
- الأكل والشرب… فصارت تقوية على الطاعة لا متعة فقط.
- النوم والراحة… فصارت استعانة لا فرارا.
- وحتى قضاء الشهوة… صار صدقة وأجرا!
وحين تعجّب الصحابة من ذلك؛ قال لهم النبي ﷺ حديثه الشهير:
«وفي بُضعِ أحدِكم صدقة»
فقالوا: أيأتي أحدُنا شهوتَه ويكونُ له فيها أجر؟
فقال ﷺ: «أرأيتم لو وضعها في حرامٍ أكان عليه وِزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر».
هذا الحديث العظيم الذي رواه صحيح مسلم لم يمنحنا حكمًا فقط… بل منحنا نظرةً جديدةً للحياة:
كل حلالٍ بنيةٍ صالحة… يُغرس في أرض العبادة.
ثالثًا: مقياس النيّة يجعل الحركة طريقًا إلى الله
ومن روائع التوجيه النبوي أيضًا ما رواه الصحابي الجليل في الحديث المشهور الذي نقله علماء الحديث كـ دار الحديث المكية ضمن شروحهم:
مرّ شابٌ قويٌ على النبي، فقال الصحابة: لو كان هذا في سبيل الله!
فقال ﷺ:
«إن خرج يسعى على ولده صغارًا فهو في سبيل الله، وإن خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن يسعى على نفسه يُعفّها فهو في سبيل الله، وإن خرج رياءً ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان».
يا الله… شاب بلا سيف، بلا معركة، بلا راية… لكن بنيّة إعفاف نفسه أو إعالة أهله، يُكتب من المجاهدين!
فهنا تتجلّى الحقيقة:
ليست العبرة بالحركة… بل بمن حرّكك، ولماذا تحرّكت.
رابعًا: الجبل يُبنى بالحصى… فلا تحقرنّ صغيرة
قد يعمل أحدنا سنوات، ويمرّ الوقت دون أثر يُذكر…
وقد يقوم آخر بأعمال تبدو صغيرة وعادية…
لكنها تتحوّل باليقظة إلى عبادات جبلية، تُصنع منها الحسنات الضخمة.
يقول عبد الله بن المبارك في سيرته الشهيرة:
ربّ عمل صغير تكبّره النية، ورب عمل كبير تصغّره الغفلة.
فنجاحك في السوق، أو تعبك في المصنع، أو ركضك في الشارع لقضاء مصلحة أهلك…
قد لا يلتفت له الخلق، لكنّه – إذا صاحبه قلب مستيقظ – قد ينافس عبادة الساهرين في الليل.
فيا من تريد حسنات كالجبال… لا تبحث عنها بعيدًا.
هي مبثوثة في يومك، بين أنفاسك، في معاملاتك، في ساعات عملك، وفي لحظة إغلاقك لعينيك.
ليس المطلوب أن تُغيّر يومك…
المطلوب فقط أن تُغيّر نيّتك، وأن توقظ قلبك.
فحينها فقط:
قد تتحوّل عاداتك إلى عبادات…
وتتحوّل لحظاتك المبعثرة إلى قممٍ من الحسنات.
وصدق الله القائل:
{فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين}…
إنها النجاة لمن استيقظ قلبه في الظلمات.
وفي نهاية الطريق، يبقى السؤال:
كم من اللحظات عبرت علينا بلا نيّة، فكانت هباءً؟
وكم من التفاصيل الصغيرة مرّت بيقظة، فصارت عند الله حسنات كالجبال؟
ليس المطلوب أن تُنام أقلّ، أو تعمل أقلّ، أو تأكل أقلّ…
المطلوب فقط أن تعيش بيقين أكثر.
فاجعل قلبك يقظًا، ونِيّتك صادقة، وحركتك لله…
تجد نفسك – بلا شعور – من أهل السبيل، ومن أهل القبول، ومن أهل الغنيمة التي لا تُعدّ ولا تُحصى.
وكما نجّى اللهُ يونس عليه السلام من الغمّ في ظلمات البحر، يظلّ وعده قائمًا إلى قيام الساعة:
{وكذلك ننجي المؤمنين}…
فكل غمّ له عند اللهِ نونٌ للنجاة، لمن قالها بقلبٍ حاضر:
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
فلا تحقرنّ صغيرةً أُخلصت،
ولا تغترّن بكبيرةٍ غفل عنها القلب،
فالجبل يُبنى بالحصى… والقبول يُبنى بالنيّة.