سوف يُرى !!!

عجيبة هذه السورة العجيبة وهي تختار كلماتها وحروفها وحتى حركات إعرابها لتأخذنا بحركة واحدة من عالم الأرض إلى عالم السماء حيث يتناغم الحديث والسياق مع النجم الذي هو اسم السورة وهو رمز الرفعة والهداية والقدوة والاقتداء.

—————

فتلك الآيات المباركات قد عددت لنا بعض القواعد الكونية الراسخة التي لاتقبل شكاً ولاجدلاً مما حوته صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ، عليهما وعلى سيد الأنبياء أفضل الصلاة والسلام !

—————-

والذي أخذني وشدني في هذه الآيات -وكلها كذلك -هو ذلك الفعل المضارع العجيب ( يُرى) وكيف جاء مبنياً للمجهول في سياق كله معلوم!!!

فالحديث هنا عن الإنسان وسعيه في هذه الحياة الدنيا، والسياق متوجه إليه بكل وضوح لا إلى غيره ، وقد كان من المناسب والجائز في غير القرآن أن يقال ( وأنه -أي الانسان -سوف يرى سعيه) أو (أنه سوف يراه ) ، بل لقد كان بوسع القرآن أن يقول ذلك ، ولو قالها لكنا بها -كعادتنا-مصدقين ومُسلّمين غير مندهشين ولا متسائلين!!!

لكن القرآن عمد أن يلتفت بنا فجأة من سياق المعلوم المحدود إلى سياق الواسع واللامحدود ؛ ليؤكد للمخلص في عمله ألا يحمل هم إخلاصه وأن ينشغل بحسن الصنعة وإتقانها، تاركاً التفكير في كيفية ظهورها وإعلانها وذيوعها، فالله وحده -وبطريقته العظمى لابطرقنا العاجزة – هو من سيتولى إذاعة ونشر وعرض عمل المخلصين وإخلاص العاملين!

وكأن العمل المتقن المخلص هو معراج صاحبه من الأرض إلى السماء.

———-

ويتضح المعنى جليا في قوله تعالي في سورة فاطر (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) فهو سبحانه يتولى بنفسه رفعة كل عمل صالح ، ليكون على مرأى ومسمع من العالمين!!!

————

-وتخيل معي أن عملا متقناً تم في الأرض ، ثم صعد إلى السماء ليكون نجماً ساطعاً بين نجومها ؟ فكم عدد المخلوقات التي ستراه وتتطلع إليه وتندهش له ؟

أما لو ظل هذا العمل حبيس الأرض ما رآه سوى صاحبه !!!

ومن أجل ذلك جاءت ( يُرى) لتحكي لنا عن العالم الواسع اللامحدود الذي يتطلع إلى هذا العمل المتقن لوجه الله تعالى !!!

ولو جاء الفعل( يرى) في سياق المعلوم ما أفاد شيئاً من ذلك.

وتناسباً مع الفكرة ذاتها جاء الفعل ( يُجزاه) مبنياً للمجهول أو لما لم يسم فاعله أيضاً، وبطريقة تراكيبية مختلفة ومتميزة ،ليحكي لنا مصادر الجزاء المتعددة التي تتسابق إلى الإنسان المخلص في عمله لتجزيه الجزاء الأوفى!!!

————

ذلك ما رأيتُه في ( يُرى) والله أعلم بما يُرى ومالم يُر!!!!

Scroll to Top