
الدقائقُ أحيانًا تُغيّر أمة… والسنينُ أحيانًا لا تُحرّك قلبًا!
رجلان لم تمضِ على معرفتهما بالدعوة إلا دقائق، لم يعرفا النبي، ولم يسمعا عنه، ولم تُهيِّئْ لهما السيرةُ ولا البيئةُ ولا حتى الحكاياتُ الأولى .. ومع ذلك ما إن تليت عليهما آيات من القرآن العظيم حتى كان نور الإيمان يُقرأ على وجهيهما قبل أن تُقال الكلمة، وقبل أن تُنطق الشهادة، وقبل أن تخطو الأقدامُ إلى الدين!
إسلامٌ لم يحتج إلى مقدمات .. بل إلى لحظة صدقٍ مع الدليل.
حتى قال الراوي عنهما كلمةً تهزّ القلب قبل العقل: فو الله لعرفنا في وجهيهما الإسلام قبل أن يتكلما، وفي إشراقهما وتهللهما.
- كيف لقلوبٍ لم تعاصر الدعوة، ولم تجالس النبي، ولم تسمع عنه أصلًا أن تُفتَح بهذا السرعة؟
- وكيف لمدينةٍ كاملة أن تدخل بعدها في الإسلام .. دون أن تُستَلَّ فيها حربٌ ولا يُنزَفَ فيها زمن؟
هنا يبدأ اللغز …
لغزٌ يكشف أن الهداية قد تأتي غريبة، خاطفة، خاطفةٌ كطلقةِ الفجر!
وعلى الجانب الآخر من الزمن، في مكة… في ممرات الحياة اليومية،
قومٌ عاشوا مع صاحب الرسالة أكثر من خمسين سنة، ناموا على صدقه، واستيقظوا على أمانته، كانوا أعرف الناس بشخصه، وأدرى الناس بنبله، وأخبر الناس بحقيقته، حتى وضعوا على جبينه وسام الثقة قبل بعثته فسمّوه: الصادق الأمين.
لكنه… حين دعاهم إلى دين التوحيد، لم يُجبه منهم إلا القليل، ولم يصدّقوه في وحي السماء، رغم تصديقهم له في خزائن الأرض!
لم يكتفوا بالرفض… بل حملوا لواء الأذى، فحاصروا، وآذوا، وطاردوا، وعاندوا…
ووقف النبي ﷺ ثلاث عشرة سنة كاملة في مواجهة بطشهم في البلد الحرام، يُمتحن بالدعوة، ويُنصر بالثبات؛ يصبر على أذى لا تحمله الجبال، ويُقابَل بالإنكار ممن كانوا يقسِمون بصدقه قبل الوحي، ويواجهونه بالقسوة بعده.
ثم شاء الله أن ينتقل النورُ إلى طيبة…
مدينةٌ تُحرس بالملائكة، لا بالكِبْر…
مدينةٌ ستؤمن بالآيات قبل أن تؤمن بالأنساب…
هناك، لم تنتظر القلوبُ عقودًا لتُؤمن…
لم تنتظر حتى تعرف الرجل الذي جاءها بالرسالة…
بل عرفت الرسالةَ التي جاء بها الرجل!
- وفي أول بستانٍ جلس فيه السادةُ يستمعون للقرآن،
- وفي أول حوارٍ انهزم الكِبْرُ أمام الإنصاف،
- وفي أول لحظةٍ لامست الآياتُ القلبَ…
دخل أسدان من أسود السيادة إلى الإسلام دون أن تُراقَ قطرةُ زمنٍ طويل،
ودخلا النورَ عبر فمِ سفير لم يخرج ليُقاتل أحدًا… بل ليقود أمة:
مصعب الخير… الذي غيَّرَ بكلمات الوحي مجلسَ سادةٍ… فتغيّرتْ بهم المدينةُ كلُّها!
ومضت المعركةُ هناك… لا بين الإسلام والشرك…
بل بين من أنصف في دقائق فهداه الله، ومن عاند سنين فطال عليه طريق النور!
هنا…
اجتمعت المفارقةُ التي لا تزال تُذهل القراء إلى اليوم:
- أن تنفتح القلوبُ للحق في دقائق دون معرفة الداعي،
- وأن تطول طريق الهداية على من عرف الداعي خمسين سنة ولم يُنصِف الدليل،
- وأن تكون أقل دقائق المدينة أثمرَ من ثلاثة عشر عامًا من ليل الأذى في مكة،
- فتُفتح أرضٌ كاملة بهداية رجلين أنصفا حين سمعا… لا حين عرفا.
إنها قصةُ لحظةٍ انتصر فيها القرآن على الكِبر، وانتصرت الكلمةُ على الحربة، وانتصر الإنصافُ على طول المعاناة،
ليبدأ بعدها تاريخُ أمةٍ في مدينةٍ واحدة…
مدينةٌ لم تُؤسَّسْ بسنوات الانتظار… بل بلحظة الاستجابة!
لم تكن بيعة العقبة الأولى حدثًا عابرًا في تاريخ الإسلام، بل كانت بذرة التحوّل الكبرى لمدينة ستصبح لاحقًا قلعة النور، ومركز الانطلاق، وموطن أنصار النبي ﷺ.
ولأن المهمات العظيمة تحتاج إلى رجالٍ عظماء، بعث النبي ﷺ مع المبايعين إلى يثرب أول سفير في الإسلام: مصعب بن عمير، ليعلّم المسلمين هناك شرائع الإسلام.
نزل مصعب على أسعد بن زرارة، وما إن استقرّ بهما المقام، حتى أخذا يدعوان الناس إلى الإسلام .. دعوةً واثقة الخطى، هادئة الصوت، ثابتة اليقين.
وفي يوم اجتمع إليهما رجال من المسلمين في حائط من حوائط بني ظفر، – وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير سيدا قومهما من بني عبد الأشهل يومئذ على الشرك-
فلما سمعا بذلك قال سعد لأسيد: اذهب إلى هذين اللذين قد أتيا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما، وانههما عن أن يأتيا دارينا، فإن أسعد بن زرارة ابن خالتي، ولولا ذلك لكفيتك هذا.
فأخذ أسيد حربته وأقبل إليهما .. ولم يكن يعلم أن حربته التي خرج بها لتطفئ نور الدعوة، ستكون بعد ساعةٍ عونًا له ليهدم بها وثن الشرك في قلبه وقلب صاحبه!
فلما رآه أسعد مقبلًا قال لمصعب: هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه،
فأجابه مصعب، بثقةِ الداعي وإخلاصِ الصادق مع ربه: إن يجلس أكلمه.
وجاء أسيد فوقف عليهما متشتما، وقال: ما جاء بكما إلينا؟ تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة،
لكن مصعب، لم يستقبل السبابَ بالسباب، بل بالكلمةِ الحكيمة التي تفتح المغاليق، فقال له: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كففنا عنك ما تكره،
فقال: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس، فكلمه مصعب بالإسلام، وتلا عليه القرآن.
قال: فو الله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، وفي إشراقه وتهلله،
ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله؟ كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟
قالا له: تغتسل، وتطهر ثوبك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين.
فقام الرجل الذي خرج يزأر بالشرك، وعاد يغتسل للإيمان .. فاغتسل، وطهر ثوبه، وتشهد وصلى ركعتين،
لم يكتفِ أسيد بإسلامه .. بل أدرك أن الطريق إلى هداية قومه يمرّ عبر قلب سعد، فطبق حديث النبي ﷺ (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) قبل أن يسمعه من النبي ﷺ، فقـال:
إن ورائي رجلا إن تبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرشده إليكما الآن- سعد بن معاذ –
ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد في قومه، وهم جلوس في ناديهم،
فقال سعد: أحلف بالله لقد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم.
فلما وقف أسيد على النادي قال له سعد: ما فعلت؟
فقال: كلمت الرجلين فو الله ما رأيت بهما بأسا، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت.
وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه – وذلك أنهم قد عرفوا أنه ابن خالتك – ليخفروك،
فقام سعد مغضبا للذي ذكر له، فأخذ حربته، وخرج إليهما، فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد منه أن يسمع منهما،
فوقف عليهما متشتما، ثم قال لأسعد بن زرارة: والله يا أبا أمامة لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، تغشانا في دارنا بما نكره؟
وقد كان أسعد قال لمصعب: جاءك والله سيد من ورائه قومه، إن يتبعك لم يتخلف عنك منهم أحد،
فقال مصعب لسعد بن معاذ: أو تقعد فتسمع؟ فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره،
قال: قد أنصفت، ثم ركز حربته فجلس، فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن،
قال: فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه، وتهلله،
ثم قال: كيف تصنعون إذا أسلمتم؟
قالا: تغتسل، وتطهر ثوبك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين. ففعل ذلك.
ثم أخذ حربته، فأقبل إلى نادي قومه، فلما رأوه قالوا: نحلف بالله لقد رجع بغير الوجه الذي ذهب به.
فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟
قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيا، وأيمننا نقيبة،
قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله.
ولم تغب شمس ذلك اليوم حتى ما أمسى فيهم رجل ولا امرأة إلا مسلما ومسلمة .. وارتفعت راية الإسلام في بني عبد الأشهل كلها، إلا رجلًا واحدًا يسمى (الأصيرم)، الذي تأخر إسلامه إلى يوم أحد، فأسلم في ذلك اليوم، وقاتل، وقُتل، ولم يسجد لله سجدة، فقال النبي ﷺ عنه تلك الكلمة العجيبة: «عمل قليلا وأجر كثيرا».