نداء يونس في الظلمات.. سرُّ النون في القرآن ورمز النجاة الإيمانية

بقلم المستشار د. مصباح عيد
“ وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ (87) فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡغَمِّۚ وَكَذَٰلِكَ( نُـۨجِي) ٱلۡمُؤۡمِنِينَ” (88) الأنبياء.
———————-
عجيب أمر هذا الكتاب العجيب الذي لم تتوقف أسراره عند حروفه وكلماته وآياته ، بل فاضت تلك الأسرار لتصل إلى شكله ورسمه الكتابي .
_________________
ففي هاتين الآيتين الكريمتين يتحدث القرآن عن سيدنا يونس عليه السلام، الذي ذهب مغاضباً من قومه لائذاً بربه في الفلك المشحون ،ثم يستسلم لنتيجة القرعة مضحياً بنفسه في سبيل نجاة من هم على متن السفينة، فيلتقمه الحوت في قصته المعروفة ، فتتضاعف عليه الظلمات، لكنه لم ييأس من كل ذلك، بل استجار بربه مستغفراً إياه ومسبحاً له( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الطالمين) ، وإذا بالقرآن يسمي الحوت نوناً ويسمي يونس بذي النون!
________________
والنون هي ذلك الحرف المجوف العميق الذي يشبه بشكله الكتابي صورة البحر الذي سقط فيه يونس عليه السلام، كما أن نقطة النون تشير وتصور حالة يونس وهو وحده كنقطة في عرض البحر.
وفي السياق ذاته تأتي كلمة (نُـۨجِي) بنونين منفصلتين تعلو إحداهما الأخرى، على غير قواعد الكتابة العربية، بل إن العليا منهما قد انفردت بشكل كتابي لامثيل له، فعلى الرغم من كونها قد جاءت في وسط الكلمة إلا أنها اتخذت شكل حرف كامل منفرد لا يسبقه ولا يتصل به أي من الحروف.
_________________
ويشتد العجب عندما تجد هذه الكلمة وقد جاءت بهذا الشكل الكتابي في هذا الموضع بالذات ، لتقول لنا إننا بصدد الحديث عن ذي النون، فلابد أن نخصه بنون تكسر كل القواعد ، بل وتخرج من زحام الحروف وتعلو بنفسها على بقية الحروف، في مكان خال.
وإني لأرى في الشكل الكتابي لكلمة (نُـۨجِي) وقد ارتفعت إحدى نونيها، تصويراً عكسياً لحالة يونس عليه السلام عندما استسلم للقرعة وهوى بنفسه في ظلمات البحر لأجل نجاة الباقين من الغرق، فكان جزاؤه أن يقابل اللهُ سقوطَه برفعة وارتفاع فوق الجميع ليكون الجزاء من جنس العمل، وتأتي النون المرتفعة لتصور لنا هذا الحدث النبوي العظيم.
بل إني لأستشعر في هذه النون بصورتها هذه وكأنها مجاراة وملاطفة قرآنية لذي النون عليه السلام، وكأن القرآن يقول له ولنا إن لك عندنا نوناً ليس كمثلها نون.
__________________
كما أن في هذا الرسم القرآني تركيزاً على حرف النون منفرداً في الموضع الذي وصف فيه يونس صراحة بذي النون، لنعيش هذا المشهد رأي العين قراءة وكتابة.
وكأني بهذه النون ونقطتها أيضاً تتشبه ببطن الحوت وهي تلتف حول يونس عليه السلام ثم تتسع له كلما علا صوته بالتسبيح، فيتحول الحوت المفترس إلى أم حانية وجندي أليف حارس لهذا المخلوق المسبح.
____________________
كما أن هذه النون بشكلها الكتابي الكامل الذي وردت عليه، إنما تأخذ صورة قارب النجاة الذي يسبح وحده فوق الأمواج، معتصماً بتسبيح يونس عليه السلام إلى أن تنزلت عليه الرحمات فكان من الناجين.
وإلى هذه الدرجة صار الحرف القرآني هو الذي يتشبه بالمسبح يونس عليه السلام !!!
كما أن في هذه النون المميزة إشارة إلى تمييز المسبحين عمن عداهم، فهم في قالب خاص وفي قارب نجاة متميز، وفي مكان مرتفع ومقام رفيع، وكذلك (نُـۨجِي) المؤمنين !!!