
كلمة واحدة قد ترفعك إلى الجنة، وأخرى قد تهوي بك في النار سبعين خريفًا!
اللسان — ذاك العضو الصغير — كم من علاقات هدَم، وكم من قلوب جرَح، وكم من مصائر غيّر!
لهذا قال النبي ﷺ:
«وهل يكبّ الناس في النار على وجوههم — أو على مناخرهم — إلا حصائد ألسنتهم؟»
فانتبه! فالكلمة ليست مجرد صوت يمرّ في الهواء، بل هي سهم ينطلق من فمك، قد يصيبك قبل أن يصيب غيرك.
🌪️ البلاء موكّل بالمنطق
قال العرب قديمًا: «البلاء موكّل بالمنطق»، أي أن الإنسان يُصاب غالبًا بما يتكلم به.
تأمل قول الله تعالى في قومٍ استهزؤوا بالعذاب فقالوا لأنبيائهم ساخرين:
(فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)
فجاءهم الرد الإلهي الحاسم:
(بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ)
فما نطقوا إلا ودارت الدائرة عليهم، وما استهزؤوا إلا فجاءهم ما استهزؤوا به!
إنها سنة من سنن الله في خلقه؛
من يستهين بالكلمة قد يجني عاقبتها،
ومن يستهزئ بآيات الله قد يُريه الله من آياته ما يوقظه من غفلته.
💭 الكلمة مسؤولية
الكلمة ليست مجرد تعبير عن رأي، بل أمانة وموقف.
قال الله تعالى:
(مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)
كل لفظٍ محسوب، وكل عبارةٍ مسجلة، وسيُسأل عنها العبد يوم القيامة.
قال ﷺ:
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»
وهذا توجيه نبوي بليغ يختصر آداب اللسان كلها في قاعدة واحدة:
🔹 إما كلمة طيبة تبني،
🔹 أو صمت حكيم يجنبك الزلل.
⚡ حين يتحدث اللسان قبل العقل
كم من الناس أطلقوا كلمة في لحظة غضب فخسروا أحبّتهم!
وكم من مسؤول أو كاتب أو داعية أطلق عبارة غير محسوبة، فأساء إلى دينه أو وطنه أو سمعته!
ولذلك قال الإمام الشافعي رحمه الله:
“احفظ لسانك أيها الإنسان، لا يلدغنك إنه ثعبان.”
وإن من البلاء أن يتحدث الإنسان في كل شيء، في السياسة والفتوى والدين والناس، بغير علم ولا ورع.
قال ﷺ:
«إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسًا يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب»
فمن أراد السلامة، فليزن كلماته بميزان التقوى قبل أن يزنها الناس بميزان النقد.
🌸 الكلمة الطيبة صدقة
في المقابل، ما أجمل أثر الكلمة الطيبة!
كلمة مواساة لمهموم، كلمة شكر لمُحسن، كلمة دعاء لمحتاج…
كلها تُزرع في الأرض الطيبة فتنبت خيرًا.
قال الله تعالى:
(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ)
فالكلمة الطيبة ترفعك عند الله وعند الناس،
والكلمة الخبيثة تحطّك في الدنيا قبل الآخرة.
🧭 خلاصة القول:
راقب لسانك، قبل أن يُراقبك.
تذكّر أن كل حرف ينطق به فمك يُكتب في صحيفة أعمالك.
وأن من يستهين بالكلمة قد يُبتلى بها.
فكم من ساخرٍ عوقب، وكم من متطاولٍ سقط، وكم من متحدثٍ ندم!
احذر كلامك، فالبلاء موكّل بالمنطق،
ولا تتكلم إلا بخير،
فإن خير الكلام ما نفع ورفع،
وشره ما أوجع وقطع.
قبل أن تنطق، اسأل نفسك:
هل ستسرك هذه الكلمة يوم تعرض صحيفتك على الله؟
إن كانت نعم، فقلها بطمأنينة،
وإن كانت لا… فالصمت عبادة.
«رحم الله امرأً قال خيرًا فغنم، أو سكت عن سوءٍ فسلم».