فرعون… الرجل الذي صدّق كذبته!

ما أكثر ما يدهشنا الغرور حين يبلغ بصاحبه حدّ الجنون!
ذلكم فرعون – طغى وتجبر، ونسي أنه بشر، فرفع عقيرته صارخًا في قومه كأنه نسي أصل طينته وقال مزهوًّا بنفسه:

“أنا ربكم الأعلى!”

يا للعجب! كأنما لم يخلق من نطفة، ولم يخرج من رحم امرأة، ولم يذق طعم الخوف والجوع والمرض كسائر الناس.
ثم لم يكتفِ بادّعاء الربوبية، بل زادها من الشعر بيتًا فقال متحديًا السماء:

“ما علمت لكم من إله غيري.”

كلمات خرجت من فم مريض بالعظمة، لكنها كانت أول مسمار في نعش ملكه، وأول خطوة في طريق غرقه.


وجاء مشهد الختام وغرق الطاغية في درس السباحة الأخير

دخل البحر في زهو المنتصر، يظن أن الماء قد انشق ترحيبًا بقدومه، وأن الأمواج قد انبطحت تعظيمًا لجلاله!
ولم يدرِ المسكين أن البحر مأمور لا يركع إلا لأمر الله، وأن لحظة الحساب قد دنت.

انغلق الموج عليه، فغاص المتكبر في قاع الحقيقة…
الحقيقة التي حاول الهروب منها عمره كله.

حينها فقط، نطق ما لم يكن ينطقه في عزّ سلطانه:

“آمنتُ أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل.”

لكن هيهات!
فالإيمان ساعة الغرق لا يرفع الغريق، والرجوع بعد الفوات لا يُكتب له قبول.


من حطام التاج الذهبي دروس وعبر

  1. الكِبْر أول الغرق:
    ما رفع أحد نفسه فوق قدره إلا أذلّه الله بما كان يظن أنه سبب مجده.
    الكبرياء نار، أول من يشتعل بها صاحبها.
  2. السلطة زائلة وإن طالت:
    كم من قصورٍ كانت تزهو بأضوائها، صارت اليوم أطلالًا تروى عنها القصص!
    فرعون كان يقول: “أليس لي ملك مصر؟”
    وها هو ملك مصر كله لا يملك له شبرًا من الأرض يُدفن فيه بسلام.
  3. من نازع الله كبرياءه… أهلكه الله بنعمه:
    الماء الذي جعله الله سبب الحياة، صار لفرعون سبب الفناء.
    وهكذا سنّة الله في المتجبرين: يهلكهم بما ظنّوا أنه قوتهم.
  4. الله يُمهل ولا يُهمل:
    طغى فرعون سنين طويلة، ومع ذلك لم يُؤخذ إلا حين بلغ البغي ذروته، لتبقى رسالته واضحة:
    “إن ربك لبالمرصاد.”

فراعنة العصر… بوجوه جديدة

لم ينقرض الفراعنة، بل بدّلوا التيجان بالبدلات، والعصيّ بالألقاب.
منهم من يظن أنه لا يُخطئ، ومنهم من يتحدث وكأن الكون يسير بإشارته.
لكن التاريخ لا ينسى، والقدر لا يتأخر، وكل من نازع الله علوّه، فله بحر ينتظره…
قد يكون بحر الفضيحة، أو بحر المرض، أو بحر الانهيار المفاجئ.


العبرة الكبرى

يا من تُعجبك نفسك اليوم، تذكّر أن فرعون كان أكثر منك قوة، وأوسع ملكًا، وأشد بطشًا… ومع ذلك، غرق في لحظة واحدة!

فلا تغترّ بسلطانٍ ولا مالٍ ولا جاه، فإن الذي شقّ البحر لموسى، قادر أن يغرقك في قطرة ماء.

واعلم أن التواضع رفعة، وأن من قال: “أنا الأعلى”
كان مصيره إلى الأسفل…
إلى قاع البحر، حيث لا يعلو إلا اسم الله وحده.

Scroll to Top