🕊️ الزهد الحقيقي: أن تملك الدنيا دون أن تملكك

زاهد يسير في صحراء واسعة قرب الجبال وقت الغروب، يعرض ظهره حاملاً عصاه، في مشهد يرمز إلى الزهد والسكينة والتجرد من الدنيا.

🌍 خدعة الزهد الخاطئ

خدعوك فقالوا: إن الزهد في الدنيا أن تتركها لأهلها، وتطرحها وراء ظهرك، فلا تلتمس فيها رزقًا، ولا ترجو منها خيرًا!
وهذا – وربي – عين الظلم؛ لأننا بهذا نُسلِّم الدنيا لأهل الضلال والمعصية فيفسدون فيها ولا يُصلحون.

بل إن في هذا الفهم سوء أدبٍ مع الله تبارك وتعالى الذي أحل لعباده الزينة والطيبات من الرزق، فقال سبحانه:

﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32]

🌿 الزهد في ضوء سيرة النبي ﷺ

لقد علَّمنا نبينا الكريم ﷺ أن الزهد ليس ترك الدنيا، بل تطويعها لخدمة الآخرة.
فهو ﷺ كان أزهد الناس، ومع ذلك لم يُحرِّم على نفسه ما أباحه الله له، بل كان يأكل، ويتزوج، ويمتلك، لكنه لا يجعل شيئًا من ذلك يملكه قلبه.

قال ﷺ لعمرو بن العاص رضي الله عنه:

“نِعْمَ المالُ الصالحُ للمرء الصالح”
[رواه أحمد]

فلم يأمره النبي بالزهد السلبي أو ترك المال، بل رغّبه أن يكون المال في يده لا في قلبه، وأن يجعله وسيلةً للخير لا غايةً للهوى.

⚖️ الزهد عملٌ لا كسل

البعض للأسف يفهم الزهد على غير معناه، فيظن أنه الانقطاع عن العمل بحجة التفرغ للعبادة!
وهذا فهم خاطئ وزعم باطل، يُفضي بصاحبه إلى الضعف، وبالمجتمع إلى الجمود والانهيار.

الزهد لا يعني أن تترك الدنيا، بل أن تعمل فيها، وتتقن عملك، وتستثمر رزقك، وأنت تعلم أن الآخرة هي الهدف.
فالزهد ليس في اليد، بل في القلب.

👑 سليمان عليه السلام.. زهد في قلب الملك

تأمل حال نبي الله سليمان عليه السلام؛ ملكٌ لم يؤت أحدٌ مثله من العالمين: قوّات من الإنس والجن والطير، والريح تجري بأمره، والشياطين تبني وتغوص له.

﴿هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: 39]

لكنه لم يركن إلى الملك، بل خشي أن يكون ذلك استدراجًا له من حيث لا يعلم فقال:

﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: 40]

هكذا الزهد الحقّ؛ أن تملك الدنيا، لكنها لا تملك قلبك.

🩵 أقوال السلف في الزهد الحقيقي

قال الإمام الزهري رحمه الله:

“ليس الزهد تشعيث اللمة ولا قشف الهيئة، ولكنه صرف النفس عن الشهوة.”

وسُئل الإمام أحمد بن حنبل:

“هل يكون المرء زاهدًا ومعه ألف دينار؟”
قال: “نعم، إن زادت لا يفرح، وإن نقصت لا يحزن.”

ما أروع هذا التوازن! زهد لا يعني الفقر، بل يعني تحرر القلب من التعلق بما يملك.

🌅 متاع الغرور.. فهم مغلوط

لكن البعض يستدل بقوله تعالى:

﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]

ويظن أن هذا ذمٌّ مطلق للدنيا! لكن سعيد بن جبير رحمه الله بيَّن المعنى فقال:

“متاع الغرور ما يُلهيك عن طلب الآخرة، وما لم يُلهك فليس بمتاع الغرور.”

وقال الحسن البصري:

“ليس من حبك للدنيا طلبك ما يصلحك فيها.”

فالدنيا حين تكون طريقًا إلى الآخرة، فهي نعمة، وليست غرورًا.

🌸 خلاصة القول

الزهد الحق أن تملك الدنيا، لكن يبقى قلبك لله وحده.
أن تستخدم المال لا أن يستخدمك، وأن تكون سيدًا للنعمة لا عبدًا لها.

الزاهد ليس من ترك الدنيا، بل من لم تملكه الدنيا.
فكن من هؤلاء الذين يعيشون فيها.. لكن بقلوبٍ تتجه نحو السماء.

Scroll to Top